ملفات خاصة

هل انتهى زمن القواعد الأمريكية في الخليج؟ 

هل انتهى زمن القواعد الأمريكية في الخليج؟ 

عندما تكون القواعد الأمريكية فتيلا للحرب: جدلية الحماية والسيادة بالخليج وكلفة القرار السياسي 

 

افراسيانت - أشعلت تغريدة الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله نقاشاً على مواقع التواصل، بعد حديثه عن عدم الحاجة إلى القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج.


تصريح عبد الله أعاد فتح ملف قديم متجدد يطرح سؤالا حول حاجة دول الخليج إلى الوجود العسكري الأمريكي لحماية المنطقة، أم أن دول الخليج باتت أقرب إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية.


يرصد أستاذ العلوم السياسية، الدكتور عبد الله الشايجي، في "قصارى القول" خفايا الانفجار الكبير؛ فهل وقعت العواصم الخليجية في فخ "الخديعة المزدوجة" من ترامب ونتنياهو بعد مفاوضات شاقة استمرت حتى اللحظة الأخيرة؟


كيف تحولت القواعد الأمريكية من "درع حماية" إلى "عبء استراتيجي" يستدعي صواريخ إيران ومسيراتها التي تنهال بالمئات ؟


لماذا يرى الشايجي أن واشنطن تشن اليوم "حرباً بلا استراتيجية" وغير شرعية دولياً، وهل يُساق الأكراد مرة أخرى ليكونوا "كبش فداء" في هجوم بري يراه ترامب "رائعاً" بينما يراه الواقع "خطيئة قاتلة"؟


ما هو سر "الخديعة النووية" التي فضحها تناقض أركان إدارة ترامب؟ وكيف استعادت دول الخليج ذكريات "الغزو" بعد أن حولت صواريخ إيران السيادة الخليجية إلى ساحة لتصفية الحسابات مع "الخصم" الأمريكي؟


بعد فشل المراهنة الخليجية على الحماية الخارجية، هل حانت لحظة "التفكير خارج الصندوق" والاعتماد على النفس بعيداً عن الانكفاء الأمريكي الذي خفّض مكانة المنطقة في استراتيجياته الدفاعية؟ 


على مدى عقود، رُوِّج لشعوبِ المنطقة أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج جاءت لحماية الدول وضمان أمنها واستقرارها.. غير أن التحولات المتسارعة والأحداث المتلاحقة كشفت حقيقة مغايرة تمامًا. 


هذه القواعد لم تُنشأ لحماية العواصم الخليجية بقدر ما أُنشئت لحماية المصالح الأمريكية وتأمين كَيان الاحتلال الصهيوني المسمى بــ "إسرائيل"، ولو كان الثمن تعريض المنطقة بأكملها لمخاطرَ جسيمة.


منذ أن رسّخت أمريكا حضورها العسكري في الخليج عقب حرب الخليج الثانية، ومع إنشاء قواعد ضخمة مثل قاعدة العديد في قطر والأساطيل البحرية في البحرين، أصبح الوجود العسكري الأمريكي عنصرًا ثابتًا في المعادلة الأمنية. 


لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم: هل هذه القواعد تحمي دول الخليج فعلًا، أم أنها تحوّلت إلى أدوات لحماية المشروع الأمريكي – الإسرائيلي في المنطقة؟


الأحداث الأخيرة أثبتت أن القواعد الأمريكية لم تمنع تهديدًا عن المنطقة، بل على العكس، جعلتها ساحة مفتوحة للتصعيد. 


فحين تتورط واشنطن في صراعات مباشرة أَو غير مباشرة، تصبح هذه القواعد أهدافًا محتملة؛ ما يضع الدول المستضيفة في دائرة الخطر دون أن يكون لها قرار حقيقي في تلك المواجهات. 


لقد أنفقت دول الخليج تلريونات من الدولارات مقابل أمنها المزعوم وعلى صفقات السلاح الأمريكية؛ بذريعة تعزيز أمنها القومي. 


