ملفات خاصة

خطط جديدة.. هكذا يمزق الاحتلال الجغرافيا شمالي الضفة

خطط جديدة.. هكذا يمزق الاحتلال الجغرافيا شمالي الضفة

تركيب منشآت استيطانية في مستوطنة صانور قرب جنين


افراسيانت - عاطف دغلس - تشير المعطيات على الأرض إلى أن الاحتلال الإسرائيلي ماض في تصعيد الاستيطان شمال الضفة الغربية، إضافة إلى توسيع العمليات العسكرية فيها، لا سيما في مخيمات اللاجئين، وكل ذلك هدفه فرض مزيد من السيطرة على المنطقة، وحصر مئات آلاف الفلسطينيين داخل معازل وكانتونات وتقطيع أواصر التواصل فيما بينهم، وفق تقارير فلسطينية وإسرائيلية.


ووفق معطيات المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، فإن سلطات الاحتلال تدفع بمشاريع استيطانية جديدة تهدف لتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي في شمالي الضفة الغربية، عبر مخططات إنشاء وتطوير 18 مستوطنة جديدة، مستهدفة آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين.


ولم تكتفِ حكومة الاحتلال بتجديد 4 مستوطنات تم إخلاؤها عام 2005 بخطة أحادية الجانب نفذتها حكومة أرييل شارون، بل أضافت إليها 14 أخرى، مستهدفة منطقة يقطنها أكثر من 720 ألف فلسطيني، وفق تقرير آخر لصحيفة هآرتس الإسرائيلية. 


معازل وطرق استيطانية


من أبرز المخططات الحديثة إنشاء مدينتين استيطانيتين، هما "يحنيت" على أراضي بلدة عرابة في محافظة جنين، و"روش هعاين مزرحيت" المخطط إقامتها على أراضي قريتي دير بلوط والزاوية في محافظة سلفيت.


ومن خلال ربط الكتل الاستيطانية بعضها ببعض يعمد الاحتلال لتقطيع تواصل القرى والبلدات الفلسطينية، ومنع أي امتداد جغرافي لها، وذلك عبر شبكات من الطرق الالتفافية تخدم المستوطنات وتسمح بحرية التنقل الحصري للمستوطنين، إضافة إلى شرعنة عدد من البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية وتحويلها إلى مستوطنات معتمدة ضمن مخططات هيكلية.


وذكر تقرير مركز الدفاع عن الأرض أن المشاريع الاستيطانية الجديدة بين محافظتي نابلس وجنين يخدمها طريق استيطاني يربط مستوطنة "حومش" بالأغوار الفلسطينية ويفصل المحافظتين جغرافياً عن بعضهما، فضلا عن ترسيخ البناء في مستوطنة "صانور" ومحيطها عبر 126 وحدة سكنية جديدة ودائمة بدعم كامل من الحكومة الإسرائيلية.


وكشف عن مخطط استيطاني جديد لشق عدد من الطرق بين المستوطنات بمحافظة جنين.

 

طرق استيطانية التفافية شقها الاحتلال قرب مدينة سلفيت (الجزيرة)

 

ذرائع دينية


وعبر تدشين بؤرة استيطانية رعوية وسكنية على قمة جبل عيبال (أعلى قمة جبلية بنابلس) ينفذ الاحتلال مخططاً استيطانياً متسارعاً هناك، وذلك بتوظيف الذرائع التوراتية مثل "مذبح يوشع بن نون" في منطقة "البرناط" على الجبل.


وشهدت هذه البؤرة وبدعم من مجلس مستوطنات شمال الضفة وحركة "أمانة" الاستيطانية إدخالاً مستمراً للبيوت المتنقلة والمعدات الثقيلة لتثبيت الوجود السكني وتوسيع المسارات داخلها منذ مارس/آذار الماضي، وذلك إسقاطاً لقرار "الكابينيت" الإسرائيلي الصادر في مايو/أيار 2025، والذي قضى بشرعنة وإنشاء 22 موقعاً استيطانياً جديداً في الضفة الغربية، كان جبل عيبال أبرزها.


