إقتصاد

ترامب يعلن "حرباً اقتصادية غير مسبوقة".. وإيران: سنستخدم أسلحة أكثر تدميراً 

ترامب يعلن "حرباً اقتصادية غير مسبوقة".. وإيران: سنستخدم أسلحة أكثر تدميراً 

عقوبات واشنطن الخميس تعد افتتاحا عمليا لجبهة الضغط الاقتصادي التي لوَح بها ترمب ضد طهران وشركائها.


افراسيانت - أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس «حربا اقتصادية لم يسبق لها مثيل» على إيران، متوعدا الدول والمؤسسات التي توفر لها «شريان حياة» بعواقب اقتصادية وخيمة، فيما تتجه واشنطن إلى تكثيف الضغط الاقتصادي على طهران، بالتزامن مع مؤشرات على استعداد الأخيرة لمواجهة طويلة.


وكتب ترامب على منصته «تروث سوشيال» أن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو هيئاتها الحكومية بتقديم أي شكل من أشكال الدعم لإيران ستواجه «تبعات اقتصادية وخيمة»، معتبرا أن طهران «لم تعرف كيف تغتنم الفرصة الكبيرة» لإبرام اتفاق مع واشنطن. وأضاف: «أعلن العملية الاقتصادية الأكثر سحقا على الإطلاق التي تتخذ ضد أي دولة»، متوعدا بـ «حرب اقتصادية لم يسبق لها مثيل». وقال إن «تهريب النفط، وتبادل العملات، وتحويلات السيولة النقدية، ومكاتب الصرافة، وسجلات السفن، والشركات الوهمية، كل هذا يجب أن يتوقف الآن» .


وردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن ما سماه ترامب «يوم النصر الاقتصادي» محاولة لصرف الانتباه عن «ديون غير مسبوقة وارتفاع تكاليف الفائدة» في الولايات المتحدة، مضيفا أن «التمسك بسياسات فاشلة لن يجلب سوى المزيد من الهزيمة، والعداء من الإيرانيين»، وأن «الإرهاب الاقتصادي الأمريكي يهدد الاقتصاد العالمي والسيادة في جميع أنحاء العالم» . ولم يحدد ترامب الإجراءات التي ستتخذها واشنطن، فيما قالت «فارس» إن تهديداته تمثل «حربا نفسية وحملة دعائية». واعتبرت «تسنيم» الإعلان «ليس تطورا جديدا»، مؤكدة أن إيران تعلمت التحايل على القيود وأصبحت «ماهرة جدا في ذلك» .


وتشتري الصين أكثر من 80 % من شحنات النفط الإيراني، وفقا لبيانات «كبلر»، بينما أعلنت الإمارات تعليق جميع الأنشطة التجارية والتبادلات والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر.


وقال محمد مخبر، مستشار المرشد الأعلى، إن طهران لا تزال منفتحة على الحوار، لكنها تميز بين «المفاوضات والاستسلام»، مؤكدا أن العقوبات والضغط العسكري لن يكسرا عزيمتها.


وقال مسؤول رفيع في البيت الأبيض، حسب «بوليتيكو»، إنه «لا يوجد حديث عن تصعيد عسكري ضد إيران في الوقت الراهن»، وإن ترامب يركز على «خنق إيران اقتصاديا».


وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن العزلة الاقتصادية ستكون «الأكبر في التاريخ»، متعهدا بـ«أقسى العقوبات» ومضيفا أنها «ستؤدي إلى انهيار النظام» . وفي المقابل، قال المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي إن إيران ستستخدم، في حال اندلاع حرب جديدة، أسلحة «مختلفة تماما عن الماضي» وأكثر تدميرا، مشيرا إلى تطوير الرؤوس الحربية ودقة الإصابة ومدى الصواريخ.


وتتزامن هذه التصريحات مع تعيين مجتبى خامنئي شخصيات مخضرمة من الحرس الثوري في أبرز المناصب الأمنية، بينها محسن رضائي أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وحسين طائب قائدا للباسيج، وأحمد وحيدي قائدا للحرس، وعلي عبد اللهي رئيسا لهيئة الأركان.


