كل أسبوع

لا احد يحب المتنمرين !!.. كيف تُخاطر سياسة "أميركا أولاً" بأن تصبح أميركا وحيدة؟

لا احد يحب المتنمرين !!.. كيف تُخاطر سياسة "أميركا أولاً" بأن تصبح أميركا وحيدة؟

افراسيانت - الكاتب: ديفيد لوهنو، سونه إنغل راسموسن، برتراند بينوا - يرى تقرير "وول ستريت جورنال" أنّ سياسة "أميركا أولاً" في ولاية دونالد ترامب الثانية أدّت إلى تدهور غير مسبوق في صورة الولايات المتحدة عالمياً، خصوصاً بين حلفائها التقليديين في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، ما يجعلها مهدّدة بأن تصبح "أميركا وحدها". 


أفاد تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، بتزايد استياء حلفاء الولايات المتحدة من نهج السياسة الخارجية التصادمي الذي تنتهجه واشنطن، خصوصاً في ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثانية، ما أدى إلى تراجع غير مسبوق في صورة أميركا العالمية. 


وقال التقرير إنه قلّما تجد مدينة تُجسّد التحالف عبر الأطلسي بعد الحرب أكثر من العاصمة الألمانية. ففي عام 1963، ألقى جون إف. كينيدي خطابه الشهير "أنا برليني" هنا، مُعلناً التضامن الأميركي خلال الحصار السوفياتي. وفي عام 1987، وقف رونالد ريغان أمام جدار برلين، مُتحدياً الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف لهدمه. وبعد 21 عاماً، احتشد 200 ألف برليني للاستماع إلى السيناتور آنذاك باراك أوباما، مُعلناً عهداً جديداً من الصداقة الأميركية الأوروبية.


واعتبر التقرير أنّ المزاج العام تجاه الولايات المتحدة في برلين اليوم تغيّر، فـ "بعد السنة الأولى المضطربة من ولاية دونالد ترامب الثانية، قلّما يُبدي الألمان إعجابهم بالرئيس الأميركي الحالي، ويعود ذلك جزئياً إلى أنه هو الآخر لا يُبدي إعجابه".


وظهر ذلك خلال خطاب ألقاه ترامب في سويسرا الأسبوع الماضي، عندما سخر من الأوروبيين قائلاً إنه لولا المساعدة الأميركية في الحرب العالمية الثانية، "لكانوا جميعاً يتحدّثون الألمانية".


تراجع النظرة الإيجابية للولايات المتحدة في معظم أنحاء العالم


ووفقاً لـ "وول ستريت جورنال"، قالت المواطنة ناتاشا أهرنز البالغة من العمر 59 عاماً: "كان جدّي من هاواي، وقد قدم كجندي أميركي، لذلك لطالما كانت لديّ صلة وثيقة بالولايات المتحدة". وأضافت: "أجد الصورة التي ينشرها ترامب عن الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم مدمّرة للغاية".


وذكر التقرير أنّ هذا العالم باتت فيه "أميركا أولاً" تعني "أميركا وحدها"، حيث يبحث حلفاؤها عن بدائل لما يبدو بشكل متزايد علاقةً مسيئة.


في العام الماضي، قطع ترامب معظم أشكال المساعدات الخارجية الأميركية، وانسحب من عشرات المؤسسات متعددة الأطراف، وأنهى المساعدات العسكرية المباشرة لأوكرانيا في محاولتها صدّ غزو روسي يعتبره كثير من الأوروبيين تهديداً لقارتهم بأكملها. كما هدّد باستخدام القوة العسكرية لضمّ غرينلاند قبل أن يتراجع مؤخّراً، وفرض حواجز تجارية على الدول التي تبيع سلعاً للولايات المتحدة.


وقالت "وول ستريت جورنال" إنّ سيلاً متواصلاً من الإهانات رافق ترامب، موجّهة بشكل شبه حصري إلى الحلفاء. ففي الأسبوع الماضي، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سخر من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وانتقد كندا لعدم إظهارها مزيداً من الامتنان، ووصف حلف "الناتو" بأنه مستنزف للمال، وقال: "خطأً، إنّ دول الناتو لم ترسل قواتها إلى الخطوط الأمامية في أفغانستان لمساعدة القوات الأميركية"، ثمّ اعتذر لاحقاً.


وقال إنه على الرغم من كلّ ما فعلته الولايات المتحدة من أجل حلفائها، إلا أنهم لا يردّون الجميل أبداً: "كلّ ما نطلبه هو مكان يسمّى غرينلاند".


لذا، بحسب التقرير، تتراجع النظرة الإيجابية للولايات المتحدة في معظم أنحاء العالم، فقد تضاعف عدد البريطانيين الذين ينظرون إلى الولايات المتحدة نظرة سلبية خلال العامين الماضيين ليصل إلى 64%، أي أكثر من ضعف نسبة من ينظرون إليها نظرة بإيجابية، وذلك وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسّسة "يوغوف" الأسبوع الماضي.