غير أن هذه الترسانة لم تُستخدم يومًا لحماية القُدس أَو لنصرة الشعب الفلسطيني، بينما نرى الدعم العسكري والسياسي المفتوح الذي تقدمه واشنطن لـكَيان الاحتلال في كُـلّ عدوانه على غزة والضفة ولبنان. 


إن أمن الخليج الحقيقي لا يتحقّق عبر الارتهان للقواعد الأجنبية، بل عبر بناء منظومة أمن إقليمي مستقل، قائم على احترام سيادة الدول ودعم قضايا الأُمَّــة المركزية، وفي مقدمتها قضية فلسطين. 


فالتجارب أثبتت أن الحماية الموعودة لم تكن سوى وهم سياسي، بينما الحقيقة أن هذه القواعد وُجدت لضمان تفوق كَيان الاحتلال الصهيوني وحماية مصالح واشنطن الاستراتيجية في الطاقة والممرات البحرية. 


اليوم، بات واضحًا أن بقاءَ هذه القواعد لا يخدم إلا مشروع الهيمنة، وأن الرهان على الخارج لم يجلب سوى مزيد من التوتر والانقسام. 


وعلى شعوب المنطقة أن تعي أن أمنها لا يُستورد، وأن السيادة لا تُجزّأ، وأن من يحمي القواعد الأجنبية إنما يغامر بأمن أوطانه ومستقبل أجياله. 


فهل آن الأوان لإعادة النظر؟ أم سيظل الخليج ساحة لحماية الآخرين، فيما تبقى قضاياه الكبرى معلّقة بانتظار قرار سيادي حر؟


في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، يظل الأمن في منطقة الخليج العربي أحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية. السؤال المركزي الذي يطرحه الواقع اليوم: هل الحماية تأتي من الخارج، عبر قواعد وقوى عظمى، أم تُبنى من الداخل، عبر تنسيق إقليمي قائم على المصالح المشتركة؟ وهل تمثل القواعد العسكرية الأجنبية ضمانة للاستقرار، أم عبئا يفرض تبعية سياسية ويجعل المنطقة طرفا في صراعات لا تخدم مصالحها؟


لقد ظل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج لعقود جزءا من معادلة الأمن الإقليمي، قائما على فكرة الردع وحماية تدفق الطاقة وضبط التوازن مع القوى الإقليمية. هذا النموذج بدا لفترة طويلة مستقرا، لكنه بدأ يتعرض لاختبارات حقيقية كشفت حدود هذه الحماية.


الأحداث الأخيرة، وعلى رأسها الهجمات التي شهدتها دول الخليج على الرغم من وجود قواعد أمريكية على أراضيها، أبرزت أن هذا الوجود لا يضمن حماية مطلقة، وأن القرار العسكري غالبا ما يظل رهين المصالح الأمريكية، وليس التزاماتها تجاه الحلفاء.


يصبح واضحا أن العلاقة الحالية بين الخليج والولايات المتحدة لا تقوم على حماية مضمونة، بل على تبعية جزئية يفرضها التفوق العسكري الأمريكي وضرورة التنسيق الاستراتيجي


إن القواعد العسكرية الأمريكية، على الرغم من حجمها وقدرتها الردعية، لا تعمل وفق منطق حماية الدول المضيفة فقط، بل وفق استراتيجية تحقق مصالح واشنطن أولا. وهذا ما يفسر عدم تحركها في بعض الحوادث المباشرة، كما في حالات الاستهداف الإقليمي التي وقعت مؤخرا، حيث بقيت القواعد الأمريكية محصنة، بينما تعرضت دول الخليج نفسها لأحداث لم تمنعها القوة الأمريكية.


ومن هذا المنطلق، يصبح واضحا أن العلاقة الحالية بين الخليج والولايات المتحدة لا تقوم على حماية مضمونة، بل على تبعية جزئية يفرضها التفوق العسكري الأمريكي وضرورة التنسيق الاستراتيجي.


