ثقافة

حين يبكي طفل.. تتعطل السياسة!

حين يبكي طفل.. تتعطل السياسة!

افراسيانت - مريم مشتاوي - في كل مرة يظن الإنسان أنه اعتاد صور الحدود، والأسلاك الشائكة، والجنود، والمهاجرين الذين يحملون أعمارهم في أكياس صغيرة، يظهر مشهد واحد يعيد ترتيب القلب من جديد.


هذه المرة لم يكن المشهد قارباً يغرق، ولا رجلاً يتشبث بموجة، ولا أماً تصرخ وهي تبحث عن طفلها.


كان طفلاً يبكي، طفلا مغربيا، صغيرا إلى الحد الذي يجعلك تتساءل إن كان يعرف أصلاً معنى الحدود. كان يبكي بحرقة، وهو يرجو جندياً إسبانياً ألا يعيده مع المهاجرين.


لم يكن يتحدث بلغة السياسيين، ولا بلغة الاتفاقيات الدولية، ولا يعرف شيئاً عن قوانين اللجوء والهجرة. كان يتحدث باللغة الوحيدة التي يفهمها جميع البشر منذ بداية الخليقة، لغة الخوف! ذلك الخوف الذي لا يحتاج إلى مترجم.


أكثر ما شدني في المشهد لم يكن بكاء الطفل، بل يد الجندي، كم هي غريبة هذه اليد!


قبل دقائق كانت تحمل بندقية، وبعد لحظات أصبحت تمسح دموع طفل، ثم وضعت ذراعها حول كتفه، وسارت معه ببطء، كأنها تقول له دون كلمات: «لن أتركك وحدك».


هنا فقط أدركت أن الإنسان يستطيع أن يكون أكبر من دوره، فالجندي ليس مجرد جندي، ورجل الشرطة ليس مجرد شرطي.


والحدود ليست دائماً حدوداً، أحياناً ينتصر الإنسان على الوظيفة، وينتصر القلب على التعليمات.


أفكر كثيراً في هذا الطفل، لا أعرف اسمه، ولا أعرف أين سينام الليلة.


ولا ماذا سيقول لأمه إن عاد إليها، ولا إن كانت أمه أصلاً تعرف أين هو، لكنني أعرف شيئاً واحداً، أنه حين بكى، لم يكن يبكي وحده.


كان يحمل دموع آلاف الأطفال الذين لم يختر أحد منهم مكان ولادته. لم يختر أحد منهم أن يولد في بلد يدفع أبناءه إلى البحر.


ولم يختر أحد منهم أن تصبح كلمة «الهجرة» أول كلمة يتعلمها قبل أن يتعلم القراءة!


كم يبدو العالم قاسياً حين يصبح الحلم الوحيد لطفل أن يبقى في مكان لا يريد أحد أن يبقى فيه، في نشرات الأخبار تختصر المأساة بأرقام.


ستون ألف مهاجر، مئة ألف لاجئ، ألف مفقود. خمسمئة قتيل!


لكن الحقيقة أن الرقم لا يبكي، الرقم لا يرتجف، الرقم لا ينادي أمه، الرقم لا ينام جائعاً. لهذا أخشى دائماً من الإحصاءات.


فهي تحول الإنسان إلى خانة في جدول، بينما كل واحد منهم يحمل حياة كاملة، وبيتاً، وصورة عائلية، وأغنية كان يحبها، وحلماً صغيراً لم يكتمل.


ذلك الطفل ليس حالة إنسانية فقط، إنه عمر كامل يمشي على قدمين صغيرتين.


تذكرت وأنا أشاهد كل الأطفال الذين سرقتهم الحروب والفقر والجوع، في غزة، يركض الأطفال وراء الماء، وفي السودان، يركضون وراء لقمة خبز! ، وفي البحر المتوسط، يركضون وراء قارب قد يصل أو قد يبتلعهم البحر.


يبدو أن الطفولة في هذا العالم أصبحت سباقاً دائماً. لكنها ليست سباقاً نحو الألعاب، إنما هي سباق للبقاء.


كم هو مؤلم أن يكون أكثر ما يحتاجه طفل في هذا العصر، ليس لعبة جديدة، ولا حقيبة مدرسية، ولا دراجة هوائية،بل شخص بالغ يطمئنه.