وفي ألمانيا، ينظر 71% الآن إلى الولايات المتحدة على أنها "خصم"، بحسب شركة استطلاعات الرأي الألمانية "فورسا"، بينما لا تتجاوز نسبة من ينظرون إليها كحليف في أوروبا 16%، وفقاً للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.


وكان مدير "فورسا"، بيتر ماتوشيك، قد قال: "إنّ صورة الولايات المتحدة في أسوأ حالاتها حالياً".


ولا يقتصر الأمر على أوروبا فقط، إذ يحمل ما يقرب من ثلثي الكنديين والمكسيكيين آراءً سلبية تجاه الولايات المتحدة، وفقاً لاستطلاعات رأي مختلفة، وينظرون إلى جارتهم على أنها تهديد أكبر من الصين، وهو شعور يتردد صداه في البرازيل، أكبر دول أميركا اللاتينية.


وحتى في آسيا، تتعرّض الولايات المتحدة لضربة قوية على سمعتها، وفق التقرير، إذ يصف نحو نصف الكوريين الجنوبيين الولايات المتحدة بأنها دولة تهديدية، استبدادية، وغير نزيهة، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة "هانكوك" للأبحاث.


وكتب الزعيم السابق لحزب المحافظين البريطاني، ويليام هيغ، في مقال رأي نُشر مؤخراً: "إذا استمرت الولايات المتحدة على هذا النهج، فقد تتجذّر مشاعر معادية لأميركا في العديد من الديمقراطيات".


ترامب حطّم نظام الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها.. "لا أحد يحب المتنمّرين"


ويقول تقرير "وول ستريت جورنال"، إنّ صورة أميركا لطالما شهدت عدة تقلّبات؛ فقد تراجعت خلال حرب فيتنام، وموقف ريغان الأكثر عدائية في محاربة الشيوعية في ثمانينيات القرن الماضي، وغزو جورج دبليو بوش للعراق واحتلاله. كما تضرّرت صورتها خلال ولاية ترامب الأولى.


وبحسب التقرير، أمر جورج دبليو بوش بغزو العراق بعد محاولته الفاشلة للحصول على دعم الأمم المتحدة، لكنه مع ذلك كان لديه تحالفٌ يضم نحو 49 دولة عرضت المساعدة، أما ترامب، فلا يُبدي أي ندمٍ على سعيه الحثيث وراء مصالح الولايات المتحدة، فهو يميل إلى النظر إلى الحلفاء على أنهم تابعون له لا قوة مُضاعفة.


وفي السياق، نقل التقرير قولَ العضو السابق في إدارات جمهورية والباحث في معهد "بروكينغز"، روبرت كاغان، إنّ ترامب قد حطّم نظام الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، والذي أسّس لنظام عالمي مستقر نسبياً على مدى السبعين عاماً الماضية.


ويضيف كاغان أنه خلال تلك الفترة، ساعدت القوة الأميركية في حماية الحلفاء، وفي المقابل، استضافوا قواعد أميركية، وتبادلوا المعلومات الاستخباراتية، وحافظوا على أسواق مفتوحة نسبياً للشركات الأميركية.


والآن، يقول كاغان، من غير المرجّح أن يثق الحلفاء بأميركا بالقدر نفسه مرة أخرى، بغضّ النظر عن تغيير الإدارة. ويقول: "أعتقد أنه من المستحيل تقريباً تصوّر التعافي في هذه المرحلة. لنفترض ثلاث سنوات أخرى من هذا الوضع". ويضيف: "لذا تراجع قليلاً بشأن غرينلاند، هذه ليست نهاية المشكلة، بل هي بدايتها".


وبجسب "وول ستريت جورنال"، فإنه من الأسباب الأخرى التي قد تجعل العداء لأميركا أقوى هذه المرة هو الكبرياء، فقد كان الرؤساء السابقون عموماً يحاولون عدم السخرية من القادة والدول الأخرى.


ويقول المتحدّث الرئاسي السابق وخبير العلاقات العامّة في المكسيك، غابرييل غيرا: "لقد تعرّضنا جميعاً للإهانة، لا أحد يحب المتنمّرين".


كيف يضرّ فقدان الثقة باقتصاد أميركا؟


ووفقاً للتقرير، قد يؤدّي فقدان الولايات المتحدة كحليف موثوق إلى الإضرار بجاذبية العلامات التجارية الأميركية الرائدة في الخارج، والتي تواجه بالفعل منافسة أشدّ من المنتجات الصينية.


ويسعى الشركاء التجاريون الرئيسيون جاهدين لتنويع اقتصاداتهم، وتُكثّف الدول الأوروبية والآسيوية التي تعتمد على القوة العسكرية الأميركية إنتاجها العسكري، كما تُبدي دول مثل كندا وبريطانيا وكوريا الجنوبية تقارباً مع الصين.


وبعد تولّي ترامب منصبه، أعربت العديد من الدول الآسيوية التي تعتمد على التجارة عن شعورها بالخيانة إزاء فرض الرسوم الجمركية المفاجئ العام الماضي.


