وجهة نظر

هل المفاوضات في الشرق الأوسط حل أم خداع؟

الكاتب: التوترات لا تنفجر إلا حين تتسع الهوة بين ما يقال وما يحدث على الأرض (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

بين الخطاب والواقع.. مفارقات السياسة في الشرق الأوسط


افراسيانت - عبد العزيز المصطفى - لا تتفاقم التوترات بسبب تعقيداتها، بل بفعل تجاهلها.. يروي الفيلسوف الصيني هان فايزي أن رجلا كان يبيع الدروع والرماح، ويتباهى بها قائلا: «دروعي لا يخترقها رمح، ورماحي تخترق كل شيء».


فسأله أحدهم: «ماذا لو طعنت درعك برمحك؟!». سؤال بسيط، لكنه كفيل بإسقاط منظومة كاملة من الوهم؛ فالمسائل البديهية لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى وضوح يكشف المعطيات، ويستخلص دلالاتها قبل فوات الأوان.


ولعل أخطر ما يعيشه عالمنا العربي اليوم هو انحسار التساؤلات الصريحة حول مآلات الأمة في ظل التحولات الجارية؛ فالتباينات قد لا تسقطها حرب، لكنها حتما تتداعى عند أول سؤال عقلاني.


لقد بات واضحا أن الأزمات في الإقليم لا تبدأ من لحظة انفجارها، بل من هدوئها الذي يسبقها، وقد تنشأ حين يجلس الفرقاء إلى طاولة مفاوضات وهمية؛ لا للحل، بل كمناورة خداع تكتيكي، ريثما تستكمل أدوات المواجهة، من حاملة الطائرات إلى الحشود العسكرية وتوسيع بنك الأهداف.


ولعل ما يلخص هذا المشهد قول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر: «المشكلة في الشرق الأوسط ليست في المفاوضات، بل في القدرة على إنهائها».


فالمعضلة تنبع من الإصرار على قراءة الوقائع بعيدا عن منطق الحوار؛ ولهذا تغدو بعض المباحثات الدبلوماسية في المنطقة مجرد غطاء لواقع يتجه نحو مزيد من التعقيد والخطورة، في ظل سعي بعض الأطراف إلى إدامة مسار المواجهة لا حله.


إن الاحتقان المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، هو نتيجة لمسار طويل من الاختلالات المزمنة غير المعالجة، يمتد عبر خرائط النفوذ والثروة، كاشفا عمق الفجوة بين الخطاب السياسي ومجريات الأحداث.


الخطر الحقيقي لا يكمن في التناقضات بحد ذاتها بل في إنكارها، والإصرار على إدارتها بدل حلها جذريا، سعيا وراء مكاسب مؤقتة، أو توظيفها في لعبة توازنات ضيقة على حساب استقرار الإقليم وانعكاساته العالمية.


فالتوترات لا تنفجر إلا حين تتسع الهوة بين ما يقال وما يحدث على الأرض، وحسن التقدير لا يكمن في موازنة القوى فقط، بل في ضبط إيقاعها عند التصادم، حتى لا تفقد القدرة على التراجع.


ولهذا، تقتضي البصيرة السياسية استباق التحولات الدولية والإقليمية، والاستعداد لنتائجها مبكرا، قبل أن تتحول إلى تصدعات متلاحقة تورث الأجيال القادمة حروبا مفتوحة. وربما نجد أنفسنا مدفوعين قسرا إليها، وإلى ما يترتب على ذلك من آثار كارثية: سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وأمنيا.


والخطر الحقيقي لا يكمن في التناقضات بحد ذاتها -فهي جزء من طبيعة السياسة- بل في إنكارها، والإصرار على إدارتها بدل حلها جذريا، سعيا وراء مكاسب مؤقتة، أو توظيفها في لعبة توازنات ضيقة على حساب استقرار الإقليم وانعكاساته العالمية.


وهنا يتحول اختلال الخطاب وتباين الأفعال إلى بؤرة مولدة للاضطرابات، ومقدمة لقرارات تتخذ تحت ضغط واقع مشوش، وفراغ إستراتيجي يعمق حالة الانسداد.


وقد أثبتت التجارب أن كلفة تجاهل الحقائق أعلى من ثمن الاعتراف بها، ولا سيما حين ترسل الرسائل بأدوات عسكرية؛ فيغدو احتواء نتائجها أكثر صعوبة، وتتسع دائرة الخسائر لتشمل الاقتصاد ومستقبل الأجيال، والأهم: الترابط المجتمعي في الإقليم.


وكان الأولى بأطراف النزاع مراعاة اعتبارات الجوار، والتوازن الجيوسياسي، والمصالح المتبادلة، وأن تقدر جهود احتواء التصعيد التي بذلتها دول الخليج مجتمعة. بيد أن بعض التصرفات اتجهت في مسار معاكس، ضاربة بمبادئ القانون الدولي وأعرافه عرض الحائط.


كأن تلك السياسات غير المحسوبة تذكرنا بمحاولات يائسة، تعمد فيها بعض القوى إلى خيارات قصوى؛ تعبيرا عن انسداد الأفق، كما حدث في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية؛ حين لجأ العشرات من الطيارين اليابانيين إلى هجمات «الكاميكازي»، ليتحول الطيار بطائرته المحملة بالمتفجرات إلى قنبلة بشرية تصطدم مباشرة بعتاد الخصم وسفنه.


أخشى أن يغيب هذا التوازن العقلاني، فينقلب الرمح على حامله قبل أن يحميه درعه؛ وحينها لن تكون الخسائر سياسية وعسكرية فحسب، بل وجودية تمس الجميع.


لقد تحولت تلك الهجمات إلى رمز لانعدام البدائل وفقدان زمام المبادرة، لا لقوة تلك الخيارات؛ إذ فشلت في تحقيق غاياتها ولم تغير مسار الحرب، بل عجلت نهايتها، في ظل غياب رؤية إستراتيجية تعترف بالواقع بعيدا عن منطق: نحن أو لا أحد.


وعلى الرغم من مرارة الأحداث، فقد أثبتت دول المنطقة أنها قادرة -إذا ما توحدت- على تشكيل درع يحمي استقرارها، ورمح يردع خصومها. فهل نملك وعيا بحساسية المرحلة يرقى إلى طرح الأسئلة الصحيحة، للوصول إلى سلام مستدام تحميه دروع الحق وسهام العدل، وتمهد لاستكمال النهضة؟.


وهذا يفرض على الدول الفاعلة في الإقليم الانتقال من إدارة النزاعات إلى تفكيكها، عبر حوار صريح وشفاف يعيد ترتيب المصالح المشتركة بعيدا عن المواقف المسبقة.


ويبقى السؤال الجوهري: هل ما نشهده مقدمة لإنهاء الصراع؟ أم هو تأجيل لانفجار قادم لا مفر منه؟


ختاما: أخشى أن يغيب هذا التوازن العقلاني، فينقلب الرمح على حامله قبل أن يحميه درعه؛ وحينها لن تكون الخسائر سياسية وعسكرية فحسب، بل وجودية تمس الجميع، حتى أولئك الذين ظنوا أنهم بمنأى عنها. 

 

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12395077
Please fill the required field.