وجهة نظر

"مجلس السلام".. محاولة ترامب لتقويض الأمم المتحدة وتهديد النظام متعدد الأقطاب

"مجلس السلام".. محاولة ترامب لتقويض الأمم المتحدة وتهديد النظام متعدد الأقطاب

مجلس السلام مشروع أميركي بقيادة ترامب يسعى إلى فرض نفوذ واشنطن على النظام الدولي وتقويض دور الأمم المتحدة.


افراسيانت - د. جمال واكيم - في الأسبوع الأول من شهر آب/أغسطس 2026، أعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني عن تحضير قوات دولية وهيئات متعاقدة مع "مجلس السلام" للدخول إلى غزة بذريعة إعادة إعمار القطاع وإدارة العملية الانتقالية من حكم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى إدارة دولية بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذا يعيد طرح النقاش حول "مجلس السلام" الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كانون الثاني/يناير 2026. وقد انبثق المجلس عن قرار مجلس الأمن 2803 الصادر في عام 2025. وقد تبنى "مجلس السلام" هذا خطة السلام الأميركية لغزة ومنحها صلاحية إدارة قطاع غزة خلال مرحلة انتقالية مفتوحة زمنياً. وقد رأى محللون ومراقبون أن "مجلس السلام" هذا لم يكن مقتصراً على غزة، بل إنه شكل في جوهره محاولة من قبل الولايات المتحدة وخصوصاً رئيسها دونالد ترامب لجعلها بديلاً من الأمم المتحدة لتكون تحت الهيمنة الكاملة لواشنطن.


والجدير بالذكر أن ميثاق "مجلس السلام"، الذي نُشر في 18 يناير 2026، قد حدد أهدافه على أن تكون أولوياته مرتكزة على "تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الشرعي، وضمان سلام دائم في مناطق النزاع". وقد نصّب دونالد ترامب نفسه رئيساً للمنظمة مدى الحياة، وبصلاحيات استثنائية تمنحه وحده صلاحية تفسير الميثاق، وتعيين أعضاء "مجلس السلام" وتشكيل هيئاته المختلفة، وحتى منحه وحده صلاحية اختيار من سيخلفه في المنصب. إضافة إلى ذلك، فإن العضوية في هذا "النادي" مغلقة، ويتم الحصول عليها عن طريق الدعوة المباشرة من قبل دونالد ترامب نفسه، على ألا تقل مساهمة المرشحين للعضوية عن مليار دولار لكل عضو، على أن تتخذ القرارات بأغلبية الأصوات، وتخضع لموافقة الرئيس قبل التصديق عليها لتكون نافذة.


وتختلف هذه البنية جوهرياً عن مبادئ الأمم المتحدة؛ حيث تتساوى جميع الدول فيما بينها ولا تتخذ قرارات مجلس الأمن إلا بموافقة جميع أعضاء مجلس الأمن دائمي العضوية. وتقوم بنية "مجلس السلام" على تركيبة هرمية تتمتع فيها الولايات المتحدة، وخصوصاً رئيسها دونالد ترامب، بالصوت الحاسم من دون أن يكون ملزماً بمواقف الدول الأخرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن أو غيرها من أعضاء المجلس الذين يُنتخبون دورياً. هذا جعل موسكو وبيجين تمتنعان عن التصويت على القرار 2803، وتبديان تحفظاتهما بشأن الولاية الموسعة لـ "مجلس السلام".