وفي سياق هذه التحولات، برزت مواقف أوروبية لافتة خلال الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. فقد رفضت دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا استخدام قواعدها العسكرية كنقطة انطلاق للهجوم على إيران أو حماية السفن في مضيق هرمز، مكتفية برفض سياسي رمزي دون انخراط في دعم عسكري مباشر. هذا الموقف يعكس قدرة أوروبا على إعادة تعريف التزاماتها وفق مصالحها الخاصة، ويطرح درسا مهما لدول الخليج: الاستقلالية في القرار الأمني ممكنة، والعلاقة مع القوى الكبرى يمكن أن تكون شراكة قائمة على مصالح مشتركة، لا تبعية أو انخراطا تلقائيا في صراعات قد لا تخدم الأمن الإقليمي.


في هذا الإطار، تتضح الحاجة الملحة لدول الخليج لإعادة التفكير في مفهوم الحماية نفسها، والانتقال من نموذج الاعتماد الكلي على قوة خارجية، إلى نموذج أكثر استقلالية.


الفكرة المطروحة اليوم، والتي تحظى بجدية في بعض الأوساط السياسية، هي بناء نظام أمني إقليمي بديل أو موازٍ، يقوم على تنسيق مباشر بين الدول نفسها، سواء عبر شراكات مع قوى إقليمية مثل تركيا ومصر، أو من خلال إعادة صياغة العلاقة مع إيران على أساس التفاهم والمصالح المشتركة. هذا النهج لا يعني تخليا عن العلاقات مع الولايات المتحدة، بل إعادة تعريفها بحيث تصبح علاقة مصالح متبادلة، لا تبعية.


إيران، بحكم الجغرافيا والتاريخ، ليست كيانا يمكن تجاهله أو عزله عن معادلات الخليج، فهي جزء من النسيج السياسي والاقتصادي للمنطقة، ومعظم القضايا الإقليمية الرئيسية -في العراق، اليمن، سوريا، ولبنان- تتأثر مباشرة بوجودها ونفوذها.


ومن هذا المنطلق، فإن تحويل إيران من خصم محتمل إلى شريك، أو على الأقل جار مستقر، قد يفتح الباب أمام إعادة بناء مفهوم الأمن برمته، بحيث لا يقوم فقط على الردع العسكري الخارجي، بل على التفاهم والتنسيق الإقليمي.


ومن منظور واقعي، يطرح هذا التحول إمكانيات استراتيجية مثيرة: يمكن لإيران أن تُقحم ضمن حسابات الأمن الإقليمي بطريقة تذيب بشكل عملي آثار أفعالها السابقة في سوريا ولبنان والعراق واليمن وغيرها، ليس بمحو ما حدث، بل بوضع إطار سياسي وأمني يسمح بإعادة توازن العلاقات والتعامل مع التاريخ المليء بالتوترات والجرائم، بطريقة تؤدي إلى استقرار المنطقة.


بكلمات أخرى، النظرة الواقعية لا تتجاهل الجرائم أو الانتهاكات، لكنها تُحوّل التركيز من الحسابات الانتقامية إلى استراتيجيات التعايش والتوازن، بما يحقق مصالح دول الخليج ويقلل من فرص اندلاع صراعات جديدة. غير أن هذه الرؤية تواجه تحديات كبيرة، فالتوترات الممتدة في ساحات متعددة، وانعدام الثقة المتراكمة، واختلاف الرؤى حول النفوذ والدور، كلها عوامل تجعل تحقيق هذا التحول صعبا، وإن لم يكن مستحيلا.


بناء الثقة بين الدول يحتاج إلى ترتيبات واضحة، وضمانات متبادلة، وآليات تنفيذية لضمان الالتزام. وهذا يتطلب صبرا استراتيجيا ورؤية بعيدة المدى، بعيدا عن الانفعالات اللحظية والضغوط الخارجية.


