افراسيانت - مريم مشتاوي - لم يكن الجرار في الأصل بيتاً. لم يخلق ليحتضن وجوهاً، ولا ليصغي إلى بكاء مكتوم، ولا ليشهد على أعمار تستنزف دفعة واحدة. الجرار ولد ليحرث الأرض، لا ليصير أرضاً بديلة.
لكن الحرب، حين تصرّ على إعادة تعريف الأشياء، تجعل الحديد سقفاً، والمحراث سريراً، والفراغ وطناً مؤقتاً.
في جنوب غزة، عند مواصي خان يونس، جلست عائلة فلسطينية داخل جرار زراعي. لم يجلسوا، إنما انكمشوا. لم يسكنوا… احتموا هناك بما تبقى من فكرة المكان.
قالوا: لقينا جرار قعدنا فيه… وكأن ذلك المكان عجيبة جديدة للبقاء.
داخل الجرار، لا يتسع الجسد لوضعه الطبيعي. الجلوس هنا تنازل عن الظهر، عن الركبتين، عن المسافة بين شخص وآخر. كل شيء قريب أكثر مما ينبغي، وكل شيء بعيد أكثر مما يحتمل.
الهواء ثقيل، والضوء شحيح، والوقت بلا نوافذ.
فاطمة أبو سعادة، امرأة فلسطينية نازحة، وجهها يحمل أعماراً إضافية لم تعشها زمنياً، لكنها حملتها فقداً. تقول وهي تتألم: جرفوا دورنا…
الجرّار لم يكن الخيار الأول.
هكذا بحثت العائلة عن خيمة…الخيمة لم تتوفر. اضطرت والاضطرار في الحرب ليس قراراً، إنما انزلاقاً صامتاً نحو الأسوأ.
داخل الجرار، تجلس المرأة العجوز على ما يشبه سريراً مرتجلاً. غطاء قديم، زجاجات ماء فارغة، بقايا قماش، وذاكرة تحاول أن تتماسك.
حتى الضيق هنا له حدود، والجرار تجاوزها. تتحدث عن أبنائها… تتحدث عن الخسارة… ثم تتوقف… تتوقف لأن الأرقام، حين تتعلق بالأبناء، تحتاج شهيقاً أطول من المعتاد.
ثم تقول: مكفّينا أولادنا اللي خسرناهم…
الخسارة هنا ليست ذكرى…هي حضور يومي… تجلس معهم… تنام في الجرّار… تستيقظ قبلهم لتعيد ترتيب الصمت كل صباح…
حين تغلق عينيها، لا تفعل ذلك هرباً من الكاميرا، إنما هرباً من صورة أخرى…صورة أبنائها.
إنهم ثلاثة. لقد خسرت ثلاثة أولاد…
ثم تسحب شالها على وجهها، كأنها تحاول أن تغطي نزف قلبها. في الجرّار، لا يسمح بالبكاء الطويل.
المساحة لا تحتمل الانهيار الكامل. والدمعة يجب أن تكون سريعة، مختصرة، مؤدبة.
حتى الحزن هنا مضغوط. المرأة لا تطلب الكثير… تطلب فقط العودة:
إحنا بدنا نروح على دورنا… على مطرحنا
المطرح… تلك الكلمة التي تختصر كل شيء. فالجرار لا يعرفهم…لا يحفظ أسماءهم… لا يحمل رائحة طفولتهم… هو مكان استعارة، لا انتماء. ومع ذلك، صار مأوى.
وهؤلاء قبلوا بالجرّار لأن البديل كان العراء…قبلوا به لأن السماء لم تعد محايدة.
المرأة تبتسم في لحظة ما. ابتسامة قصيرة، مربكة، كأنها اعتذار عن الحزن. تبتسم لأن الكاميرا هناك، ولأنها تعلم أن أحداً ما سيرى.
ذلك الوجع لا يختصره الجرّار… إنه وجع اللحظة التي يعاد فيها تعريف السكن. اللحظة التي تصبح فيها النجاة فعلاً يومياً، لا بطولة. عن تلك اللحظة التي تمثل امرأة فقدت أبناءها وما زالت ترغب بالعودة إلى دارها.