ويبرز مشروع "الخيط القرمزي" الذي يستهدف منطقة سهل البقيعة الغوري الواقع شرق بلدة طمون قرب مدينة طوباس شمال الضفة الغربية، ويهدد 24 ألف دونم (الدونم = 1000 متر مربع)، يملكها حوالي 300 مزارع.


وذكر تقرير مركز الدفاع عن الأرض نقلاً عن صحيفة هآرتس الإسرائيلية، أن هذا المشروع سيكون بمثابة طريق عسكري وجدار فاصل ممتد بطول 22 كيلومتراً وبعرض 50 متراً على أراضي المواطنين من قرية عين شبلي في الأغوار الوسطى وصولاً إلى حاجز تياسير العسكري شرق محافظة طوباس شمال الضفة.

 

جيش الاحتلال يشن منذ ديسمبر/كانون الأول 2025 عملية عسكرية بمخيم جنين ومخيمات شمال الضفة الغربية (الجزيرة)



عملية عسكرية


ووفق صحيفة "هآرتس" فإن الاستيطان المتسارع شمال الضفة وعمليات جيش الاحتلال العسكرية في مخيمات اللاجئين أيضاً، ينفذان باستثمار كبير من جيش الاحتلال.


ونقلت الصحيفة عن قائد قيادة المنطقة الوسطى، آفي بلوت، قوله: "سنشاهد تغييراً كبيراً جداً في شمال السامرة (الضفة)".


وعبر استهداف مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس بعملية السور الحديدي المستمرة منذ 21 ديسمبر/كانون الأول 2025، عمد الاحتلال لفرض واقع جديد في تلك المخيمات، واستخدم أساليب تشبه تلك المتبعة في قطاع غزة وفق هآرتس، حيث جرى طرد السكان وهدم منازلهم وشق الطرق بينها وتدمير البنية التحتية في المخيمات.


وذكرت هآرتس أن الاحتلال طرد سكان مخيم جنين وهجرهم، فيما دمر 55% من مباني مخيم نور شمس، و37% من مباني مخيم طولكرم، مهجراً 32 ألفاً (تشير معطيات الجهات الفلسطينية إلى أن المهجرين أكثر من 40 ألفاً) من تلك المخيمات.


تسابق استيطاني وانتخابي


ورغم انتقاد منظمات حقوقية مثل "هيومن رايتس ووتش" هذه الإجراءات الإسرائيلية واعتبارها "جريمة ضد الإنسانية" تستحضر الصحيفة تبرير قادة المستوطنين والجيش الإسرائيلي لتلك الجريمة ومن ذلك تصريح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، في بداية العملية بالقول "الآن، بدأنا في تغيير الرؤية الأمنية في يهودا والسامرة، وأيضاً في حملة اجتثاث الإرهاب من المنطقة"، ليتم دمج المبرر العسكري مع الأهداف بعيدة المدى للمستوطنين، الذين يعملون على العودة والاستيطان.


ويسعى سموتريتش إلى تمرير امتيازات للمستوطنات وحزمة جديدة من المخصصات المالية تقدر بمئات ملايين الشواكل لصالح المستوطنين قبل نهاية ولاية الحكومة الحالية، مع العمل على تثبيت جزء من هذه الموازنات بحيث تبقى سارية وملزمة للحكومات المقبلة، وفق هآرتس.


ولم تكن أهداف رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، نفتالي بينيت، بعيدة عما طرحه سموتريتش، وذلك ضمن سياسة التنافس الانتخابي، معتبراً أن المناطق المصنفة (ج) حسب اتفاق أوسلو والتي تشكل 61% من الضفة الغربية (مساحة الضفة حوالي 5800 كيلومتر مربع) ستكون جزءاً من دولة إسرائيل، في إشارة إلى رفضه قيام دولة فلسطينية.