كما أن استبدال الوجود الأمريكي بتحالف إقليمي يطرح تحديات أخرى، أهمها الفارق في القدرات العسكرية والتكنولوجية، وطبيعة الالتزامات، ومدى الاستعداد لتحمل أعباء الدفاع المشترك. لهذا، يبدو أن المسار الأكثر واقعية في الوقت الحالي هو تنويع الشراكات الاستراتيجية: تعزيز القدرات الذاتية، والانفتاح على الحوار الإقليمي (تركيا ومصر نموذجا للتشارك الأمني المشترك)، وإعادة صياغة العلاقة مع القوى الكبرى على أساس المصالح المتبادلة، دون التخلي عن أدوات الردع القائمة قبل بناء بدائل حقيقية.


هل الأمن قائم على الحماية الخارجية وحدها، أم على الاستقلال الذاتي والقدرة على ضبط المصالح؟ هل هو ردع عسكري فقط، أم شبكة من التوازنات والمصالح المتبادلة تجعل الحرب خيارا مكلفا للجميع؟


إن جوهر المسألة لا يكمن في اختيار طرف على حساب آخر، بل في إعادة تعريف مفهوم الأمن ذاته. هل الأمن قائم على الحماية الخارجية وحدها، أم على الاستقلال الذاتي والقدرة على ضبط المصالح؟ هل هو ردع عسكري فقط، أم شبكة من التوازنات والمصالح المتبادلة تجعل الحرب خيارا مكلفا للجميع؟


الدرس المستفاد من المواقف الأوروبية الأخيرة، التي رفضت الانخراط في الصراع العسكري المباشر رغم تحالفها مع واشنطن، يوضح إمكانية الاستقلال الاستراتيجي حتى ضمن التحالفات التقليدية. إذا كانت أوروبا قادرة على إعادة تقييم مواقفها وفق مصالحها، فدول الخليج، التي هي أكثر عرضة لأي صراع محتمل، يمكنها تبني نهج مشابه: علاقة شراكة مع القوى الكبرى قائمة على المصالح، لا التبعية أو الالتزام التلقائي.


في النهاية، الطريق نحو نظام أمني مستقر في الخليج يمر عبر ثلاث مراحل متداخلة:


أولا، تخفيف التوترات الإقليمية عبر الحوار وبناء الثقة، خصوصا مع القوى المجاورة مثل إيران؛ ثانيا، تطوير قدرات دفاعية ذاتية تقلل من الاعتماد على الخارج؛ ثالثا، إعادة صياغة العلاقات مع القوى الكبرى على أساس المصالح المتبادلة، لا التبعية المطلقة.


لا توجد إجابات سهلة، ولا نموذج جاهز، فكل خيار يحمل فرصا ومخاطر، لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام لحظة حاسمة، تتطلب تفكيرا عميقا واستراتيجية مرنة، توازن بين حماية مصالحها، وبناء استقلالها، والتكيف مع موازين القوى العالمية المتغيرة بسرعة. 


عندما تكون القواعد الأمريكية فتيلا للحرب: جدلية الحماية والسيادة بالخليج وكلفة القرار السياسي 


في لحظات الصراع المتصاعد، حين تتقاطع الصواريخ مع الخرائط، يصبح السؤال عن مصير المنطقة العربية امتحانا وجوديا. فالمواجهة الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، ليست مجرد تبادل للقوة العسكرية، بل اختبار لمفهوم الحماية؛ الذي بُنيت عليه عقود من التحالفات الأمنية.


في منطقة تعاني من خلل بنيوي عميق ومنذ حرب الخليج عام 1991، رسخت الولايات المتحدة حضورها العسكري في المنطقة عبر شبكة قواعد تمتد في ست دول خليجية. قاعدة العديد في قطر، التي تضم نحو 8 آلاف جندي، تُعد أضخم منشأة أمريكية جوية خارج البلاد. ومقر الأسطول الخامس في البحرين يعود وجوده إلى عام 1948. قاعدة الظفرة في الإمارات تستضيف 3500 عسكري، إضافة إلى منشآت في الكويت والسعودية وعُمان، وتركيا.


