ملفات خاصة

"البوابة الشرقية للقدس الكبرى" واستراتيجية الفصل والسيطرة الإسرائيلية

"البوابة الشرقية للقدس الكبرى" واستراتيجية الفصل والسيطرة الإسرائيلية

افراسيانت - تحوّل مخطط E1 من مشروع استيطاني إلى أداة لإعادة "ترسيم" القدس والضفة الغربية، ولفرض واقع سياسي وجغرافي يمهد لإنهاء "حلم الدولة الفلسطينية". كيف تعاد هندسة فلسطين اليوم؟ ولماذا تُعد "البوابة الشرقية للقدس" أخطر مفاصل مخططات الاحتلال؟ 


تحتل القدس والضفة الغربية موقعاً استراتيجياً مركزياً في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، ليس فقط من الناحية الدينية والرمزية، بل بوصفهما الحقل الحيوي الذي تتحدد فيه معالم السيادة والهوية الوطنية. وفي هذا الإطار، يمثل مشروع E1 أو ما يُعرف بـ "البوابة الشرقية للقدس"، نقطة مفصلية في استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إحكام السيطرة على المدينة وتوسيع شبكة الاستيطان المحيطة بها.


لا يُنظر إلى E1 بوصفه مجرد توسع عمراني، بل كمخطط استراتيجي متكامل يجمع بين تحصين القدس، فصل شمال الضفة عن جنوبها، ومنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. فالمشروع يدمج بين البنية التحتية المزدوجة، الطرق الالتفافية، والأنفاق، لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى فضاء خاضع للسيطرة الإسرائيلية، بما يكرّس الفصل الجغرافي والسيادة المزدوجة على الأرض.


ويهدف هذا التقرير إلى تقديم تحليل معمق لمخطط E1 ضمن "مشروع القدس الكبرى"، من حيث الأبعاد الجغرافية والسياسية، والتداعيات الإنسانية، والمواقف الدولية، ليسلط الضوء على الدور الحاسم الذي تلعبه هذه البوابة الشرقية في رسم معالم السيطرة الإسرائيلية على القدس والضفة الغربية.


 E1: الممر الاستراتيجي لإغلاق أفق الدولة الفلسطينية وتكريس "القدس الكبرى" 


لا يُقارَب مشروع E1 في الرؤية الجيوسياسية الإسرائيلية باعتباره توسعاً عمرانياً محدوداً، بل يُنظر إليه بوصفه "البوابة الشرقية" للقدس، والممر الحاسم في إعادة تعريف حدود المدينة ووظيفتها الاستراتيجية.


في هذا السياق، يوضح خبير الخرائط والاستيطان خليل التفكجي، في مقابلة مع الميادين نت، الأبعاد العميقة للمخطط، مؤكداً أنه يحمل جملة من الأهداف الاستراتيجية المتداخلة.


الهدف الأول، بحسب التفكجي، يتمثل في تكريس مشروع "القدس الكبرى" عبر إحاطة البلدة القديمة من الناحية الشرقية بطوق استيطاني مكثف، بما يرسّخ مفهوم " حماية العاصمة" وفق الرؤية الإسرائيلية، ويعيد تشكيل المجال العمراني والديموغرافي المحيط بها..


أما الهدف الثاني، فيتعلق بمنع قيام دولة فلسطينية عاصمتها "القدس الشرقية"، من خلال السيطرة على المنطقة المفتوحة التي تُعد الامتداد الجغرافي الوحيد الممكن لربط القدس بمحيطها الفلسطيني. وبذلك يُقضى عملياً على أي تصور لسيادة فلسطينية في المدينة.


الهدف الثالث يتمثل في فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، عبر مدّ ممر استيطاني (كاريدور) يمتد من محيط القدس شرقاً حتى الأغوار. هذا الامتداد لا يحقق فقط الفصل الجغرافي، بل يربط الكتلة الاستيطانية في "معاليه أدوميم" بالعمق الشرقي، وصولاً إلى غور الأردن، ضمن رؤية تتجاوز الحاضر إلى مخططات بعيدة المدى حتى عام 2050.


