رأي

فاتورة هرمز.. هل خسر ترمب حدسه؟

فاتورة هرمز.. هل خسر ترمب حدسه؟

افراسيانت - حسن جلعاد - في 23 أغسطس/آب 1864، جلس الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن في البيت الأبيض وكتب ما يشبه اعترافا مبكرا بالهزيمة. كانت الحرب الأهلية قد دخلت عامها الرابع، وحصار بطرسبورغ يطول، وجيش الجنرال وليام شيرمان يتقدم ببطء نحو أتلانتا، فيما تتراكم أخبار القتلى ويتراجع صبر الأمريكيين.


كتب لينكولن: "يبدو من المرجح جدا أن هذه الإدارة لن يعاد انتخابها"، ثم طوى الورقة وألصقها بحيث لا يمكن قراءة ما فيها، وطلب من أعضاء حكومته أن يوقعوا على ظهرها. وقّعوا جميعا على نص لم يعرفوا مضمونه.


بعد عشرة أيام تقريبا، سقطت أتلانتا.


غيّر انتصار الجنرال الاتحادي شيرمان مسار الحرب، وغيّر معه مزاج البلاد. بدا فجأة أن الحرب التي أنهكت الأمريكيين يمكن أن تنتهي، وأن الدم الذي أريق طوال أربعة أعوام يقود إلى نتيجة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني عاد الرجل الذي كان يتوقع هزيمته إلى البيت الأبيض منتصرا على منافسه الديمقراطي الجنرال السابق جورج ماكليلان.


تختصر تلك الحكاية علاقة قديمة بين الحرب والسياسة، حيث المدافع تطلق النار في اتجاهين. فالقذيفة التي تسقط في أرض العدو يحدث دويها أيضا في الداخل، وقد تقطع آلاف الأميال قبل أن تستقر في صندوق الاقتراع. حدث ذلك مع لينكولن حين وصل خبر أتلانتا إلى الناخب الأمريكي محمولا على وعد بالنصر، ويحدث في الحروب الحديثة بطريقة أكثر تعقيدا؛ فقد يصل الخبر إلى المواطن في سعر الوقود والطعام والفائدة، وفي قدرته على دفع إيجار بيته آخر الشهر.


وهذه، على الأرجح، هي المسافة التي ينبغي النظر منها إلى حرب الرئيس دونالد ترمب مع إيران، فقد امتلك ترمب، وسط كل ما يحيط بشخصيته من صخب وتناقض، حاسة سياسية نادرة تجاه التحولات العميقة في المجتمع الأمريكي، فقد أدرك قبل المؤسسة الجمهورية التقليدية أن أمريكا تعبت من دورها الإمبراطوري، وأن ناخبا في ميشيغان أو أوهايو لم يعد يفهم لماذا تدفع بلاده ثمن أمن أوروبا، وتحارب عشرين عاما في أفغانستان، وتنفق تريليونات الدولارات في العراق، بينما يغلق المصنع القريب من بيته أبوابه.


"يمكن لترمب أن يقدم كشف حساب عسكريا مختلفا، فثمة منشآت دمرت، وقدرات إيرانية ضُربت، وتهديدات جرى تحييدها. غير أن للحروب دفتر حساب آخر لا يكتبه الجنرالات، ويظهر الآن في الداخل الأمريكي"

________________

 

لغة الربح


صاغ ترمب هذا التعب بلغة التاجر، فالعالم عنده دفتر حسابات: من دفع؟ ومن استفاد؟ كم تكلفنا هذه الحرب؟ ماذا يعطينا الحلفاء مقابل ما نعطيهم؟ ولماذا يحمي الجندي الأمريكي حدود الآخرين؟


وكانت "أمريكا أولا" الصيغة السياسية لذلك الدفتر.


لهذا حمل وصول ترمب إلى البيت الأبيض مفارقة كبيرة منذ البداية. رجل لم يكن انعزاليا بالمعنى التاريخي الصارم، لكنه بنى جانبا مهما من شرعيته على رفض الحروب المفتوحة التي خاضتها المؤسسة الأمريكية، كما وعد بإخراج بلاده من الصفقات السيئة التي تدفع فيها الدم والمال ولا تحصل، وفق منطقه، على عائد يبرر الكلفة.


ثم جاءت إيران، ووجد الرئيس الذي ازدرى حروب أسلافه نفسه داخل حرب شرق أوسطية جديدة دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طويلا في اتجاهها، ولعله يصح أن تسمى حرب إيران، بأنها "حرب بيبي".