لكن ما كان يُقدم على أنه مظلة أمنية، تحمي الدول المضيفة، تحوّل في المواجهة الحالية إلى مغناطيس للحرب. فمنذ بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، تعرضت القواعد الأمريكية في عموم الخليج لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيّرات، ما أسفر عن أضرار طالت منشآت عسكرية وأهدافا مدنية، وسقوط قتلى في أبو ظبي ومطار دبي ومواقع مدنية تقول إيران إنها تستخدم كمراكز استخباراتية أمريكية وإسرائيلية.


تصل المنطقة إلى مفترق حاسم: ما كلفة استمرار هذا الوجود العسكري الأجنبي، وما كلفة إنهائه أو تقليصه؟


هنا تبرز المفارقة: من يحمي من؟ فرغم الحياد الذي أعلنته دول الخليج وحظرها استخدام أراضيها لشن هجمات على إيران، وجدت نفسها في قلب المعركة.


يكشف التصعيد الأخير عن انكشاف المبرر الأساسي الذي استندت إليه عقود من استضافة القواعد الأجنبية. فالواقع كشف أن هذه القواعد لم تحمِ نفسها من الاستهداف، ناهيك عن حماية الدول المضيفة.


استراتيجية إيران في الرد اعتمدت على تحويل جوارها الخليجي إلى مسرح مركزي للمواجهة، مستهدفة المنشآت العسكرية الأمريكية، وموسعة الضربات لتشمل البنية التحتية المدنية والاقتصادية. مرافق الطاقة والموانئ -الحيوية لاقتصادات الخليج والأسواق العالمية- أصبحت نقاط ضغط في استراتيجية إيرانية تقوم على رفع كلفة الحملة العسكرية على النظام الإيراني.


النتيجة أن دول الخليج وجدت نفسها في موقع المدافع لا المهاجم، رغم أنها لم تكن طرفا في الحرب، مما يؤكد أن وجود القواعد الأمريكية لم يمنع تهديدا عن المنطقة، بل جعلها أكثر عرضة للخطر.


من الناحية القانونية، لا يُعد وجود القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج انتهاكا للسيادة، إذ يتم باتفاقيات رسمية. لكن الإشكالية تنشأ عندما تتحول هذه القواعد إلى أهداف عسكرية مشروعة في النزاعات؛ قانون النزاعات المسلحة يقر بأن الهدف العسكري هو ما يسهم في العمل العسكري، ويحقق تدميره ميزة عسكرية واضحة. ومن هنا يتحول عنصر التأمين الى عنصر تهديد وجودي يجاوز ضجيج الساسة عند الاعتراض على ضرب تلك الأهداف.


لكن التعقيد يتضاعف حين تتشابك هذه القواعد مع محيط مدني، أو حين تمتد الاستهدافات إلى بنية تحتية مدنية، أو حين تتضرر مناطق سكنية نتيجة التصدي للصواريخ. هنا يبرز مبدأ التناسب الذي يمنع الهجمات إذا كانت الأضرار المتوقعة للمدنيين مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية.


هنا تصل المنطقة إلى مفترق حاسم: ما كلفة استمرار هذا الوجود العسكري الأجنبي، وما كلفة إنهائه أو تقليصه؟


كلفة البقاء باتت واضحة:


تحول الدول المستضيفة إلى ساحة مفتوحة للصراع، وخسائر اقتصادية وبشرية، وتقييد السيادة الوطنية، والارتهان لقرارات خارجية لا تراعي مصالح الدول المضيفة.