تُبرز هذه المعطيات الطابع المركب للمشروع: فهو في آنٍ واحد أداة تحصين أمني، وآلية فصل جغرافي، ومنصة لإعادة تعريف وظيفة القدس ضمن تصور " القدس الكبرى" الممتدة شرقاً. وبهذا المعنى، لا تقتصر وظيفة E1 على ربط "معاليه أدوميم" بالقدس، بل تتعدى ذلك إلى تثبيت ممر استراتيجي متصل من الساحل إلى الأغوار، بما يعيد تشكيل الخريطة السياسية ويحول الوجود الفلسطيني إلى جيوب متناثرة داخل فضاء تهيمن عليه البنية الاستيطانية.


ويضيف التفكجي بعداً تخطيطياً–مستقبلياً يتجاوز الإطار السكني، مشيراً إلى أن الرؤية الإسرائيلية بعيدة المدى تتضمن إقامة مطار في منطقة النبي موسى، بطاقة استيعابية كبيرة قد تصل إلى عشرات الملايين من المسافرين والسياح سنوياً، في إطار إعادة هيكلة شاملة للحيز الممتد بين القدس والأغوار.


ويرى أن هذه المشاريع، إلى جانب ما يُسمى بشارع "السيادة" (الذي يُقدم رسمياً ضمن مشروع "نسيج الحياة")، تشكل جزءاً من سياسة تهدف إلى ربط هذا الامتداد الشرقي إقليمياً، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليه باعتباره مجالاً حيوياً مفتوحاً حتى الحدود مع الأردن.


بهذا التصور، لا يُعد E1 مخططاً مرحلياً، بل حلقة مركزية في مشروع استراتيجي طويل الأمد يعيد تعريف الجغرافيا السياسية للقدس والضفة الغربية عبر البنية التحتية والاستيطان.


"معاليه أدوميم" و"القدس الكبرى": حجر الزاوية في إعادة رسم الجغرافيا شرق القدس


تُعد مستوطنة "معاليه أدوميم" واحدة من أخطر وأكبر المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية، ليس فقط بحكم حجمها وعدد المستوطنين، بل لدورها الاستراتيجي في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للقدس والضفة الغربية.


بدأت المستوطنة كبؤرة صغيرة عام 1975 تضم نحو 15 مستوطناً أيديولوجياً، قبل أن تتحوّل تدريجياً إلى مشروع واسع، وحصلت على صفة "مدينة"  عام 1991، لتكون أول مستوطنة في الضفة تُمنح هذا التصنيف، في خطوة ذات أبعاد سياسية وقانونية هدفت إلى تطبيع وجودها ودمجها إدارياً ضمن الفضاء الإسرائيلي.


تولت حكومة مناحيم بيغن الأولى (1977–1981) التخطيط الهيكلي للمستوطنة ضمن رؤية تستهدف اختراق العمق الجغرافي للضفة الغربية وإحكام الطوق الاستيطاني حول "القدس الشرقية". وفي عام 1979 صادقت الحكومة على مخطط رسم حدودها على مساحة تقارب 3,500 هكتار، أُقيمت عليها نحو 2,600 وحدة سكنية في مراحلها الأولى.


وعلى خلاف الرواية الرسمية الإسرائيلية، أُقيمت المستوطنة على أراضٍ تعود ملكيتها لقرى فلسطينية مجاورة مثل أبو ديس، العيزرية، عناتا، الطور، والعيسوية، وترافقت مع مصادرات واسعة وتهجير قسري للتجمعات البدوية.