وقال مدير السياسات في مركز «متحدون ضد إيران نووية» جايسون برودسكي إن التعيينات «تدل على اعتماد نهج أكثر استعدادا للمجازفة والمواجهة»، وإنها تظهر أن إيران تعتقد أنها «ستبقى في حالة حرب في المستقبل المنظور». كما رأى أن تعيين طائب، الذي ينظر إليه على أنه قريب من مجتبى، يعكس مخاوف المؤسسة من تجدد الاضطرابات مع تدهور الوضع الاقتصادي، وأن الباسيج قد يؤدي دورا رئيسيا في قمع أي احتجاجات مقبلة.


ولا تعني هذه التعيينات بالضرورة أن إيران تتبنى عقيدة حرب استباقية، لكنها تشير إلى تصور مختلف لطبيعة المرحلة، مفاده أن المواجهة في الأغلب ستستمر، ما يدفع بطهران إلى بناء قيادة قادرة على خوضها لفترة أطول، بالتوازي مع محاولة الحفاظ على قنوات تفاوضية.


هل يوسع ترمب حربه الاقتصادية وكيف تدافع إيران؟ 


بدت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مقترنة بعقوبات الخزانة التي أعلنت الخميس، بمثابة إعلان عن بدء جولة أوسع من الحرب الاقتصادية على إيران. فبينما استهدفت العقوبات شبكة تمويل مرتبطة بحزب الله اللبناني وفيلق القدس، ذهب وعيد ترمب إلى أبعد من طهران، ملوحا بعواقب اقتصادية للدول والجهات التي تقدم لها دعما اقتصاديا.


واستهدفت العقوبات شبكة قالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها تساعد حزب الله وتخدم النظام الإيراني تحت قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري. وجاءت بعد ساعات من وعيد ترمب ووزير الخزانة سكوت بيسنت بتشديد غير مسبوق للضغط الاقتصادي على طهران والجهات التي تتعامل معها، بما يمنح التهديد الأمريكي بعدا تنفيذيا حتى وإن ظل نطاقه الحالي محدودا.


وقالت الخزانة الأميركية إن العقوبات الجديدة تستهدف أفرادا على صلة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله، وتشمل 10 أشخاص ضمن شبكة مسؤولة -بحسب الوزارة- عن تحويل الأموال إلى الحزب اللبناني. كما أعلنت إعادة إدراج الأخير على قائمة العقوبات، وقالت إنه يخدم النظام الإيراني تحت قيادة فيلق القدس.


وبحسب الوزارة نفسها، تستفيد الشبكة من مسارات تمويل تشمل تهريب النفط، والشحن غير المشروع، وتهريب الأموال. وتظهر تحديثات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية إدراج أفراد مرتبطين بحزب الله وفيلق القدس، مع عناوين في تركيا والإمارات، وتضعهم في نطاق مخاطر العقوبات الثانوية الأمريكية.


ويعطي توقيت العقوبات وطبيعتها انطباعا بأنها أول إجراء معلن في مسار الوعيد الأمريكي. لكنه لا يعني أن واشنطن أعلنت بعدُ الحزمة الاقتصادية الكبرى التي توعد بها بيسنت، إذ يركز الإجراء المنشور على شبكة تمويل مرتبطة بحزب الله وفيلق القدس، ولا يعلن حتى الآن عقوبات واسعة على مشتري النفط الإيراني أو البنوك أو شركات الشحن والتأمين بوصفها قطاعات مستقلة.


جبهة اقتصادية


وكان ترمب قد قال في منشور، إن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم "أي نوع من شريان الحياة لإيران" ستواجه "عواقب اقتصادية هائلة". ولم يسم دولا بعينها، كما لم يحدد شكل الإجراءات التي قد تتخذها واشنطن.