ففي اللحظات الحرجة، تبيّن أن الأولويات الأمريكية قد تختلف جذريا عن مصالح حلفائها الخليجيين. حادثة محاولة اغتيال إسرائيل لقادة حماس في الدوحة أيلول/ سبتمبر 2025، بموافقة أمريكية، شكلت صدمة عميقة للقادة الخليجيين وكشفت حدود المظلة الأمنية.


لكن كلفة التفكيك لا تقل تعقيدا، فهذه القواعد تمثل عقودا من الاستثمارات الاستراتيجية والعلاقات المؤسسية، وتفكيكها قد يُقرأ كتحول استراتيجي كبير في موازين القوى الإقليمية، وقد يخلق فراغا أمنيا لا تملك الدول الخليجية وحدها ملأه، خاصة مع استمرار التهديدات المتنوعة.


التحولات الجيوسياسية الكبرى تفرض إعادة نظر جذرية، فالعقيدة العسكرية الأمريكية تشهد تحولا نحو إعادة توزيع الموارد، مع صعود التحدي الصيني وتزايد الأعباء في أوروبا، ما يعني أن واشنطن تميل إلى نموذج ردع أكثر مرونة وأقل كلفة، يعتمد على القدرة على التدخل عند الحاجة بدل الانتشار الدائم.


هذا التحول انعكس على حسابات دول المنطقة، التي بدأت تدرك أن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية قد لا يكون خيارا مضمونا، لذلك اتجهت بعض الدول إلى تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية وتنويع شراكاتها العسكرية، في محاولة لبناء توازن أكثر استقلالا.


مسار التقارب السعودي الإيراني، ووساطات قطر وعُمان المستمرة، تعكس إدراكا متزايدا بحدود الضمانات الخارجية وسعيا لبناء قنوات مباشرة مع طهران. لكن الطريق نحو مشروع أمني عربي مستقل لا يزال طويلا، والمنطقة تدفع ثمن هذا التأخير.


الدرس الأقسى أن الأمن لا يُستورد، والسيادة لا تُجزأ، والقواعد الأجنبية قد تتحول في لحظة من دروع واقية إلى أهداف مكشوفة


تعيدنا الأحداث الجارية إلى السؤال الوجودي: من يحمي من؟ القواعد الأمريكية التي أنشئت لحماية المنطقة، هل تحميها فعلا، أم أن الدول الخليجية باتت هي من يحمي هذه القواعد باستضافتها وتحمل تبعات وجودها؟


الدرس الأقسى أن الأمن لا يُستورد، والسيادة لا تُجزأ، والقواعد الأجنبية قد تتحول في لحظة من دروع واقية إلى أهداف مكشوفة. فكل قاعدة أجنبية هي تهديد كامن، وكل جندي أجنبي هو رسالة استفزاز، وكل رهان على الخارج هو مقامرة خاسرة.


واليوم، بعد أن سقط القناع، تقف دول الخليج أمام حقيقة لا يمكن الهروب منها: الاستمرار في الارتهان لأمريكا يعني البقاء في دائرة الخطر الدائم. وهذا ما صرح به بعض الساسة في دول الخليج، أما الخروج من هذا المأزق، فيتطلب قرارا شجاعا بمراجعة شاملة للسياسات الأمنية، تبدأ بفك الارتباط العسكري التدريجي، وتنتهي ببناء أمن حقيقي قائم على السيادة، لا على القواعد، وعلى التفاهم الإقليمي، لا على الأساطيل الأجنبية.


وإذا كانت خطة التقسيم الجديدة واضحة ويتم تداولها علنا مع التهديدات المتنوعة بمحو بعض الدول من خرائط الجغرافيا السياسية، فإنه يتحتم على الجميع خطوات استباقية دون انتظار بدائل حماية أخرى ولو كانت في مسافة السكة.


أخطر المراحل في التحولات الجيوسياسية لا تبدأ حين تُعلن الحروب، بل حين يظن الجميع أن معادلة الردع ما زالت تعمل، بينما تكون شروطها قد تغيّرت بالفعل. 

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12399760
Please fill the required field.