وقال رئيس وزراء سنغافورة، لورانس وونغ، في خطاب ألقاه أمام البرلمان في نيسان/أبريل: "هذه ليست أفعالاً تُرتكب بحقّ صديق".


وتبعاً لـ "وول ستريت جورنال"، يتجه المصنّعون المحليون، الذين سعوا لعقودٍ طويلة إلى جذب المشترين الأميركيين، إلى تنويع قاعدة عملائهم، إذ يقول بول نوريس، الذي يدير مصنع ملابس في فيتنام ويعتمد بشكل كبير على شبكة مشترين أميركيين، إنه أضاف تجار تجزئة من خارج الولايات المتحدة للحدّ من تأثّره بتقلّبات السياسات التجارية.


وتمتد آثار هذه الأزمة لتشمل جوانب أخرى، فقد انخفض عدد السياح الوافدين إلى الولايات المتحدة بنسبة 6% العام الماضي، مدفوعاً بانخفاض عدد الزوّار الكنديين والمكسيكيين.


وبعد أن فرض ترامب تعريفات جمركية على كندا، قامت متاجر البقالة، مثل لولوز وسوبيز، بوضع علامات على المنتجات المحلية.


ويتيح تطبيق "مابل سكان" الجديد والشائع للمستخدمين محاولة تجنّب التعريفات الجمركية ودعم الشركات الكندية من خلال تحديد المنتجات المحلية.


ويقول المبرمج الكندي من كالغاري والذي قام بتطوير التطبيق، ساشا إيفانوف: "نحن جيران منذ سنوات، وخضنا حروباً مشتركة، ولكن في نهاية المطاف، أصبحت الأمور غير قابلة للتنبؤ إلى حد كبير".


ويذكر التقرير: "إلى اللقاء، أوروبا"، إذ يُعدّ هذا التحوّل أكثر ديمومةً وتأثيراً في أوروبا، حيث تُهدّد الشراكة عبر الأطلسي، التي حافظت على السلام بعد حربين عالميتين كارثيتين، بالانهيار.


وحاول القادة الأوروبيون استرضاء ترامب، فوافقوا على زيادات في الرسوم الجمركية من دون رفع الرسوم على الواردات الأميركية، وأرسلوا رسائل تملّق، ووافقوا على زيادة الإنفاق الدفاعي بشكل حادّ حتى تتمكّن الولايات المتحدة من التركيز على التهديدات في أماكن أخرى، مثل الصين.


وباتت الولايات المتحدة تصف حلف "الناتو" الآن بأنه ليس من صنعها، بل نادٍ للأوروبيين. وحتى لو تراجع ترامب مؤقتاً، فإنّ تهديداته ضدّ الدنمارك، العضو في "الناتو"، بالاستيلاء على غرينلاند، مثّلت نقطة تحوّل حاسمة: فقد تبدّدت الثقة في قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن شريك أوروبي يتعرّض للهجوم، ولا شكّ أنّ بوتين قد لاحظ ذلك، وفق التقرير.


"دونالد، كفى!"


وفقاً لـ"وول ستريت جورنال"، تصدّر غلاف مجلة الإيكونوميست صورة لترامب عاري الصدر يمتطي دباً قطبياً هذا الأسبوع، في إشارة واضحة إلى بوتين وهو يمتطي حصاناً ليُظهر عضلاته المفتولة وتجاهله للحدود.


وتحت عنوان "دونالد، كفى!"، عرضت مجلة "دير شبيغل" الألمانية صورة لقادة أوروبا يرتدون زي المحاربين النورديين ويحملون السيوف. أسفل الصورة: "كيف يمكن لأوروبا أن تتصدّى لإمبريالية ترامب؟"


وفي كلّ عام، في الرابع من تموز/يوليو، تُقيم جمعية "ريبيلد" الوطنية، وهي جمعية صداقة دنماركية أميركية، أحد أكبر الاحتفالات خارج الولايات المتحدة، حيث تجمع ما يصل إلى 60 ألف ضيف لتناول الرنجة المخللة والاستمتاع بالموسيقى في تلال شمال الدنمارك، ومن بين المتحدّثين على مرّ السنين والت ديزني، ووالتر كرونكايت، ورونالد ريغان.


وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت مدينة آلبورغ المجاورة أنها ستسحب تمويلها الأساسي لاجتماع هذا العام ما لم يسحب المنظمون الدعوات الموجّهة إلى المسؤولين العسكريين والمدنيين الأميركيين، بمن فيهم السفير.


وقال رئيس الجمعية الملكية الدنماركية للسياسة الخارجية، يورغن بيش مادسن: "من المؤلم أن نرى علاقة عمرها أكثر من مئة عام تُختبر فجأة بهذه الطريقة"، وفقاً للتقرير.


وفي السياق عينه، قال رئيس الوزراء الدنماركي السابق أندرس فوغ راسموسن: "في الواقع، سلوك ترامب، يغذي القوى في أوروبا التي تجادل بأننا بحاجة إلى بديل للولايات المتحدة".

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12383928
Please fill the required field.