افراسيانت - لم تعد المناطق العازلة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية مجرد تدبير عسكري مؤقت فرضته ظروف الحرب، بل باتت تتبلور باعتبارها استراتيجية طويلة الأمد لإدارة الحدود مع الجوار.
وبعد أكثر من عامين ونصف على هجوم السابع من أكتوبر 2023، والحرب على غزة، والمواجهات مع حزب الله، ثم الحرب مع إيران، تبدو إسرائيل أكثر اقتناعًا بأن أمنها لا يتحقق بالاعتماد على اتفاقات وقف إطلاق النار أو الضمانات الدولية، وإنما بفرض وقائع ميدانية جديدة خارج حدودها.
غير أن هذا التحول، الذي يُقدَّم داخل إسرائيل بوصفه ضرورة أمنية، يحمل في المقابل مخاطر إطالة أمد الصراعات الإقليمية وتحويل الإجراءات المؤقتة إلى نزاعات حدودية مزمنة.
وتتجسد هذه المقاربة اليوم في ثلاث ساحات رئيسية هي غزة ولبنان وسوريا، حيث تتكرر الفلسفة ذاتها وإن اختلفت أدوات التنفيذ. فبدل الاكتفاء بردع الخصوم، تتجه إسرائيل إلى خلق "عمق أمني" عبر السيطرة على مساحات حدودية، وتقييد حركة السكان فيها، وربط أي انسحاب منها بشروط يصعب على الطرف الآخر تحقيقها.
وبهذا تصبح المنطقة العازلة ليست وسيلة لإنهاء التهديد، وإنما آلية لإدارته بصورة دائمة.
ويمثل هذا التحول تغييرًا واضحًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فمنذ عقود، اعتمدت إسرائيل على مزيج من الردع العسكري، والتفوق الاستخباراتي، والاتفاقات الأمنية، مع الاحتفاظ بحق تنفيذ عمليات استباقية عند الضرورة.
لكن هجوم السابع من أكتوبر أحدث صدمة عميقة داخل المؤسسة الأمنية، بعدما أثبت أن الردع وحده لم يمنع الفصائل المسلحة من تنفيذ هجوم واسع النطاق.
ومنذ ذلك الحين، أخذ مفهوم "الدفاع المتقدم" يفرض نفسه باعتباره البديل. ويقوم هذا المفهوم على إبعاد مصادر التهديد عن الحدود الإسرائيلية من خلال السيطرة المباشرة على المناطق المقابلة، ومنع الجماعات المسلحة من إعادة بناء قدراتها العسكرية بالقرب من المستوطنات والبلدات الحدودية.
كما تستند هذه الرؤية إلى قناعة متزايدة بأن الدول المجاورة، سواء بسبب ضعف مؤسساتها أو انقسامها الداخلي، لم تعد قادرة على فرض الترتيبات الأمنية التي تلتزم بها على الورق، الأمر الذي يدفع إسرائيل إلى تولي هذه المهمة بنفسها.
وكانت غزة الساحة الأولى التي طُبقت فيها هذه المقاربة بصورة واسعة.
فبعد وقف إطلاق النار، لم يقتصر الأمر على تثبيت خطوط انتشار القوات الإسرائيلية، بل جرى إنشاء مناطق واسعة مغلقة شرق القطاع، أزيلت فيها مبانٍ وطرق وأراضٍ زراعية بدعوى منع عودة حماس إلى مواقع إطلاق الصواريخ أو حفر الأنفاق.
وبذلك، تحولت المنطقة العازلة من شريط أمني محدود إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية والعمرانية في القطاع، حيث تقلصت مساحة الأراضي المتاحة للفلسطينيين، ودُفعت الكثافة السكانية نحو الغرب، بينما أصبحت الحدود الفاصلة بين الانتشار العسكري المؤقت والسيطرة المستدامة أكثر غموضًا.
ويرى مراقبون أن مثل هذه الوقائع تجعل أي مفاوضات مستقبلية أكثر تعقيدًا، لأن النقاش لن يدور فقط حول وقف إطلاق النار، بل حول مصير الأراضي التي أصبحت خاضعة لسيطرة إسرائيل.
وفي الجنوب اللبناني تتكرر المقاربة نفسها، لكن ضمن سياق أكثر تعقيدًا.
فإسرائيل تشترط انسحاب حزب الله إلى شمال نهر الليطاني ونزع سلاحه قبل الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية. إلا أن هذه الشروط تصطدم بواقع سياسي وأمني يجعل تنفيذها بالغ الصعوبة.