ثم قال بيسنت لشبكة "سي إن بي سي" إن الولايات المتحدة ستفرض على إيران "أشد العقوبات في التاريخ" وإنها تجمع بين الحصار القائم والضغط الاقتصادي في ما وصفه بـ"ضربة مزدوجة". كما دعا الصين إلى التعاون مع واشنطن، وأعلن أن مؤتمرا صحفيا يوم الاثنين المقبل سيعرض تفاصيل الإجراءات المقبلة.


وبذلك، لا يقتصر الوعيد الأمريكي على إضافة أسماء إلى قوائم العقوبات، بل يرسم ملامح ضغط قد يستهدف البيئة الاقتصادية المحيطة بإيران. وتبدو عقوبات اليوم بداية ملموسة لهذه الجبهة، وإن كانت تستهدف في هذه المرحلة مسار تمويل حلفاء إيران. ويبقى الاختبار الأكبر في ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستوسع الاستهداف إلى مشترين أجانب للنفط الإيراني وبنوك ووسطاء من دول ثالثة.


رد طهران


حتى وقت إعداد هذا التقرير، لم يظهر رد إيراني علني يخص العقوبات الجديدة على شبكة حزب الله. أما الرد الإيراني الذي صدر اليوم على تهديد ترمب الأوسع، فجاء عبر وزير الخارجية عباس عراقجي الذي اعتبر إعلان الرئيس الأمريكي بدء حملة ضغط اقتصادي واسعة ضد بلاده محاولة لصرف انتباه الرأي العام الأمريكي عن مشكلات داخلية، بينها الدين المتصاعد وارتفاع كلفة الاقتراض.


وأضاف عراقجي أن مضاعفة السياسات التي يصفها بالفاشلة لن تقود إلا إلى "هزيمة جديدة" وعداء الإيرانيين، معتبرا أن "الإرهاب الاقتصادي الأمريكي" يهدد الاقتصاد العالمي والسيادة الوطنية للدول. ولا يتضمن هذا الرد إعلان تدابير مقابلة أو تعليقا محددا على عقوبات الخزانة الجديدة.


ومن جانبه، قال نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي إن واشنطن انتقلت إلى "الحرب الاقتصادية" بعدما أخفقت حربها العسكرية في تحقيق أهدافها. وأضاف في منشور على منصة إكس أن الولايات المتحدة تزعم أن إيران على حافة الهزيمة، لكنها تطلب في الوقت نفسه من حلفائها مساعدتها، معتبرا أن تسمية الجولة الجديدة حربا اقتصادية لا تخفي، بحسب قوله، إخفاقاتها السابقة.


ولا تتضمن هذه التصريحات إعلانا عن تدابير إيرانية مضادة أو تعليقا محددا على قرار الخزانة الأمريكية الخاص بشبكة حزب الله، بل تندرج في إطار الرد السياسي على مسار ضغط واشنطن الأوسع.


حدود الاحتواء


ويرى الخبير الاقتصادي آيزاك سعيديان، في مداخلة للجزيرة نت، أن فعالية الضغط لا تقاس بعدد الأسماء المضافة إلى قوائم العقوبات، بل بقدرته على تعطيل الوصول إلى النقد الأجنبي وتحويله واستمرار الواردات الضرورية. ويقول إن اتساع العقوبات لاحقا إلى مشتري النفط والبنوك والشحن والتأمين قد يجعل التجارة مع إيران أكثر كلفة ومخاطرة، وينقل الأثر تدريجيا إلى سعر الصرف والواردات والأسواق وقدرة الأسر على الشراء.


ويضيف سعيديان أن الحكومة في إيران تملك أدوات لتخفيف حدة الصدمة، من بينها إدارة سوق الصرف، والاحتياطات من العملة الأجنبية، وترتيب أولويات الواردات، ودعم السلع الأساسية. لكنه شدد على أن هذه السياسات قد تبطئ انتقال الأثر، لكنها لا تستطيع إزالة أثر العقوبات أو التعويض إلى ما لا نهاية عن نقص الموارد الأجنبية وصعوبة تحويل الأموال وارتفاع كلفة الاستيراد.


ونبه الخبير الاقتصادي إلى أن ضبط الأسعار قد ينقل جانبا من العبء من المستهلك إلى الموازنة العامة.