كما صرح بينيت لهيئة البث الإسرائيلية أن ما وصفها بـ "مستوطنات قانونية" في المناطق (ج) مقامة في "أراضي الدولة" وليست مقامة في أراض بملكية خاصة فلسطينية هي مستوطنات يؤيد إقامتها و"مرحب بها".

 

غرف متنقلة للمستوطنين قرب منازل الفلسطينيين في بلدة عرابة جنوب جنين تمهيداً لتشييد مدرسة دينية (الجزيرة)



على أرض الواقع


وتأكيداً لهذا التصعيد الاستيطاني ذكرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (جهة رسمية) أن جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، نفذوا 1659 اعتداءً ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم خلال مايو/أيار الماضي، حيث نفذ الجيش 1108 اعتداءات، فيما شن المستوطنون 551 اعتداءً، تنوعت أبرزها بين العنف الجسدي المباشر، واقتلاع الأشجار وإحراق الحقول والاستيلاء على الممتلكات إضافة لهدم المنازل والمنشآت الزراعية.


وضمن سياساتها التهويدية، ذكرت الهيئة، أن حكومة الاحتلال صادقت على بناء مدرستين دينيتين في شمال الضفة الغربية، وتحديداً في محافظة جنين؛ الأولى بالقرب من مستوطنة "غانيم" جنوب شرق المدينة. أما الثانية فتقام في مستوطنة "عيمك دوتان" الجاثمة على أراضي المواطنين غرب بلدة عرابة.


"هيا إلى حرقها".. هجمات المستوطنين تطال عشرات المساجد الفلسطينية

 

مستوطنون أحرقوا جزءا من المسجد الكبير في بلدة جلجليا شمالي مدينة رام الله


فاطمة محمود - من ناحية اخرى, استيقظت على أصوات انفجارات قريبة، ولولا عناية الله لكنت الآن جثة محروقة أنا وزوجتي وطفلتي الصغيرة". بهذه العبارة وصف الشيخ محمد الخصيب، إمام مسجد جلجليا الكبير، حادثة إحراق مستوطنين للطابق الثاني من المسجد، بينما كان ينام مع عائلته في مسكن بالطابق الأرضي قبيل فجر الأربعاء.


ولحظات قليلة فقط فصلت بين إشعال المستوطنين النار في المسجد المكون من ثلاثة طوابق وبين تمكن الشيخ محمد من فتح الأبواب ونداء أهالي القرية للمساعدة في إخماد الحريق.


يقول الخصيب : إن الأصوات كانت ناتجة عن تحطم الزجاج والأبواب في الطابق الثاني، حيث يقع المتوضأ، وذلك بسبب كثافة النيران وشدتها. ويؤكد أنه لو تأخر قليلا لوصلت النار إلى الطابق الذي يقيم فيه، وإلى الطابق الثالث الذي يضم المصلى.


وعند الساعة الثانية من فجر الأربعاء، كانت مجموعة من المستوطنين تخط شعارات عنصرية على جدران مسجد جلجليا، فيما ألقى عدد منهم نحو 15 إطارا مشتعلا داخل المسجد وفي محيطه، ما أحدث دمارا كاملا في المتوضأ، إذ وصلت حرارة النيران إلى البلاط والجدران وتسببت في تحطيمها.


وتضمنت العبارات التي خطها المستوطنون تحيات لمستوطنين آخرين شاركوا في اعتداءات سابقة على مساجد وممتلكات فلسطينية، كما كُتبت عبارات مثل "هيا إلى ليلة حرق المساجد"، ونداءات تشجيع على تنفيذ عمليات حرق مماثلة، من بينها عبارة: "يا جماعة استيقظوا"، في رسالة موجهة إلى مستوطنين آخرين لشن هجمات على مساجد أخرى في الضفة الغربية.


تصعيد وعنصرية


وتزامنا مع إحراق مسجد جلجليا الكبير، كانت مجموعات أخرى من المستوطنين تحرق مسجدا آخر في قرية مزارع النوباني المجاورة.


