صحافة

"الغارديان": من بغداد إلى كاراكاس.. أفول التبرير وبروز الهيمنة الصريحة

"الغارديان": من بغداد إلى كاراكاس.. أفول التبرير وبروز الهيمنة الصريحة

افراسيانت - نسرين مالك - لم يقتصر هجوم ترامب على فنزويلا على خرق القواعد فحسب، بل أظهر أيضاً عدم وجود قواعد أصلاً. سنندم جميعاً على ذلك.


صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر مقال رأي يتناول تحوّل السياسة الأميركية من تبرير الهيمنة إلى ممارستها العارية، عبر مثال اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والسيطرة الأميركية على فنزويلا من دون أيّ غطاء قانوني أو أخلاقي أو حتى سردي.


أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:


الأمر لا يقتصر على التفاخر في البيت الأبيض. على القادة الذين يتردّدون في معارضة هذه الممارسات الإجرامية أن يتأمّلوا كيف سيبدو هذا السلوك في نظر بوتين وشي، وفي أعين قادة الإمارات العربية المتحدة.


لم يخطر ببالي يوماً أن أنظر إلى حرب العراق، وإلى الغزوات الأجنبية في إطار ما سُمّي عموماً بـ"الحرب على الإرهاب"، بشيء من الحنين؛ إلى زمن كانت فيه تُبذل محاولات جدية لتبرير التدخلات الأحادية والحروب غير الشرعية باسم الأمن العالمي، أو حتى بوصفها واجباً أخلاقياً يهدف إلى "تحرير نساء أفغانستان" أو "تحرير الشعب العراقي".


اليوم، ومع اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وسيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا، يكاد ينعدم أي جهد لتبرير هذا الانقلاب بمنطق يتجاوز المصالح الأميركية الصرفة. كما لا تظهر أي محاولات لاستطلاع آراء الهيئات التشريعية المحلية أو الدولية، أو الحلفاء، فضلاً عن الرأي العامّ. لقد ولّى الزمن الذي سعت فيه الولايات المتحدة إلى إقناع العالم بأنّ صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، رغم افتقارها آنذاك إلى أي معلومات استخباراتية موثوقة.


قال وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، إنّ مادورو "عبث واكتشف الحقيقة"، مضيفاً: "بإمكان أميركا فرض إرادتها في أيّ مكان وزمان". كما صرّح الرئيس دونالد ترامب بأنّ الولايات المتحدة ستتولّى الآن "إدارة" فنزويلا، قائلاً: "سيكون لنا وجود في فنزويلا فيما يتعلّق بالنفط".


لم يبذل الرئيس الأميركي أيّ جهد يُذكر لتبرير هذا الاستيلاء. ويُزعم أنّ مادورو مذنب بتهمة "الإرهاب المرتبط بالمخدرات"، إلى جانب تهم أخرى تشمل "التآمر لحيازة رشاشات وأجهزة تدميرية ضدّ الولايات المتحدة"، وهي اتهامات لا ترقى إلى مستوى الغزو والاختطاف، ويبدو أنّ ترامب نفسه لا يتعامل معها بجدية كاملة.


وقد صدر في المقابل عفو عن آخرين متهمين بجرائم مخدرات، من بينهم رئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، وكذلك روس أولبريشت ولاري هوفر، اللذان أُفرج عنهما من أحكام بالسجن المؤبّد بعد إدانتهما بتهم من بينها تهريب المخدرات.


يكمن جوهر المسألة، كما يتجلّى في المنشورات الانتصارية على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك مقاطع فيديو مرفقة بموسيقى الهيب هوب تُصوّر ترامب كزعيم عصابة، في نسف فكرة خضوع تصرّفات الولايات المتحدة لمبدأ الإجراءات القانونية الواجبة. إنّ انقلاب فنزويلا ليس استعراضاً لسيادة القانون، بل دليل على أنّ الولايات المتحدة ترى نفسها القانون بحدّ ذاته، غير الخاضع لأيّ سلطة أعلى. فهي قادرة على توظيف قوتها الهائلة والفتك في جنح الظلام، وقتل عشرات الأبرياء من دون أن تواجه أيّ تبعات، ناهيك عن أيّ مساءلة أو لوم.