ففي استطلاع لمركز بيو في مارس/آذار، قال 59% من الأمريكيين إن استخدام القوة ضد إيران كان قرارا خاطئا، وعارض 61% طريقة إدارة ترمب للصراع. وبعد نحو ستة أسابيع ظلت نسبة الذين يرون قرار الحرب خاطئا عند 59%، وارتفعت نسبة الرافضين لإدارة ترمب لها إلى 62%.


لكن الاستطلاعات لا تفسر وحدها كيف تتحول حرب بعيدة إلى قضية داخلية. هذا التفسير موجود في مكان أكثر بساطة، إنها محطة البنزين.


الفاتورة والتضحية الوطنية


أدى الصراع وإغلاق مضيق هرمز عمليًا إلى خنق ممر كان يعبر منه نحو خُمس النفط العالمي، ووصل متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة إلى 4.08 دولارات، بزيادة تقارب 29% على أساس سنوي. وفي 14 أغسطس/آب، وجد ترمب نفسه يطلب من الأمريكيين تقبل ارتفاع أسعار الوقود بوصفه تضحية وطنية.
يصعب تخيل صورة أكثر مفارقة لرئيس صنع لغته السياسية من السؤال عن الفاتورة.


المشكلة بالنسبة لترمب أن الحرب لا تصل إلى الناخب الأمريكي في هيئة صاروخ إيراني؛ وإنما تصل إليه رقما مضيئا فوق محطة البنزين. وتصل إليه حين يشتري الطعام، وحين يحسب قسط البيت، وحين يكتشف أن دخله لم يعد يشتري ما كان يشتريه قبل عام. وقد سجل مؤشر ثقة المستهلك في أغسطس/آب تراجعا واضحا، مع ضغوط متزايدة من أسعار الوقود والغذاء التي فاقمتها الحرب، وامتد التراجع إلى الجمهوريين أنفسهم.


هنا تصبح أتلانتا عام 1864 أكثر من حكاية جميلة في مطلع مقال. لقد وصل النصر إلى ناخب لينكولن بوصفه وعدا بقرب نهاية حرب مكلفة، بينما يصل هرمز إلى ناخب ترمب بوصفه فاتورة لحرب لا يعرف متى تنتهي.


وفي الخلفية يحدث تحول آخر في السياسة الأمريكية يستحق أن يقرأ ضمن الصورة نفسها، ففي نيويورك صعد الديمقراطي زهران ممداني، وفي ميشيغان فاز عبد الرحمن "عبدول" السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ.


وسيكون من السهل، والخاطئ في الوقت ذاته، اعتبار انتصارهما استفتاء على إسرائيل أو فلسطين، فحملاتهما قامت بدرجة كبيرة على قضايا القدرة على تحمل تكاليف الحياة، والسكن والصحة والطبقة الوسطى، وهي القضايا التي تزداد ثقلا كلما شعر الأمريكي أن السياسة الخارجية بدأت تسحب المال من جيبه.


لكن في تجربة السيد تحديدا علامة أخرى يصعب تجاهلها، فقد دخلت منظمة أيباك (AIPAC) والجماعات المرتبطة بها انتخابات ميشيغان بقوة مالية غير مسبوقة، وأنفقت قرابة 60 مليون دولار لدعم منافسته هيلي ستيفنز، وهو أكبر استثمار لها في سباق انتخابي واحد، بينما تجاوز الإنفاق الخارجي المؤيد لستيفنز خمسين مليون دولار قبل الاقتراع. ومع ذلك فاز السيد، بفارق ضئيل، بعد سباق بقي معلقا ساعات طويلة.


لا تخبرنا هذه النتيجة أن ناخبي ميشيغان صوتوا ضد إسرائيل، ولا ينبغي تحميل صندوق الاقتراع اعترافا لم يدل به، ولكنها تخبرنا بشيء أدق، وهو أن الموقف الناقد لإسرائيل لم يعد بالضرورة حكما بالإعدام السياسي على صاحبه، والآلة المالية الهائلة القادرة على جعل هذا الموقف مكلفا لم تعد تضمن النتيجة التي تريدها.


"ترمب لم يتعامل مع فوز السيد بوصفه هزيمة. على العكس، رأى فيه فرصة للجمهوريين، واستثمر صورة المرشح التقدمي المسلم في معركته السياسية، مستخدما اسمه الكامل وخطابه ومواقفه ليقدمه نموذجا لأمريكا التي يقول لأنصاره إن خصومهم يريدونها"

________________


التابو يتصدع


التابو بدأ يتصدع عند المال قبل أن نستطيع الجزم بأنه انكسر في صندوق الاقتراع. وهذه مسألة أعمق من فوز مرشح أو خسارته. فقد قامت قوة إسرائيل في علاقتها بالولايات المتحدة طويلًا على ركيزتين متداخلتين وهما تفوق عسكري يحمي موقعها في الشرق الأوسط، وحصانة سياسية تحمي صورتها في الداخل الأمريكي. وتقاس الأولى بالطائرات والصواريخ وأنظمة الدفاع.