في هذا السياق، يؤكد الباحث والمختص في الدراسات اليهودية، فوزي البدوي، في مقابلة مع الميادين نت، أن فهم دور "معاليه أدوميم" لا يكتمل دون التوقف عند مشروع E1، والذي يصفه بأنه "أحد أخطر المشاريع الاستعمارية التي تستهدف القدس، لا بوصفه توسعاً عمرانياً فحسب، بل باعتباره الركيزة الجغرافية المركزية في مشروع "القدس الكبرى". ويوضح أن هذا المشروع يُسوّق رسمياً كمخطط " تطويري " لمنطقة تمتد على نحو 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس، ويتضمن بناء قرابة 3400 وحدة سكنية استيطانية وبنى تحتية وطرق وشبكات خدمات، غير أن هدفه الاستراتيجي يتمثل في تحقيق الربط الجغرافي الكامل بين "معاليه أدوميم" والقدس المحتلة.


وبحسب البدوي، فإن هذا الربط سيحول المستوطنة، التي يقطنها اليوم نحو 40 ألف مستوطن يعمل قرابة 70% منهم داخل القدس، إلى امتداد حضري واقتصادي مباشر للمدينة، بما يعني ضمّها فعلياً إلى الكتلة الاستيطانية الكبرى وفرض تواصل عمراني يهودي متصل شرق القدس. ويرى أن هذه الخطوة تندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة هندسة التركيبة السكانية للمدينة ومحيطها، بهدف تكريس أغلبية يهودية تصل إلى نحو 70% بحلول عام 2030، مقابل تقليص الوجود الفلسطيني وتحويله إلى جيوب معزولة ومحاصرة.


ولا تقتصر تداعيات هذا المشروع، وفق البدوي، على حدود القدس، بل تمتد إلى مجمل الجغرافيا الفلسطينية في الضفة الغربية، إذ يؤدي تنفيذ مخطط E1 إلى قطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وتحويل المدن والتجمعات الفلسطينية إلى "كنتونات" منفصلة ترتبط بشبكة طرق التفافية تخضع بالكامل للسيطرة الأمنية الإسرائيلية. كما يشكّل المشروع حلقة استيطانية خانقة حول "القدس الشرقية"، تعزلها عن محيطها الطبيعي وتمنع أي إمكانية لتوسعها العمراني أو الديموغرافي الفلسطيني مستقبلاً.


سياسياً، يشدد البدوي على أن مشروع E1 يمثل ضربة قاصمة لإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة، إذ ينسف عملياً مبدأ القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، ويقطع أحد أهم محاور التواصل الحيوي بين رام الله وبيت لحم عبر المدينة. ويعكس هذا المسار، برأيه، انتقالاً واضحاً في الاستراتيجية الإسرائيلية من إدارة الصراع إلى حسمه ميدانياً عبر فرض وقائع جغرافية يصعب التراجع عنها في أي عملية تفاوضية مستقبلية.


ويضيف أن مركزية القدس في هذا المشروع تتجاوز البعد السياسي، إذ تُقدم في الخطاب الصهيوني باعتبارها قلب المشروع الصهيوني وجوهر ما يُعرف بـ "أرض الميعاد"، وهو مصطلح جرى توظيفه وإعادة إنتاجه سياسياً لتوفير غطاء ديني لمشاريع الضم والاستيطان، رغم عدم وروده حرفياً بهذه الصيغة في النص التوراتي.


في المحصلة، لا يمكن النظر إلى "معاليه أدوميم" بوصفها مستوطنة عادية، بل باعتبارها حجر الزاوية في مشروع "القدس الكبرى" الذي يسعى إلى إعادة رسم الخريطة السياسية والديموغرافية للمنطقة. فمع الربط المخطط عبر E1،  تتحول المستوطنة إلى أداة حاسمة لتكريس التفوق الديموغرافي اليهودي، وعزل "القدس الشرقية"، وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، في تعارض واضح مع قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان وترفض أي تغيير في الوضع القانوني للقدس المحتلة.