وبحسب رئيس مجلس قروي جلجليا، أسامة أسعد، فإن هذا الاعتداء ليس الأول من نوعه على القرية التي يقطنها نحو ألف نسمة، وتصنف ضمن مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية "أ"، حسب تصنيف اتفاق أوسلو.


ويقول للجزيرة نت "انتبه الأهالي إلى الحريق واتصلوا بالدفاع المدني، كما ساعد أهالي القرى المجاورة بشكل عاجل في عمليات الإطفاء، ما حال دون امتداد النيران إلى بقية أجزاء المسجد".


ويضيف أن الاعتداءات تتم بصورة ممنهجة ومنظمة، وتستهدف المساجد بشكل أساسي بهدف إرهاب المواطنين الفلسطينيين.


ويحيط بجلجليا عدد من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، كما أقام مستوطنون من رعاة الأغنام، قبل عدة أشهر، بؤرة استيطانية بمحاذاة القرية.


ويتعرض الأهالي في هذه المنطقة لاعتداءات شبه يومية، شملت سرقة قطيع من الماشية قبل أسابيع، وإحراق مركبة لأحد المواطنين قبل نحو شهرين، إضافة إلى محاولة إحراق منزل في الفترة نفسها.
ووثقت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، منذ بداية عام 2025 وحتى اليوم، 50 اعتداءً على المساجد والمقامات الدينية في الضفة الغربية.


وتأتي هذه الاعتداءات بالتزامن مع تصاعد وتيرة التوسع الاستيطاني في مختلف محافظات الضفة الغربية، وتعرض المواطنين الفلسطينيين يوميا لهجمات المستوطنين، التي تشمل إحراق المحاصيل الزراعية، وسرقة المواشي، وتدمير الممتلكات، إضافة إلى تسجيل عمليات إحراق منازل، خاصة في محافظة رام الله ومناطق جنوب نابلس.


مواد حارقة


في قرية برقا شرقي رام الله، كان مسجد القرية، الأحد الماضي، على موعد مع اعتداء نفذته مجموعات من المستوطنين قبل وقت قصير من صلاة العشاء. ورغم وجود عدد من المصلين داخل المسجد، فإن المستوطنين ألقوا موادَّ حارقةً في الطابق الأول أدت إلى اشتعال النار فيه.


وبحسب رئيس بلدية برقا صايل كنعان، فإن نحو ستة مستوطنين نفذوا سلسلة هجمات استهدفت عدة مساجد في المنطقة الشرقية من محافظة رام الله، إذ أشعلوا النار في مسجد قرية دير دبوان قبيل صلاة المغرب، ثم حاولوا إحراق مسجد برقا مع حلول وقت صلاة العشاء، كما أحرقوا سيارة تعود لأحد المصلين الموجودين داخل المسجد.


وذكر صايل للجزيرة نت أن المستوطنين كانوا يحملون إطارات سيارات مغطاة بمادة البنزين، وكانوا يخططون لاقتحام المسجد المكون من طابقين. وقد وصلوا بالفعل إلى الطابق الأول، وحطموا زجاج النوافذ وألقوا مواد حارقة، إلا أن وجود المصلين داخل المسجد حال دون إتمام مخططهم.


وسرعان ما أطلق المصلون نداءات عبر مكبرات الصوت، فتوافد أهالي البلدة وتمكنوا من التصدي للمهاجمين وإخماد الحريق في السيارة والطابق الأرضي من المسجد.


ويرى كنعان أن الهجمات التي تنفذها مجموعات المستوطنين المتطرفين المسماة "فتية التلال" تهدف إلى إفراغ البلدات الفلسطينية من سكانها عبر الترهيب والتهديد بالحرق والاعتداءات المتكررة، مؤكداً أن تمسك الأهالي بأراضيهم ومنازلهم هو السبيل لإفشال مخططات الاستيطان والسيطرة على الأراضي الفلسطينية.


