محاولة الانفكاك من الدولار لم تحدث من فراغ، بل نتيجة مباشرة ومحتمة للسياسات الأمريكية المتعاقبة التي أضرت بموثوقية عملتها
من "بريكس" إلى الذهب.. رحلة فك الارتباط التي تُعيد رسم موازين القوى الاقتصادية
افراسيانت - مصطفى يوسف - تشهد الساحة الدولية في اللحظة الراهنة تحولات جيوستراتيجية واقتصادية متسارعة، تعلن بوضوح عن تراجع واضح في منسوب الثقة العالمية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري أو الإستراتيجي والسياسي. هذا التراجع ليس مجرد تذبذب مؤقت في موازين القوى، بل هو صدع هيكلي ينذر ببداية النهاية لحقبة استمرت لعقود.
إن العلامة الفارقة والأكثر سطوعا في هذا المشهد تتمثل في الاندفاع العالمي المحموم نحو الذهب كملاذ آمن للسيادة، والتملص التدريجي والمدروس من ربقة الدولار الأمريكي، سواء كمخزن للقيمة، أو عملة احتياط إستراتيجية، أو وسيط حتمي في المبادلات التجارية العالمية.
البنوك المركزية، وكبار المستثمرين، ومراكز صنع القرار في العالم، باتت تبتعد شيئا فشيئا عن المظلة الأمريكية، مدفوعة بهاجس حماية استقلاليتها من تقلبات ومزاجية السياسة في واشنطن.
"لكي نفهم حجم ومآلات هذا التحول، يجب أن ننظر إلى حركة التاريخ بوعي. إن ما يشهده الدولار اليوم يشبه إلى حد بعيد ما تعرض له الجنيه الإسترليني قبل الحرب العالمية الثانية وقبل توقيع اتفاقية بريتون وودز في عام 1944"
________________
بريكس.. من الرومانسية الاقتصادية إلى الواقعية النقدية
في هذا السياق المعقد، تبرز مجموعة "بريكس" كرأس حربة في هندسة النظام المالي البديل. لقد تجاوزت هذه الدول مرحلة الرومانسية الاقتصادية الحالمة لتنتقل إلى تبني واقعية نقدية وتقنية صارمة.
إن هذه المجموعة، التي تستحوذ مجتمعة على ما يقارب 40% من إجمالي الناتج العالمي، وتمثل الثقل الأكبر في مسألة التصنيع والمواد الخام الأولية حول العالم، لم تعد تكتفي بالتنديد بالهيمنة الغربية، بل بدأت في اتخاذ خطوات عملية لفك الارتباط.
دول أساسية ومؤسسة مثل الهند، على سبيل المثال، تسعى ببراغماتية عالية لحماية استقلاليتها الإستراتيجية داخل التكتل؛ فهي ترفض استبدال هيمنة الدولار بهيمنة اليوان الصيني، مفضلة بدلا من ذلك ترقية استخدام عملاتها الرقمية، كالروبية الرقمية (e-Rupee)، لتعزيز موازين التجارة البينية بين دول المجموعة.
تجاوز نظام سويفت.. تأسيس البنية التحتية الرقمية البديلة
لم يعد الأمر يقتصر على النوايا السياسية، بل تُرجم إلى مأسسة تقنية تتجاوز الشبكات المالية التقليدية الخاضعة للرقابة الغربية. فمنذ قمة ريو دي جانيرو في عام 2025، تتراكم نتائج التبادل البيني وتتكامل الجهود نحو بناء بنية تحتية رقمية رائدة تكسب مساحات جديدة يوما بعد يوم.
يتم الآن العمل بكثافة على ربط دفاتر الحسابات الموزعة مباشرة بين البنوك المركزية لدول بريكس، متجاوزين بذلك شبكة "سويفت" الغربية والوسيط الثالث الذي طالما أرجع كل المعاملات قسرا إلى الدولار الأمريكي. هذا التحول التقني العميق لا يوفر فقط الاستقلالية والسرية، بل يحقق وفورات مالية هائلة تتجاوز 70% من كلفة المعاملات، ويقلص زمن تنفيذها من عدة ساعات أو أيام إلى ثوان معدودة.
وبدلا من السعي المتعثر نحو إصدار عملة موحدة على غرار اليورو -والذي يصطدم بعقبات فنية وتعقيدات عجز الموازنات السيادية- اختارت دول بريكس بذكاء بناء منصة رقمية مشفرة ومرتبطة ببنوكها المركزية لتسهيل هذا التبادل وتجنب الرسوم العقابية.
"بدلا من المخاطرة بالثروات السيادية والخاصة في أسواق مهددة بالانكماش المالي وتراجع الموثوقية، يجب أن تنصب إستراتيجيتنا الاستثمارية على هدف أسمى وأكثر استدامة: استجلاب المعرفة ونقل التكنولوجيا"
________________
سلاح العقوبات وعبء الديون.. عوامل طرد لا تخطئها العين
إن محاولة الانفكاك هذه من الدولار لم تحدث من فراغ، بل نتيجة مباشرة ومحتمة للسياسات الأمريكية المتعاقبة التي أضرت بموثوقية عملتها. فقد أدى الإسراف الشديد من قبل الإدارات الأمريكية المتلاحقة، سواء في عهد بايدن أو ترمب، في استخدام العقوبات وتجميد الأرصدة كسلاح جيوسياسي، إلى إثارة قلق حقيقي لدى العديد من الحكومات حول العالم.