شارع "السيادة" والبنية التحتية المزدوجة: هندسة الفصل بدل تسهيل الحياة


في قراءته الميدانية لمشروع "نسيج الحياة"، الذي يُسوق رسمياً اليوم تحت اسم شارع "السيادة"، يقدم خليل التفكجي توصيفاً دقيقاً لوظيفته الحقيقية، بعيداً عن الخطاب الذي يروج له بوصفه مشروعاً لتحسين الحركة المرورية.


يقول التفكجي إن الشارع الجاري شقه يؤدي فعلياً إلى إنشاء بنيتين تحتيتين منفصلتين: واحدة للفلسطينيين وأخرى للإسرائيليين، بحيث لا يُسمح للجانب الفلسطيني باستخدام البنية التحتية المخصصة للإسرائيليين. ويبدأ مسار الشارع من منطقة العزرية، في وقت يُتوقع فيه إغلاق الشارع الرئيسي المؤدي إلى مستوطنة "معاليه أدوميم" أمام الفلسطينيين، ليُعاد توجيه حركتهم عبر هذا المسار البديل باتجاه أريحا. ووفق هذا المخطط، فإن أي فلسطيني قادم من جنوب الضفة إلى شمالها سيُجبر على سلوك هذا الطريق، مروراً بأنفاق وشوارع منفصلة بالكامل عن الشبكة الطرقية الإسرائيلية، وصولاً إلى رام الله.


تكشف هذه المعطيات أن المشروع ليس تدخلاً مرورياً محايداً، بل نظام فصل هندسي عنصري متكامل. فبدل أن تكون البنية التحتية أداة ربط، يجري توظيفها لإنتاج مسارات فلسطينية معزولة تمر عبر أنفاق وطرق التفافية، في مقابل إبقاء الشبكة الرئيسية للمستوطنين مفتوحة ومتصلة وتحت سيطرة مباشرة. وهكذا يتحول التخطيط العمراني إلى أداة لإعادة إنتاج الفصل الجغرافي على مستوى الحياة اليومية، بما يكرس ازدواجية في البنية التحتية والسيادة.


ويضيف التفكجي بُعداً آخر يتعلق بإعادة ترتيب الحركة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن إزالة حاجز الزعيم تهدف إلى تسهيل حركة المستوطنين بين مستوطنة "معاليه أدوميم" و"القدس الغربية". ويرى أن هذه الخطوة تأتي ضمن سياسة أوسع لا تستهدف قيام دولة فلسطينية، بل تسعى إلى محاصرة التجمعات الفلسطينية بشبكة من الشوارع والمستعمرات الإسرائيلية، بما يسهل السيطرة عليها، خاصة في البوابة الشرقية للقدس.


وإزالة الحواجز أمام المستوطنين، مقابل إحكام المسارات البديلة والمفروضة على الفلسطينيين، تؤكد أن الهدف ليس "تسهيل الحركة" بقدر ما هو إعادة توزيعها وفق منطق سيادي تمييزي. فالمخطط يضمن انسيابية الامتداد الاستيطاني من القدس إلى "معاليه أدوميم"، في مقابل تطويق التجمعات الفلسطينية وإخضاعها لنظام حركة خاضع للرقابة والتحكم. وتهجير التجمعات البدوية وإعادة رسم المجال الحيوي. ولا ينفصل هذا المشروع عن سياق أوسع يستهدف إعادة تشكيل المجال الحيوي شرق القدس، عبر الضغط على التجمعات البدوية ودفعها إلى الرحيل، بما يفتح المجال أمام استكمال الحزام الاستيطاني وربط الكتل الكبرى ببعضها البعض. وبهذا، يصبح شارع "السيادة" جزءاً من منظومة متكاملة تعيد هندسة الجغرافيا والديموغرافيا معاً، تحت عنوان البنية التحتية، بينما جوهرها إعادة رسم الحدود الفعلية للسيادة على الأرض.