فالجيش اللبناني لا يمتلك القدرة على نزع سلاح حزب الله بالقوة دون المجازفة بإشعال مواجهة داخلية، كما أن الحكومة اللبنانية لا تستطيع فرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب بينما يستمر الوجود العسكري الإسرائيلي.
وهكذا تنشأ حلقة مفرغة؛ إذ تبرر إسرائيل استمرار وجودها بعدم تنفيذ الشروط، بينما يرى الجانب اللبناني أن تنفيذها يصبح أكثر صعوبة في ظل استمرار الاحتلال. والنتيجة هي إطالة أمد الأزمة بدلًا من تمهيد الطريق لحلها.
ورغم أن إسرائيل تبرر المناطق العازلة بحماية بلداتها الشمالية، فإن هذه السياسة قد تمنح حزب الله فرصة لاستعادة جزء من شرعيته الداخلية.
فكلما طال أمد الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، أو فُرضت قيود على القرى والسكان، ازدادت قدرة الحزب على تقديم نفسه باعتباره قوة مقاومة تدافع عن السيادة اللبنانية، وليس مجرد امتداد للمشروع الإيراني.
وبذلك، قد تؤدي الاستراتيجية التي تستهدف تقليص نفوذ الحزب إلى نتائج معاكسة، عبر إعادة إحياء الخطاب الذي يستند إليه في تبرير احتفاظه بسلاحه، حتى بعد ما تكبده من خسائر عسكرية وسياسية.
وأما في سوريا، فتسير إسرائيل وفق المنطق ذاته، وإن كانت الآليات أقل وضوحًا.
هذا التحول، الذي يُقدَّم داخل إسرائيل بوصفه ضرورة أمنية، يحمل في المقابل مخاطر إطالة أمد الصراعات الإقليمية وتحويل الإجراءات المؤقتة إلى نزاعات حدودية مزمنة.
وبعد انهيار نظام بشار الأسد، توسعت القوات الإسرائيلية داخل المنطقة المنزوعة السلاح، وعززت انتشارها في جنوب سوريا بحجة منع الجماعات المسلحة أو الفصائل المدعومة من إيران من استغلال الفراغ الأمني.
لكن مع مرور الوقت، تتحول المواقع المؤقتة إلى بنية عسكرية دائمة، تشمل نقاط مراقبة وطرقًا عسكرية وتحصينات ميدانية، بما يخلق واقعًا جديدًا على الأرض يصعب تغييره لاحقًا.
كما تشير الطروحات الإسرائيلية المتعلقة بإقامة أحزمة منزوعة السلاح، وتقييد انتشار القوات السورية، والإبقاء على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، إلى رغبة في التأثير في شكل النظام الأمني السوري المستقبلي، بحيث تصبح الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية جزءًا من ترتيبات الدولة السورية الجديدة.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن المناطق العازلة قد توفر لإسرائيل شعورًا أكبر بالأمن على المدى القصير، لكنها في المقابل تخلق أسبابًا إضافية لاستمرار النزاعات.
فالسكان الذين تُقيَّد حركتهم أو تُصادر أراضيهم، والدول التي ترى أجزاء من أراضيها خاضعة لسيطرة خارجية، والقوى المسلحة التي تجد في ذلك مبررًا لمواصلة القتال، كلها عوامل تجعل الوصول إلى تسويات سياسية أكثر صعوبة.
كما أن تحويل الإجراءات العسكرية المؤقتة إلى وقائع جغرافية ثابتة يعني أن أي مفاوضات مستقبلية لن تبدأ من استعادة الوضع السابق، وإنما من التفاوض حول ما إذا كانت إسرائيل ستتخلى عن الأراضي التي أصبحت تسيطر عليها، وهو ما يرفع كلفة أي اتفاق سياسي.
وتشير التجارب في غزة ولبنان وسوريا إلى أن إسرائيل تتجه نحو تبني عقيدة أمنية جديدة قوامها إنشاء أحزمة أمنية خارج حدودها، وربط الانسحاب منها بتحقيق شروط يصعب على الأطراف الأخرى الوفاء بها.
وقد تمنح هذه المقاربة إسرائيل هامشًا أوسع من حرية الحركة العسكرية، لكنها في الوقت نفسه تجعل النزاعات الحدودية أكثر رسوخًا، وتؤخر فرص التسوية، وتوفر للجماعات المسلحة روايات جديدة لتبرير استمرارها.
ولهذا، فإن المناطق العازلة تبدو، في صورتها الحالية، أقل شبهًا بإجراء أمني مؤقت، وأكثر اقترابًا من نموذج لإدارة الصراعات بدلًا من إنهائها، بما ينذر بإطالة أمد التوترات في الشرق الأوسط وتحويلها إلى جزء دائم من المشهد الإقليمي.