وبحسب سعيديان، فإن المعيار الأهم هو قدرة الدولة على صون 3 حلقات حيوية: الوصول إلى النقد الأجنبي، والقدرة على تحويل الموارد، واستمرار استيراد السلع الضرورية. وإذا تعرضت هذه الحلقات الثلاث للضغط في وقت واحد، فلن تكفي السياسات الداعمة وحدها لامتصاص الأثر.


وبهذا المعنى، لا تبدو العقوبات على إيران اليوم مجرد إضافة إلى قوائم أمريكية طويلة، بل بداية تنفيذية لجبهة ضغط اقتصادي لوح بها ترمب ضد طهران وشركائها.


لكن إعلان الاثنين سيحدد ما إذا كانت هذه الجبهة ستبقى موجهة إلى شبكات تمويل حلفاء إيران، أم ستتطور إلى حملة أوسع ترفع كلفة التجارة والتمويل والتعامل الاقتصادي مع طهران.


واشنطن تخيّر الحلفاء: إما معنا وإما ضدنا


صعّدت الولايات المتحدة لهجتها تجاه إيران، مؤكدة عزمها على تنفيذ سياسة عزل اقتصادي واسعة النطاق ضد طهران، في حين نددت إيران بالإجراءات الأمريكية الجديدة ووصفتها بأنها "إرهاب اقتصادي".


وفي وقت سابق -الخميس- قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن واشنطن أبلغت حلفاءها بأن عليهم الاختيار بين دعم الجهود الأمريكية لعزل إيران اقتصاديا أو الوقوف في المعسكر المقابل.


وأضاف بيسنت في مقابلة مع شبكة "سي إن بي سي": "إما أن تكونوا معنا أو ضدنا". كما دعا الصين إلى "الانسجام مع الخطة"، معتبرا أن بعض المناقشات مع بكين يُفضَّّل إجراؤها بعيدا عن العلن.


"جريمة ضد الإنسانية"


في المقابل، أدانت وزارة الخارجية الإيرانية العقوبات الأمريكية الجديدة، معتبرة أنها تستهدف الشعب الإيراني بأكمله، وترقى إلى مستوى "الإرهاب الاقتصادي" و"الجرائم ضد الإنسانية".


وأكدت الخارجية الإيرانية أن هذه الإجراءات لن تؤثر في "عزم إيران على الدفاع عن استقلالها وسيادتها ومصالحها الوطنية".


وقالت الخارجية الإيرانية إن العقوبات الأمريكية تعكس -من وجهة نظرها- عجز واشنطن عن تحقيق أهدافها، ووصفت سياسة العقوبات بأنها نهج أثبت فشله سابقا، ولن يؤدي تكراره إلا إلى نتائج مماثلة.


كما شددت على أن طهران ستواصل الدفاع عن أمنها القومي ومصالحها الوطنية في مواجهة ما وصفتها بالضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية الأمريكية.
ماذا بقي في جعبة ترمب من عقوبات اقتصادية على إيران؟


بعد 47 عاما من العقوبات الأمريكية المتراكمة على إيران، تبدو واشنطن وقد استنفدت إلى حد بعيد قائمة الأهداف الاقتصادية المباشرة التي يمكن أن تضيف معاقبتها ضغطا نوعيا جديدا على طهران. ولذلك، فإن "الحرب الاقتصادية غير المسبوقة" التي يتوعد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تتجه بدرجة أكبر إلى خارج إيران، نحو الدول والشركات والمصارف التي لا تزال توفر لها منافذ للتجارة والتمويل، وفي مقدمتها الصين.


هذا التهديد يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة مختلفة عن جولات العقوبات السابقة، تتعلق بما تبقى فعليا من أهداف إيرانية يمكن أن تؤدي معاقبتها إلى ضرر اقتصادي إضافي ملموس.