فقط يطمئنه، أن يقول له: «لن يحدث لك شيء».


ربما لهذا السبب أثرت فيّ صورة الجندي، لأنه، ولو لدقائق، تذكر أنه كان طفلاً يوماً ما. وهذا يكفي أحياناً ليصبح العالم أقل قسوة.


أعرف أن الدول لها قوانين، ولها حق حماية حدودها، ولها مسؤوليات أمنية لا يمكن إنكارها.


لكنني أعرف أيضاً أن القوانين لا يجب أن تنسى الإنسان، الذي كتبت من أجله. فالعدالة التي لا تعرف الرحمة تتحول إلى ظلم. والرحمة التي لا تعرف العدالة تتحول إلى فوضى.


وبين الاثنين، يقف طفل صغير، لا يحمل سوى دموعه، منتظراً أن يقرر الكبار إلى أي جهة سينتمي.


أكثر ما يخيفني ليس أن يمتلئ العالم بالأسلاك الشائكة، بل أن تمتلئ القلوب بها، فالحدود الحقيقية ليست تلك التي تفصل بين بلدين. إنها تلك التي تفصل بين إنسان وإنسانيته، حين نعجز عن رؤية طفل قبل أن نرى جنسيته، نكون قد خسرنا شيئاً أكبر من السياسة.


وحين ننظر إلى مهاجر، فلا نرى سوى ملف إداري، نكون قد نسينا أن لكل إنسان قصة بدأت قبل أن يصل إلى هذه الحدود بسنوات طويلة.


أتمنى أن يكبر ذلك الطفل يوماً، وأن يتذكر شيئاً واحداً فقط من ذلك النهار، ليس الخوف، ولا البكاء، ولا الحدود. أتمنى أن يتذكر فقط اليد التي وضعت على كتفه.
وربما، وسط كل هذا الضجيج السياسي، وكل هذه النقاشات التي لا تنتهي، يبقى الدرس الأبسط هو الأصدق: أن العالم لا يحتاج دائماً إلى اتفاقية جديدة. أحياناً يحتاج فقط إلى قلب لا يخاف أن يكون إنساناً.


حين يصبح الناجون غرباء


لم يهزّني في حديث شاب سوداني أنه عبر البحر، ولا أنه سار آلاف الكيلومترات، حتى وصل إلى سبتة. ما هزّني حقاً تلك الجملة التي قالها بهدوء يشبه الاستسلام: «ربما لم يتبقَّ من عائلتي سوى ثلاثة، أو ربما شخص واحد».


توقفت عند كلمة ربما. فالإنسان الذي لا يعرف كم بقي من أحبته على قيد الحياة، لم يعد يعيش المأساة نفسها التي نعرفها. إنه يعيش نوعاً آخر من الألم، ألم لا يشبه الفقد، لأن الفقد يحتاج إلى يقين، بينما هو عالق بين الرجاء والخوف، بين الحياة والموت، بين خبر لم يصله بعد، ورسالة قد لا تصل أبداً.


في الحروب، لا يموت الناس وحدهم، تموت أيضاً قدرة الإنسان على معرفة من بقي حياً.


منذ سنوات، ونحن نقرأ عن السودان، كما لو أنه خبر عابر في آخر نشرة الأخبار. نقرأ عن اشتباكات، وعن نزوح، وعن مجاعة، ثم نطوي الصفحة ونكمل يومنا. خلف كل عنوان صحافي، هناك امرأة تنتظر ابنها أمام باب لم يعد يطرقه أحد. وهناك طفل يحاول أن يتذكر ملامح أبيه قبل أن يسرقها الزمن. وهناك شاب، مثل ذلك الذي شاهدناه، يحمل في ذاكرته مدينة كاملة لم يعد يعرف إن كانت ما تزال قائمة.


الحروب لا تدمر الأبنية فقط، إنما تدمر القدرة على الانتماء. تجعل الإنسان غريباً عن وطنه، ثم غريباً في المنافي، ثم غريباً حتى عن نفسه.


ما أقسى أن يتحول الهاتف إلى آخر خيط يربط الإنسان بعائلته، يتصل فلا يجيب أحد، يعيد الاتصال. ثم يعيد المحاولة في اليوم التالي. وفي الأسبوع التالي.