E1 ومعركة الأرض: بين هندسة الجغرافيا وتهجير الإنسان


جغرافياً، تمثل منطقة E1 أضيق نقطة في الضفة الغربية، إذ لا يتجاوز عرض الضفة في هذا المقطع نحو 28 كيلومتراً من الشرق إلى الغرب. وتكمن خطورة البناء الاستيطاني في هذه المساحة في أنه يهدد بقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها بصورة شبه كاملة، وتحويل المدن الفلسطينية إلى كنتونات منفصلة، يُربط بعضها ببعض عبر طرق التفافية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.


كما يؤدي تنفيذ المخطط إلى عزل "القدس الشرقية" نهائياً عن امتدادها الفلسطيني، وحرمانها من عمقها الاقتصادي والديني والثقافي، بحيث يصبح الوصول إليها مسألة تصاريح أمنية تخضع للتقدير السياسي الإسرائيلي. 


ولا تقل الأبعاد الإنسانية خطورة عن التداعيات الجغرافية. فقد تحوّلت منطقة E1 إلى مسرح لعمليات تهجير قسري متكررة، استهدفت خصوصاً التجمعات البدوية، وفي مقدمتها قبيلة الجهالين التي اقتُلعت منذ ثمانينيات القرن الماضي من أراضيها، ونُقلت إلى مناطق هامشية قرب مكبّات النفايات. وتشير التقديرات إلى أن التنفيذ الكامل للمخطط قد يفضي إلى تهجير أكثر من ألف فلسطيني من التجمعات البدوية المتبقية شرقي القدس، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر النقل القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال.


في المحصلة، لا تمثل E1 مجرد مساحة قابلة للبناء، بل أداة استراتيجية لحسم الصراع على القدس والضفة الغربية عبر التخطيط العمراني والاستيطان. فالمخطط، في حال تنفيذه، يعني عملياً تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وتكريس واقع الضمّ بحكم الأمر الواقع، حيث تُرسم الحدود بالإسفلت والبنية التحتية قبل أن تُعلن بالنصوص القانونية.


وفي توصيفه للأثر الميداني المباشر، يؤكد خليل التفكجي أن E1  ليست " أرضاً فارغة"، بل فضاء شهد عمليات اقتلاع ممنهجة. ويشير إلى أن مساحة المخطط، البالغة نحو 12 كيلومتراً مربعاً، ترافقت مع إزالة تجمعات فلسطينية ممتدة من شرق القدس حتى الأغوار، إلى جانب إقامة أكثر من ثماني بؤر رعوية استيطانية لمضايقة التجمعات البدوية ودفعها نحو الرحيل. كما يوضح أن المخطط يقطع التواصل الجغرافي بين الجنوب والشمال ويجعله بطيئاً ومتقطعاً؛ فالفلسطيني القادم من الخليل أو بيت لحم باتجاه أريحا سيضطر إلى سلوك مسارات أطول وأكثر تعقيداً، ما يفاقم أزمات المواصلات والازدحام ويحوّل الحركة اليومية إلى عبء دائم.


ويضع التفكجي ذلك كله ضمن رؤية أوسع تتجاوز الاعتبارات السكنية أو الاقتصادية، لتندرج في إطار عقيدة أمنية–جيوسياسية تعتبر إحاطة القدس بطوق استيطاني ضرورة استراتيجية. فبعد عام 1967، جرى بناء دوائر استيطانية متعاقبة حول المدينة لتحصينها من الجبهة الشرقية، انطلاقاً من تصور يرى أن سقوط " العاصمة" يعني سقوط "الدولة". بهذا المعنى، يتحول الاستيطان في E1 إلى أداة دفاع جيوسياسي في الرؤية الإسرائيلية، تُبنى حلقاته لتأمين السيطرة الكاملة على المجال الممتد حتى الأغوار، وإعادة رسم الخريطة السياسية عبر وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها.