وبحسب منتدى المجلس الأطلسي، فرضت أمريكا بالفعل عقوبات على "كل قطاع تقريبا في الاقتصاد الإيراني"، وأدرجت آلاف الأفراد والكيانات، بما يشمل قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والشحن والمعادن والسيارات، إضافة إلى البنك المركزي والحرس الثوري والمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، بينما عُزلت المصارف الإيرانية عن شبكة "سويفت" منذ سنوات.


ويعني هذا الاتساع أن مساحة العقوبات المباشرة داخل إيران اقتربت من التشبع، وأن إدراج مزيد من الكيانات الإيرانية قد يحقق أثرا اقتصاديا هامشيا. ومن هنا يتجه مركز ثقل التصعيد إلى الأطراف التي تتيح لطهران الوصول إلى التجارة والتمويل، بدلا من الاكتفاء بإضافة أهداف إيرانية جديدة.


الحرب تنتقل للخارج


ومنذ 16 أبريل/نيسان الماضي، تنفذ وزارة الخزانة الأمريكية ما تسميه "عملية الغضب الاقتصادي"، التي يصفها "مرصد عقوبات الطاقة" التابع للمجلس الأطلسي بأنها تصعيد يعتمد على العقوبات الثانوية لاستهداف أساطيل الظل والمصافي الأجنبية والوسطاء الماليين في الصين والإمارات وهونغ كونغ والعراق وعُمان.


وتستمد العقوبات الثانوية قوتها من النفوذ الذي يمنحه الدولار والنظام المالي الأمريكي لواشنطن، إذ تضع المؤسسات الأجنبية أمام مفاضلة بين مواصلة التعامل مع إيران أو الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى الدولار والأسواق والمؤسسات المالية الأمريكية. ومن هذه الزاوية، يمثل تهديد ترمب بمعاقبة أي دولة توفر منفذا اقتصاديا لطهران توسيعا كبيرا لمنطق العقوبات الثانوية.


غير أن توسيع هذه السياسة يقود واشنطن مباشرة إلى الصين، التي تشتري أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية، وفقا لبيانات شركة "كبلر" لعام 2025. ويذهب جانب كبير من هذه الإمدادات إلى مصاف صينية مستقلة صغيرة، فيما تمر المدفوعات عبر مصارف صينية صغيرة وشركات تجارية في هونغ كونغ وتسويات متزايدة باليوان تتجاوز النظام القائم على الدولار.


وهنا تظهر المصارف الصينية الكبرى بوصفها واحدة من أقوى أوراق العقوبات التي لم تستخدمها واشنطن كلها. وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد أكد في أبريل/نيسان أن الولايات المتحدة وجهت رسائل إلى مصرفين صينيين كبيرين تحذرهما من مخاطر العقوبات الثانوية المرتبطة بإيران، بحسب بلومبيرغ، لكنها لم تفرض عقوبات فعلية عليهما.


الصين ترسم حدود الضغط


ولا تعود حدود التصعيد هنا إلى قدرة إيران على تحمل العقوبات فقط، وإنما إلى الكلفة التي قد تتحملها أمريكا والأسواق العالمية نتيجة توسيعها.


فاستهداف مصرف صيني كبير قد يزيد الضغط على تجارة إيران وتمويلها، لكنه قد يربك نطاقا أوسع من المعاملات المالية ويستدعي ردا من بكين، التي تهيمن على إمدادات عدد من المعادن الحيوية.


وقد أصدرت الصين فعلا قوانين تفرض على شركاتها عدم الامتثال للعقوبات الأمريكية المفروضة على شركات تكرير صينية، وعدم تنفيذها داخل الأراضي الصينية، في وقت تسعى فيه واشنطن أيضا إلى عقد قمة بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ في وقت لاحق من هذا العام.


وتزداد حساسية المعادلة في سوق الطاقة، إذ قد يؤدي تشديد القيود على تجارة النفط الإيراني أو استهداف المشترين الرئيسيين إلى رفع الأسعار عالميا، وهي المخاطر نفسها التي يربطها محللون بمقترحات الحصار البري والرسوم الثانوية التي يجيزها قانون السيناتور ليندسي غراهام.