منطق واشنطن: "من ليس معنا فهو ضدنا"


كل هذا يجعل "مجلس السلام" يشكل محاولة لبناء بديل تسيطر عليه الولايات المتحدة للأمم المتحدة. ويشير المركز البولندي للدراسات الشرقية صراحة إلى رغبة دونالد ترامب في إنشاء منظمة من شأنها "تحدي أسس النظام الحالي للمنظمات الدولية"، فيما تشير مؤسسة "دويتشه فيله" الألمانية إلى أن فكرة الرئيس الأميركي تشكل محاولة لطرح بديل من الأمم المتحدة عبر إيجاد مؤسسة بديلة منها. ويشكل هذا تطوراً خطيراً ومحاولة أميركية لعرقلة انتقال العالم من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب؛ حيث يمكن أن يشكل "مجلس السلام" أداة بيد الولايات المتحدة لفرض هيمنتها الأحادية، علماً أن منظمة الأمم المتحدة، وعلى الرغم من الكثير من أوجه القصور في أدائها، إلا أنها لا تزال حتى الآن المنصة العالمية الوحيدة للقوى التي تعارض الهيمنة الأحادية الأميركية وتدعو إلى التعددية العالمية، وعلى رأس هذه القوى كل من روسيا والصين.


من شأن إنشاء هياكل متوازية على الصعيد العالمي أن يؤدي حتماً إلى تعميق التناقضات العالمية. فبدلاً من السعي إلى التوافق من خلال مجلس الأمن، فإن الدول والقوى العالمية قد تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين منظومتين متنافستين، ما يزيد من مخاطر ضرب القانون الدولي، والدفع باتجاه اعتماد معايير عالمية مزدوجة، عدا عن دفع الصراعات إلى التصاعد عوض السعي إلى ضبطها واحتوائها، وفقاً لما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة. وبما أن واشنطن قد انسحبت بالفعل من عشرات المنظمات الدولية، فإن إنشاء "مجلس السلام" يشكل نهجاً أميركياً لضرب التعددية القطبية وضمان فرض الأميركيين لهيمنتهم الأحادية على العالم بما يتناسب مع المصالح الأميركية، في الوقت الذي يشهد العالم تآكلاً للقوة الأميركية.


مشروع على مقاس المصالح الشخصية لترامب


منذ إطلاقه في كانون الثاني/يناير 2026، تعرض "مجلس السلام" إلى موجة عاتية من الانتقادات التي تمحورت حول اعتبار المشروع انعكاساً للأهواء والمصالح الشخصية لدونالد ترامب، عوضاً عن أن يكون الهدف هو ضمان الأمن الدولي.


ويشكل البعد المرتبط بتمويل المجلس أحد أهم الدلائل على أن المجلس يعكس المصالح الشخصية لترامب، خصوصاً أنه لا يمكن الحصول على عضوية "المجلس" إلا بدعوة من ترامب شخصياً، على ألا تقل مساهمة الدولة المرشحة لعضوية المجلس عن مليار دولار أميركي، علماً أن عدداً كبيراً من التحقيقات أثبتت أن هذه المبالغ ستحوّل لتمويل مشاريع مرتبطة بالمؤسسات التي تمتلكها عائلة دونالد ترامب والمقربين منه، بمن فيهم صهره جاريد كوشنر الذي طرح مخططاً لإعادة إعمار غزة يضمن عقوداً لشركته لبناء ناطحات سحاب على طول ساحل قطاع غزة.


هذا دفع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في واشنطن إلى اعتبار "مجلس السلام" يشكل أداة لدونالد ترامب وعائلته والمقربين منهم لجمع الأموال.


وقد اعتبر التقرير الصادر عن مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026 بأن دونالد ترامب والمحيطين به يحاولون "ترسيخ دور الولايات المتحدة في العالم وفقاً لفهم ضيق وشخصي للغاية على حساب المصالح الوطنية للولايات المتحدة."