الجذور التاريخية: من هرتزل وبن غوريون إلى نتنياهو وسموتريتش


منذ نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن القدس والضفة الغربية موضوعاً تفاوضياً طارئاً، بل شكّلتا جوهر المشروع الاستعماري الصهيوني وأفقه النهائي. فقد كتب مؤسس الصهيونية السياسية تيودور هرتسل في يومياته عام 1897: " في بازل أسستُ الدولة اليهودية.. وربما بعد خمسين عاماً سيعترف بها الجميع" ، في إشارة مبكرة إلى مشروع يتجاوز الواقع القائم ويستند إلى فرضه بالقوة والزمن. وفي كتابه " الدولة اليهودية" (1896)، أكد هرتسل أن السيطرة على الأرض يجب أن تُبنى تدريجياً عبر الاستيطان، لا عبر انتظار الاعتراف السياسي. ورغم أن القدس لم تكن آنذاك تحت السيطرة الصهيونية، فإنها حضرت بوصفها القلب الرمزي للمشروع، لا سيما في الخطاب الديني–القومي الذي رافق الصهيونية منذ بداياتها.


مع الانتداب البريطاني، انتقلت الصهيونية من طور الفكرة إلى التنفيذ، وبرز خطاب أكثر صراحة حول الأرض. فقد قال دافيد بن غوريون عام 1937، تعليقاً على لجنة بيل: " نقبل بالتقسيم كمرحلة أولى، لكن حدود الدولة الصهيونية لن تكون نهائية". هذا التصريح يعكس بوضوح العقيدة الصهيونية القائمة على التجزئة المرحلية والتوسع اللاحق. وبعد نكبة 1948، ورغم بقاء "القدس الشرقية" والضفة الغربية خارج السيطرة الإسرائيلية، ظلّ بن غوريون يؤكد أن خطوط الهدنة ليست حدوداً سياسية دائمة، بل واقعاً مؤقتاً، وهو ما تجسد لاحقاً في حرب 1967.


شكّل احتلال "القدس الشرقية" والضفة الغربية عام 1967 لحظة مفصلية في التاريخ الصهيوني، إذ تحوّل الحلم الأيديولوجي إلى إمكانية ميدانية. وفي هذا السياق، قال موشيه ديان بعد الحرب مباشرة: " لقد عدنا إلى القدس ولن نغادرها أبداً"، في إعلان سياسي–عقائدي يُخرج المدينة من أي إطار تفاوضي. ومنذ تلك اللحظة، بدأ تطبيق سياسة فرض السيادة عبر الاستيطان، حيث اعتبر يغآل ألون أن السيطرة على غور الأردن و"القدس الكبرى" شرط أمني ووجودي لـ"إسرائيل"، ما أفضى إلى صياغة "خطة ألون" التي أرست الأسس الجغرافية لتقطيع الضفة الغربية.


ومع صعود الليكود إلى الحكم عام 1977، دخل المشروع الصهيوني مرحلة أكثر صراحة وأقل مواربة. فقد أعلن رئيس الحكومة مناحيم بيغن أن "حق الشعب اليهودي في يهودا والسامرة هو حق تاريخي وأبدي"، وهو خطاب أزال آخر الحواجز بين الأيديولوجيا والسياسة التنفيذية. وفي السياق ذاته، قال أريئيل شارون، مهندس الاستيطان في الثمانينيات: "يجب الاستيطان في كل تلة، لأن ما لا نأخذه اليوم سيأخذه الفلسطينيون غداً". هذه العقيدة شكلت الأساس العملي لتوسيع المستوطنات الكبرى، وعلى رأسها "معاليه أدوميم"، التي صُممت منذ البداية لاختراق عمق الضفة وربطها بالقدس.