وقد أثبتت ردود الفعل حتى الآن صحة ذلك. فهذه المشاهد والأفعال والتصريحات الاستثنائية باتت تُعامَل بوصفها أموراً عادية، بفعل تلك المواقف الباهتة والمتردّدة التي اعتدنا سماعها. وقد انخرط عدد كبير من السياسيين ورؤساء الدول في هذا النوع من التصريحات الضعيفة والمتناقضة، التي يلجأون إليها حين تصطدم دبلوماسيتهم بحقيقة أنّ حلفاءهم فقدوا صوابهم. يقول كير ستارمر إنّ الوضع "يتطوّر بسرعة" وإنه "سيتحقّق من جميع الحقائق"، تماماً كما تُعرَض "الحقائق" أمام مادورو في بروكلين. أما رئيسة المفوّضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، فتؤكّد أنها "تتابع الوضع في فنزويلا عن كثب… وأنّ أيّ حلّ يجب أن يحترم القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة". وتطمئننا كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بأنّ الاتحاد "يراقب الوضع عن كثب"، شأنه شأن الحكومة الأسترالية وغيرها.


وما سيُذكَّر به الرأي العام مراراً وتكراراً، حالما لا تبقى "حقائق" إضافية للتحقّق منها أو "تطوّرات" لمتابعتها، هو أنّ مادورو كان رجلاً سيئاً للغاية. وحتى حين يجري تأكيد أهمية القانون الدولي، فإنّ ذلك يأتي مقروناً بإدانة مادورو. وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، تتقدّم هذه الحملة دائماً بهذا المنطق المثالي. ففي النقطة الأولى، كما غرّدت ، قالت: "رفضت المملكة المتحدة باستمرار شرعيّة نيكولاس مادورو، ودعت إلى انتقال سلمي للسلطة في فنزويلا". وأضافت في النقطة الثانية: "كما أوضح رئيس الوزراء، نحن ندعم القانون الدولي، ويجب أن ينصبّ تركيزنا الجماعي الآن على تحقيق انتقال سلمي إلى حكومة ديمقراطية". واللافت هنا غياب أيّ اعتراف بوقوع انتهاك للقانون الدولي، أو بتحديد الجهة التي انتهكته، لصالح الاكتفاء بإعلان تأييده، من دون أيّ ضمانات عملية لتطبيقه.


الخلاصة أننا مقبلون على عام حاسم. فالواقعة الفنزويلية ستقوّض ما تبقّى من تظاهر بوجود إرادة حقيقية للدفاع عن المعايير التي يفترض أن تُرسّخ الأمن العالمي، وعن ذلك الاعتقاد بوجود عواقب، مادية أو سياسية أو اجتماعية، تردع الاستيلاء على الأراضي أو ضمّها أو تغيير الأنظمة. العالم مهيّأ لمثل هذه اللحظة. الشرق الأوسط بؤرة توتر دائمة، تتحوّل إلى ساحة تنافس بين دول الخليج الصاعدة، وتزداد اضطراباً بفعل الولايات المتحدة و"إسرائيل" المنفلتتين. ويتجلّى ذلك بوضوح في فلسطين وسوريا ولبنان.


قد يبدو هذا الحدث مجرّد ومضة عابرة في خريطة الأخبار، غير أنّ السعودية والإمارات، وهما حليفان قويان كانا وثيقين في السابق، وتتعاظم طموحاتهما الإقليمية، تواجهان الآن وضعاً متوتراً على خلفيّة اليمن، والأطراف التي يدعمها كلّ منهما في الصراع الدائر هناك. ويشكّل تصعيد الخطاب والعمل العسكري، ولا سيما الهجوم السعودي على شحنة من المركبات القتالية الإماراتية المتجهة إلى اليمن، بدعوى تعريض الأمن القومي السعودي للخطر، جبهة غير مسبوقة في الخليج.


وقد أسهم الدور الإمبريالي الجديد والمثير للجدل الذي تضطلع به الإمارات في المنطقة وخارجها، ولا سيما في الحرب الوحشية الجارية في السودان، في تأجيج هذه الفوضى، لتضاف بذلك إلى قائمة الدول التي لا تواجه أيّ عواقب تُذكر. وعلى الضفة الأخرى من الخليج، دخلت الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثاني، وقد استحوذت بالفعل على اهتمام ترامب، الذي هدّد بشنّ مزيد من الضربات، ما يجعل احتمال تغيير النظام هناك بقيادة الولايات المتحدة أمراً مطروحاً مجدّداً. ويضاف إلى ذلك تهديد ترامب بضمّ غرينلاند، في مشهد يعكس اتساع هذا المنحى وخطورته.


نقلته إلى العربية: الميادين نت.
•    المصدر: صحيفة "الغارديان" البريطانية 

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12389917
Please fill the required field.