أما هيئة الإذاعة البريطانية فقد نقلت عن عدد من المراقبين تأكيدهم أن "مجلس السلام" ما هو إلا مشروع شخصي لترامب "الذي لا يخفي هوسه بالسعي للحصول على جائزة نوبل للسلام"، في وقت اعتبرت فيه صحيفة "الغارديان" البريطانية أن المجلس يشكل "مزرعة بالنسبة إلى ترامب الذي يحاول إقامة حكم إمبراطوري عالمي يستند إلى قراراته وحده." من جهته، أكد "معهد بروكينغز" أن إطلاق المنصة تزامن مع تحركات الرئيس الأميركي الفوضوية الهادفة إلى خدمة مصالحه، ما يجعل المجلس يناقض مزاعم ترامب بأنه يسعى لإقامة منظمة دولية أكثر كفاءة من الأمم المتحدة، ويعكس رغبته في فرض إرث شخصي يجعله شخصية عالمية محورية حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية في عام 2029. من هنا، يمكن اعتبار المجلس انعكاساً لرغبة ترامب في الترويج "لعلامته التجارية الشخصية."


فعوضاً عن السعي لتعزيز الدبلوماسية الجماعية، يسعى ترامب لفرض منظومة دولية قائمة على مبدأ "قائد واحد، نادٍ واحد". ومع انتقال العالم نحو نظام متعدد الأقطاب، فإن من شأن سلوك الرئيس الأميركي أن يزيد من حالة انعدام الثقة بين الدول، وخصوصاً القوى الكبرى، عدا عن تفتيت المنظمات والمؤسسات الدولية التي تعاني أصلاً من أزمات بنيوية.


سعي ترامب لتقويض النظام العالمي وتفكيك الأمم المتحدة


في ما يتعلق بالأمم المتحدة، فإن ترامب يسعى، عبر إنشاء "مجلس السلام"، إلى إنشاء هيكل حوكمة عالمي بمركز قوة واحد ليصبح بديلاً من الأمم المتحدة، ما يؤدي إلى تعميق التناقضات بين الدول.


وقد أعرب جهاز العمل الخارجي الأوروبي عن قلقه بشأن "التركيز المفرط للسلطة" في يد الزعيم الأميركي. وعلى الرغم من إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنه لا توجد لدى الولايات المتحدة نية أو مخططات لاستبدال الأمم المتحدة بمجلس سلام، إلا أن نص الوثيقة التأسيسية لـ "مجلس السلام" ينتقد صراحة الأمم المتحدة وعدم فاعليتها في حل النزاعات، ويطرح نفسه بديلاً أكثر فاعلية في حل النزاعات. والجدير بالذكر أن إدارة ترامب سبق وأعلنت انسحابها من العديد من معاهدات الأمم المتحدة وإنهاءها تمويل عمليات حفظ السلام، ما كشف عن النوايا الحقيقية للبيت الأبيض. هذا أثار شكوكاً لدى عدد كبير من المنظمات الدولية؛ إذ حذرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من استبدال الأمم المتحدة بمجلس سلام تفتقر بناه إلى المؤسسات ذات الوظائف المختلفة مثل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.


وقد كشفت المبادرة عن وجود شرخ بين الولايات المتحدة وشركائها التقليديين؛ فقد أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني عن تعذر مشاركتهما في  "مجلس السلام" (لدواعٍ محددة)، فيما أعلنت الدنمارك وإسبانيا والنرويج وفرنسا والسويد عن قلقها من إمكانية تقويض منظمة الأمم المتحدة. كذلك فقد رفضت دول نافذة في الجنوب العالمي الدعوة الموجهة لها من ترامب للانضمام إلى "مجلس السلام"، وعلى رأس هذه الدول البرازيل والهند والمكسيك وجنوب أفريقيا. وقد دعا الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الدول الأعضاء في منظمة "بريكس" إلى توثيق التعاون فيما بينها، محذراً من أن "مجلس السلام" يشكل تهديداً لمشروع المنظمة لترسيخ نظام عالمي متعدد الأقطاب. هذا يجعل "مجلس السلام" محاولة من قبل واشنطن لترسيخ هيمنتها الأحادية على العالم، عوضاً عن أن يكون سبيلاً لحل النزاعات الدولية.

________________

د. جمال واكيم - أستاذ تاريخ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية 

________________

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12592390
Please fill the required field.