أما الثانية فتعيش في المخيلة السياسية، وفي الكونغرس والإعلام والجامعات والمانحين وصندوق الاقتراع. وحين تبدأ هذه المخيلة بالتغير، تصبح استعادتها أصعب من تعويض طائرة سقطت أو صاروخ نفد من المخازن.


ترمب نفسه لم يتعامل مع فوز السيد بوصفه هزيمة. على العكس، رأى فيه فرصة للجمهوريين، واستثمر صورة المرشح التقدمي المسلم في معركته السياسية، مستخدما اسمه الكامل وخطابه ومواقفه ليقدمه نموذجا لأمريكا التي يقول لأنصاره إن خصومهم يريدونها. وفي الأيام التالية صعّد هجومه، فيما رد السيد بأنهما يمثلان بالفعل رؤيتين مختلفتين لأمريكا.


لكن المسألة تتجاوز الرجلين، فترمب بارع في صناعة الخصم وتحويله إلى فزّاعة انتخابية، وقد ينجح مرة أخرى. والسيد نفسه لم يفز إلا بفارق ضيق، ولا يزال أمام اختبار أصعب في الانتخابات العامة. الدلالة الأهم تقع في البيئة التي أصبح فيها مثل هذا المرشح ممكنا، وفي أمريكا التي باتت تناقش أشياء كان النقاش فيها قبل عقد أو عقدين أكثر كلفة.


وهنا تلتقي الحرب بالاقتصاد، وتتداخل إسرائيل مع السياسة الداخلية، فنتنياهو ينظر إلى إيران من داخل تاريخ إسرائيلي طويل من الصراع على الأمن والتفوق الإقليمي، بينما يفترض أن ينظر ترمب إليها بعين الرجل الذي أقنع الأمريكيين بأنه لن يدفع فواتير الآخرين. وقد يكون حقق في الحرب أهدافا عسكرية يعتد بها، لكن نجاح الحرب في الميدان لا يضمن نجاحها في المخيلة السياسية، إذ أحيانا يبدأ ثمن النصر لحظة إعلان النصر نفسه.


"المشكلة بالنسبة لترمب أن الحرب لا تصل إلى الناخب الأمريكي في هيئة صاروخ إيراني؛ وإنما تصل إليه رقما مضيئا فوق محطة البنزين"

________________


ترمب وغضب الأمريكيين


فهم ترمب قبل كثيرين غضب الأمريكيين من العولمة، وشكهم في المؤسسات، وتعبهم من الحروب، وخوف الطبقة الوسطى من المستقبل. وفهم أن أمريكا التي انتصرت في الحرب الباردة لم تعد متأكدة من رغبتها في الاستمرار بإدارة العالم، وبنى من هذا الفهم حركة سياسية أعادته إلى البيت الأبيض.


ثم خاض حربا أعادت فاتورة العالم إلى الأمريكي.


في عام 1864 وصلت أتلانتا إلى صندوق الاقتراع وأنقذت لينكولن. وفي عام 2026 يصل مضيق هرمز إلى الأمريكي على شاشة محطة الوقود، فيما تتحرك في نيويورك وميشيغان سياسة جديدة لم تتضح حدودها بعد، لكنها أصبحت قادرة على تحدي أموال ضخمة ومحرمات قديمة.


ربما ينتصر ترمب عليها أيضا، فقد أثبت أكثر من مرة أن الذين يعلنون نهاية ظاهرة ترمب يتعجلون كتابة النعوات السياسية.


وفي الخطاب الذي طلب فيه من الأمريكيين تقبل سعر البنزين، قال ترمب إنه سيعلن قريبا مضيق هرمز أرضا أمريكية، فالرجل الذي سأل "لماذا يحمي الجندي الأمريكي حدود الآخرين؟"، انتهى به الحال إلى ضم ممر مائي في الخليج العربي إلى خريطة بلاده.


لكن الرجل الذي عاش طويلا على قدرته في شم اتجاه السوق قبل الآخرين يعرف قاعدة التجار القديمة: السوق لا تكترث بما كنت تعرفه عنها بالأمس.


وفي حرب إيران، يبدو أن حدسه قد خانه. 

________________

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12599952
Please fill the required field.