في التسعينيات، ورغم انطلاق مسار أوسلو، لم تتوقف هذه الرؤية، بل أُعيد إنتاجها بأدوات أكثر نعومة. فقد قال رئيس الحكومة إسحق رابين عام 1995، قبل اغتياله: "سنقيم كياناً فلسطينياً أقل من دولة"، مؤكداً أن القدس ستبقى "موحدة تحت السيادة الإسرائيلية". وفي هذا السياق، جرى إقرار المخطط الشمولي لمنطقة E1 عام 1999، في لحظة مفصلية هدفت إلى تثبيت الربط الجغرافي بين القدس و"معاليه أدوميم"، بما يتجاوز أي التزام سياسي معلن.


أما في المرحلة الراهنة، فقد بلغ الخطاب الصهيوني ذروته في الصراحة. إذ قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عام 2023: "للشعب اليهودي حق حصري وغير قابل للنقاش في كل أرض إسرائيل". وفي آب/أغسطس 2025، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش "أن تنفيذ مخطط E1 يدفن فكرة الدولة الفلسطينية"، في اعتراف مباشر بأن ما يُنفذ اليوم هو ترجمة عملية لعقيدة تاريخية عمرها أكثر من قرن.


وهكذا، تتضح السلسلة الزمنية بجلاء: من هرتسل وبن غوريون، إلى بيغن وشارون، وصولاً إلى نتنياهو وسموتريتش، ظلت القدس والضفة الغربية في صلب المشروع الصهيوني، بوصفهما أرضاً يجب السيطرة عليها، لا التفاوض بشأنها.

وبهذا المعنى، فإن السياسات الحالية من "القدس الكبرى" إلى E1 لا تمثل انحرافاً عن الفكر الصهيوني، بل ذروة تطوره التاريخي، حيث تُستكمل الأهداف التي وُضعت منذ أكثر من مئة عام، عبر أدوات التخطيط والاستيطان بدل الحرب المباشرة، وبما يجعل الصراع على القدس والضفة صراعاً وجودياً على الأرض والرواية والسيادة، لا مجرد "نزاع حدودي" قابل للحل.


خلاصة تحليلية


تُظهر المقاربة المشتركة لكل من خليل التفكجي وفوزي البدوي أن مشروع E1 لا يمكن قراءته باعتباره توسعاً استيطانياً عادياً أو حلقة إضافية في سلسلة مشاريع عمرانية، بل بوصفه المفصل الحاسم في مشروع " القدس الكبرى " ورهانه الاستراتيجي الأبرز.


فالمخطط يجمع بين ثلاثة أهداف مترابطة تشكّل جوهر الرؤية الإسرائيلية شرق القدس:


أوّلاً، تحصين القدس عبر إحاطتها بطوق استيطاني من الجهة الشرقية، بما يرسّخ السيطرة عليها ويعيد تعريف حدودها الفعلية.


ثانياً، تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية عاصمتها "القدس الشرقية"، من خلال السيطرة على المجال المفتوح الذي يمثّل الامتداد الجغرافي الحيوي للمدينة.


ثالثاً، فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها عبر ممر استيطاني متصل يمتد حتى الأغوار، بما يُعيد تشكيل الخريطة الجغرافية والسياسية للضفة.


في هذا السياق، لا تبدو الطرق الالتفافية والأنفاق والبنية التحتية المزدوجة مجرد مشاريع خدماتية، بل أدوات صلبة لإعادة هندسة المجال الحيوي الفلسطيني وفق منطق السيطرة الدائمة. فالجغرافيا هنا لا تُدار بوصفها حيّزاً محايداً، بل تُوظَّف كأداة سياسية لإنتاج واقع يصعب التراجع عنه.


وعليه، يُفهم مشروع E1 باعتباره لحظة ذروة في مسار استيطاني طويل يسعى إلى حسم الصراع على القدس والضفة الغربية عبر التخطيط العمراني وفرض الوقائع الميدانية، لا عبر مسارات التفاوض التقليدية. 

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12389930
Please fill the required field.