في مواصي خان يونس، يعيش الناس داخل أدواتهم…داخل ما تبقى… داخل اللغة… والجرار، الذي كان يوماً يحرث الأرض، صار الآن شاهداً على أرض تحرث بالغياب.
حين تهمس تهدف الأمومة
لا تبدو الحرب معركة بين جيوش، إنما فعل مقصود ضد البدايات. أمّ تحمل طفلاً ملفوفاً بقماش أبيض… امرأة تخرج من بين الركام، لا تبحث عن مكان آمن لتلد. مستشفى ولادة بلا سقف، سرير حديدي بلا كهرباء، ويد قابلة ترتجف… في غزة، لا تقتل الأجساد فقط، إنما يطارد المستقبل وهو في مهده.
الأم تبكي وهي واقفة، تبكي وهي تمشي، تبكي وهي تحاول أن تتذكر تعليمات الولادة في خيمة بلا ماء، بلا تعقيم، بلا ضوء. تبكي لأن جسدها صار ساحة حرب، ولأن رحمها صار متهماً فقط لأنه قادر على الاستمرار. في غزة، لم تعد الأمومة فعل حب بل صارت مقاومة بيولوجية، وصار الحمل قراراً شجاعاً بالمجيء إلى عالم لا يريدك.
مستشفيات الولادة المدمرة رسائل واضحة تقول إن الهدف ليس اللحظة الراهنة وحدها، إنما ما بعدها. حين تقصف غرفة ولادة، ينهار معنى الأمان نفسه، وتنهار الإنسانية بكل معانيها..
في غزة أمهات يلدن قبل أوانهن، أجساداً صغيرة لم تكتمل، وأنفاساً تتعلّم الهواء تحت القصف. نرى أطفالاً يولدون وهم يحملون على صدورهم تاريخ حصار كامل. أما الأمهات، فيتعلّمن كيف يعتذرن من أطفالهن قبل أن يكبروا… يعتذرن لأن العالم خذلهن، لأن الحليب قد ينقص، لأن الدواء غير موجود، لأن الخيمة ليست مكاناً للولادة، ومع ذلك تحدث الولادة.
في غزة نساء سجينات… نظام صحي منهار. كل منهن تنتظر دورها للفحص، تنتظر اسمها، تنتظر أن يقول لها أحد إن كل شيء سيكون على ما يرام، ولا أحد يلتفت نحوها.
الاستهداف في غزة لا يمرّ من القنابل وحدها، إنما من انقطاع الكهرباء، من نقص الأدوية، من إغلاق الطرق، من تأخير الإسعاف، من جعل الولادة مخاطرة إضافية في حياة مليئة بالمخاطر. كل لحظة تمر تقول إن الحرب ليست حدثاً عابراً… إنها نظام ، سياسة، وخطة طويلة النفس لتقليص القدرة على البقاء. ومع ذلك، تستمر الولادات. وهذا هو الفشل الحقيقي للحرب… إن الحياة، رغم كل شيء، تجد ثغرة. امرأة تلد في خيمة وتسمّي طفلها اسماً يدل على الصمود، قابلة تعمل بلا أدوات وتنجح، وأم تفقد طفلاً ثم تعود لتحتضن طفلاً آخر لم يولد بعد.
غزة لا تطلب تعاطفا،ً تطلب ذاكرة، وتطلب عدالة لغوية على الأقل، أن نقول الأشياء بأسمائها، وأن نفهم أن استهداف الأمهات ليس صدفة، وأن تدمير مستشفيات الولادة ليس خطأ. حين تستهدف الأمومة، يستهدف الزمن القادم، وحين تصر الأمهات على الولادة، يكتب فصل جديد من التحدي الإنساني. هذه الصور ليست عن الألم فقط، بل عن عناد الحياة، عن أجساد تعرف أنها مستهدفة، ومع ذلك تختار الاستمرار، وفي هذا الاختيار كل الإجابة.