ثم يبدأ الخوف يكبر، لأن الصمت في زمن الحرب ليس صمتاً عادياً. إنه احتمال مفتوح على كل الكوارث.


نحن، في حياتنا اليومية، نقلق إذا تأخر شخص نحبه في الرد ساعة أو ساعتين. أما الذين يعيشون وسط الحروب، فيتعلمون أن ينتظروا أسابيع، وربما أشهراً، من دون أن يعرفوا إن كان الصمت سببه انقطاع الكهرباء، أو انقطاع الشبكة، أو انقطاع الحياة نفسها. لطالما قيل إن الوطن هو المكان الذي نولد فيه، لكنني أعتقد أن الوطن هو المكان الذي تعرف فيه أن الذين تحبهم ما زالوا موجودين.


حين يفقد الإنسان هذا اليقين، يصبح العالم كله مؤقتاً. لا يعود يخطط للمستقبل، ولا يزرع شجرة. إنه يعيش وكأنه مستعد للرحيل مرة أخرى في أي لحظة، لأن الذين اقتلعت جذورهم مرة، يعرفون أن الريح قد تعود.


ما يلفت النظر في قصص الناجين أنهم نادراً ما يتحدثون عن أنفسهم.


لا يقولون: إننا جائعون… ولا: إننا متعبون… ولا: إننا خائفون.


حديثهم يبدأ دائماً بالآخرين. أمي… أخي… أطفالي… زوجتي.


وكأن الإنسان، حين يواجه الكارثة، ينسى نفسه أولاً، ويبدأ بالبحث في الذاكرة عن الوجوه التي يخشى أن يكون قد فقدها.


لهذا بدت جملة الشاب السوداني عظيمة في بساطتها. لم يكن يبحث عن حياة أكثر رفاهية، ولا عن مستقبل أكثر إشراقاً. كان يبحث عن خبر واحد يطمئنه إلى أن عائلته لم تمح من الوجود.


أحياناً تختصر الحرب كل أحلام الإنسان في أمنية واحدة: أن يجد أحداً ما زال ينتظره. ربما لهذا لا أحب كلمة «الناجون»… فهي توحي بأن الحكاية انتهت.


لكن الحقيقة أن الذين ينجون من الحروب لا يخرجون منها سالمين. إنهم يحملونها معهم، في أصواتهم، وفي نومهم، وفي نظراتهم، وفي خوفهم الدائم من رنين هاتف قد يحمل خبراً لا يريدون سماعه.


النجاة ليست لحظة يعبر فيها الإنسان الحدود، إنما رحلة طويلة يحاول فيها أن يتعلم كيف يعيش بعد أن رأى كل ذلك الموت.


لا أحد يختار أن يصبح لاجئاً، فالناس لا يتركون أوطانهم لأنهم توقفوا عن حبها، يتركونها لأن الأوطان، حين تشتعل، تضيق بأبنائها حتى لا يعود فيها متسع للحياة.


وكم هو مؤلم أن يقف شاب على شاطئ بلد غريب، بينما قلبه معلق بمدينة لا يعرف إن كانت ما تزال تنبض، أو تحولت إلى ذكرى.


في تلك اللحظة، لا يكون المنفى هو البعد عن الأرض، بل البعد عن اليقين.


حين انتهت المقابلة، لم يبق في ذهني وجه الشاب وحده، بل بقي سؤال واحد يلاحقني: كم إنساناً في هذا العالم ينام الليلة وهو لا يعرف إن كانت عائلته ما تزال على قيد الحياة؟


قد لا نجد لهذا السؤال جواباً في تقارير الأمم المتحدة، ولا في نشرات الأخبار، ولا في بيانات السياسيين.


لكننا سنجده في عيون أولئك الذين وصلوا إلى الضفة الأخرى بأجسادهم فقط، بينما بقيت أرواحهم هناك، تبحث بين الركام عن اسم، أو وجه، أو صوت، يؤكد لها أن أحداً، في مكان ما، ما زال ينتظر العودة.

________________

مريم مشتاوي - كاتبة لبنانية

________________

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12592249
Please fill the required field.