يضاف إلى ذلك أن عبء الديون الأمريكية -الذي تجاوز حاجز 40 تريليون دولار كعجز مالي- بات يقف كشبح يهدد الاستقرار المالي العالمي، مما دفع الدول إلى البحث الجاد عن بدائل تحمي ثرواتها من الانهيار المحتمل. كما أن التكلفة العالية للمعاملات عبر المؤسسات والبنوك الأمريكية، التي تستفيد بشكل احتكاري من نظام سويفت، أضافت سببا اقتصاديا جوهريا لتسريع هذه الهجرة المالية.
التاريخ يعيد نفسه.. والدولار ليس استثناء
لكي نفهم حجم ومآلات هذا التحول، يجب أن ننظر إلى حركة التاريخ بوعي. إن ما يشهده الدولار اليوم يشبه إلى حد بعيد ما تعرض له الجنيه الإسترليني قبل الحرب العالمية الثانية وقبل توقيع اتفاقية بريتون وودز في عام 1944.
لقد كان الجنيه الإسترليني حينها مهيمنا تماما على التجارة العالمية، قبل أن يتآكل نفوذه ويفقد مكانته لصالح الدولار. وعلى المدى القصير، سيبقى الدولار محتفظا بأهميته ومرجعيته الحالية، لكنه بلا شك سيشهد تراجعا تدريجيا في هيمنته، ليتحول مع مرور الوقت إلى مجرد خيار واحد من بين خيارات أخرى متعددة في سلة التعاملات الدولية، ولن يبقى المرجعية الوحيدة، خاصة مع الدول المنتجة للسلع الأساسية والمواد الخام كالنفط والغاز.
الرساميل والاستثمارات العربية
في ظل هذه القراءة الدقيقة للمشهد العالمي وتآكل الثقة، يجب على المستثمرين وصناع القرار الاقتصادي في دولنا الانتباه إلى هذه التحولات. إن الاندفاع غير المحسوب نحو ضخ الاستثمارات وشراء السندات وتكديس الأصول التقليدية داخل الولايات المتحدة في هذه المرحلة يعد مخاطرة تحتاج للتفكير.
فالبيئة الاقتصادية والسياسية الأمريكية باتت تعاني من تصدعات تجعل من الاعتماد عليها كسلة وحيدة للاستثمارات أمرا يفتقر إلى الحصافة، فالمنظومة تتغير، وقواعد اللعبة تُكتب من جديد بعيدا عن وول ستريت. ومع ذلك، وبنظرة براغماتية بحتة، يجب أن نستثني قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والابتكار التقني داخل أمريكا؛ فهذه قطاعات لا تزال تحتفظ ببريقها وضرورتها الإستراتيجية، وتمثل القاطرة التي تقود المستقبل البشري حاليا.
"الاستثمار الحقيقي والذكي اليوم يكمن في ربط أي تدفق لرؤوس أموالنا نحو الخارج باشتراطات صارمة تُجبر الشركات العالمية، التقنية والصناعية، على افتتاح فروع إقليمية، وتأسيس شركات مشتركة، وبناء مراكز بحث وتطوير حقيقية داخل بلداننا"
________________
توطين المعرفة.. صناعة المستقبل بأيد محلية
بدلا من المخاطرة بالثروات السيادية والخاصة في أسواق مهددة بالانكماش المالي وتراجع الموثوقية، يجب أن تنصب إستراتيجيتنا الاستثمارية على هدف أسمى وأكثر استدامة: استجلاب المعرفة ونقل التكنولوجيا (Know-How) إلى قلب دولنا.
فالاستثمار الحقيقي والذكي اليوم يكمن في ربط أي تدفق لرؤوس أموالنا نحو الخارج باشتراطات صارمة تُجبر الشركات العالمية، التقنية والصناعية، على افتتاح فروع إقليمية، وتأسيس شركات مشتركة، وبناء مراكز بحث وتطوير حقيقية داخل بلداننا.
يجب أن نتحول من مجرد مستهلكين للتقنية وممولين لعجز الغرب، إلى شركاء فعليين في الإنتاج. فبناء قدراتنا الذاتية، وتوطين الصناعات المتقدمة، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، هو الدرع الوحيد الذي سيحمي اقتصاداتنا في عالم متعدد الأقطاب يتشكل الآن بقسوة بالغة.
السؤال الذي لا يحتمل التأجيل
الصورة باتت واضحة لمن يمتلك البصيرة، فالعالم لا ينتظر من يتأخر في القراءة. النظام المالي الذي حكم القرن الماضي يتصدع بهدوء أمام أعيننا، وبينما تتسابق القوى الكبرى والصاعدة على تثبيت مواقعها في النظام البديل، يبقى السؤال الأخطر معلقا أمام صناع القرار في عالمنا العربي: هل سنكتفي بموقع المتفرج الذي يراقب إعادة توزيع الثروة والنفوذ العالميين، أم سنتحرك اليوم -قبل الغد- لنحول فوائض أموالنا إلى معرفة راسخة وصناعة وطنية قادرة على الصمود في عالم متعدد الأقطاب؟
التاريخ لا يمنح فرصة ثانية لمن يتأخر عن اللحظة، والدرس الذي قدمه أفول الجنيه الإسترليني لا يزال قائما: القوة الاقتصادية الحقيقية لا تُشترى بالسندات، بل تُبنى بالمعرفة والإنتاج والاستقلالية. فمن يمتلك اليوم الجرأة على طرح هذا السؤال بصدق، هو نفسه من سيمتلك غدا مقود التوجيه نحو الإجابة الصحيحة.
________________
مصطفى يوسف - باحث في الاقتصاد السياسي، ومدير المركز الدولي للدارسات