وهكذا تصبح بعض أقوى أدوات العقوبات المتبقية خيارات قد ترتد آثارها على واشنطن، سواء عبر أسعار الطاقة أو العلاقات التجارية مع الصين أو سلاسل توريد المعادن والسلع الصناعية.


مفارقة العقوبات


وتبرز كذلك مشكلة أطول أجلا تتعلق بالنظام المالي الذي يمنح واشنطن قوة العقوبات. فوفقا لتحليل لـ"تشاتام هاوس"، أسهم الحجم الكبير للعقوبات في تعميق التعاون بين الدول الخاضعة لها، وفي مقدمتها الصين وروسيا وإيران، ودفعها إلى تطوير قنوات دفع ومقاصة أقل تعرضا للدولار والنظام المالي الغربي.


وتوصلت لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية التابعة للكونغرس إلى نتيجة مماثلة، مشيرة إلى أن الصين أنشأت بنية مالية معزولة إلى حد كبير عن النظام المالي العالمي للحفاظ على قدرتها على التعامل مع شركاء خاضعين للعقوبات الأمريكية.


وتكشف هذه الديناميكية مفارقة في اقتصاديات العقوبات، إذ تستطيع العقوبات الثانوية رفع الكلفة المباشرة على إيران وشركائها، لكنها تمنح الدول المستهدفة في الوقت نفسه حافزا أكبر لتطوير أنظمة دفع وتسوية تقلل اعتمادها على الدولار، بما قد يضعف تدريجيا جزءا من النفوذ الذي تستمد منه واشنطن فعالية العقوبات.


هوامش الضغط تضيق


ويرى محللون أن قائمة الأدوات الجديدة التي تجمع بين القوة وقابلية التطبيق أصبحت محدودة. ونقلت صحيفة "ذا ناشيونال" عن محلل بارز لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "رين نتورك" قوله إن الأدوات الاقتصادية المتبقية والقابلة للتطبيق "ليست كثيرة".


وترى مايا نيكولادزه، نائبة مدير مبادرة فن الحكم الاقتصادي في مركز الاقتصاد الجغرافي بالمجلس الأطلسي، أن المسار الأكثر فعالية يتمثل في تشديد إنفاذ العقوبات القائمة ومواصلة استهداف شبكات الصيرفة والتمويل الخفية، بما فيها الشبكات الموجودة في هونغ كونغ، التي تستخدم في تمرير عائدات النفط الإيراني.


وبهذا المنطق قد لا تكمن المرحلة التالية من حملة الضغط في اكتشاف قطاعات إيرانية جديدة لمعاقبتها، وإنما في سد الثغرات التي تسمح لطهران بالالتفاف على العقوبات، وملاحقة الوسطاء وشبكات التمويل وأساطيل الظل والمشترين الذين يبقون صادراتها وعائداتها متدفقة.


ولا تزال وزارة الخزانة ترى أن هذا النهج قادر على إحداث أثر اقتصادي، إذ وصفت تحركها في 10 أغسطس/آب بأنه الإجراء الثامن في 2026 ضد "شبكة الظل المصرفية الإيرانية"، فيما قال بيسنت إن هذه الشبكة بدأت "تترنح".


لكن الوصول إلى مستوى جديد جذريا من الضغط يتطلب خيارات أكبر وأكثر كلفة. ففرض عقوبات على مصارف صينية كبرى أو توسيع الاستهداف ليطال حكومات تتعامل مع طهران قد يزيد الخناق على الاقتصاد الإيراني، لكنه يوسع أيضا دائرة التداعيات إلى التجارة والتمويل وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.


ومن هنا تتغير معادلة العقوبات بعد عقود من الضغط على إيران. فالمسألة لم تعد مرتبطة بحجم العقوبات التي تستطيع واشنطن إضافتها، وإنما بحجم الضرر الاقتصادي الإضافي الذي يمكن أن تفرضه على طهران قبل أن تصبح كلفة التصعيد على الصين والأسواق العالمية والاقتصاد الأمريكي نفسه جزءا من العقوبة.

________________

المصدر: الجزيرة - وكالات

________________

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12617275
Please fill the required field.