دعم رسمي


وبحسب أحمد الرفاعي، مسؤول قسم توثيق الاعتداءات في وزارة الأوقاف الفلسطينية، فإن استهداف المقامات الدينية والمساجد شهد تصاعدا ملحوظا خلال الأشهر الأخيرة، وتمثل في اقتحام المقامات الدينية، وخط شعارات عنصرية على جدران المساجد، ومحاولات إحراق بعضها، وإغلاق عدد منها في مناطق مختلفة.


وكان آخر هذه الاعتداءات قبل أيام إحراق مسجد في قرية برقا ومسجد في دير دبوان شرقي رام الله، إضافة إلى الاعتداء على مسجد ببلدة مزارع النوباني، ومقامات دينية في بلدة سنجل شمال شرقي رام الله.


ويؤكد الرفاعي للجزيرة نت أن جيش الاحتلال والحكومة الإسرائيلية يتساهلان في التعامل مع المستوطنين الذين ينشطون في الاعتداءات اليومية على المساجد وممتلكات المواطنين.


وتطرق لدعم الحكومة الإسرائيلية لمجموعات "فتية التلال" الاستيطانية في اعتداءاتها على مزارع المواطنين ومنازلهم ودور العبادة والمقامات الدينية، مشيراً إلى مخصصات مالية أُعلن عنها منذ أيام لكل عضو مشارك في هذه المجموعات، ما يشكل دعماً فعلياً وحقيقياً لها ولأفعالها على الأرض.


ويشير الرفاعي إلى الاقتحامات الواسعة للمسجد الأقصى، والتصرفات الاستفزازية التي ينفذها مستوطنون ومسؤولون بقيادة الوزير المتطرف إيتمار بن غفير.


والأربعاء ايضا، شهدت باحات المسجد الأقصى اقتحام 107 مستوطنين بحماية من شرطة الاحتلال، كما يشهد الأقصى يوميا اقتحامات صباحية ومسائية وأداء للصلوات اليهودية، إضافة إلى إجراءات تحد من وصول المسلمين وأهالي القدس إليه.


ووفق المسؤول بوزارة الأوقاف الفلسطينية، فإن ما تتعرض له مساجد الضفة الغربية يأتي ضمن سياسة ممنهجة لا تنفصل عن الإجراءات العقابية التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين، والمتمثلة في إغلاق المدن، وإقامة الحواجز العسكرية بين البلدات والقرى، وهدم المنازل، وتهجير السكان، وإقامة معسكرات لجيش الاحتلال في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، إلى جانب بناء وحدات استيطانية جديدة، بما يجعل حياة الفلسطيني أكثر صعوبة ويدفعه إلى الهجرة.


أبعاد دينية


من جهته، يربط الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي محمد دراغمة بين تزايد هجمات المستوطنين على المساجد الفلسطينية وبين سياسة الاحتلال العامة في الضفة، التي تقوم على انتهاك المقدسات الإسلامية والمسيحية.


ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن استهداف المساجد في الضفة لا يأتي فقط من قبل المستوطنين، وإنما يأتي من المستوى الرسمي الإسرائيلي أيضا، خاصة في الأراضي المحتلة عام 1948.


وأضاف أن ذلك كان واضحا عبر تصريحات إيتمار بن غفير بشأن نيته منع الأذان، كما شهدت السنوات السابقة دعوات من أعضاء مختلفين في حكومات الاحتلال إلى تخفيض أصوات الأذان في المساجد، ومنع استخدام مكبرات الصوت، وخطب الجمعة، فرض مخالفات على بعض المساجد بحجة علو صوت الأذان فيها.


ويضيف "هذه سياسة عامة لإسرائيل، والمستوطنون جزء من هذه السياسة، إذ يقومون بعمليات حرق وتخريب للأماكن المقدسة والمساجد وكتابة شعارات عليها. ويأتي ذلك في إطار استفزاز الأهالي، لأنهم يدركون أهمية ومعنى دور العبادة للفلسطينيين في الضفة".


ويختم بالقول إن المستوطنين يرون أن جزءا من الصراع مع الفلسطينيين هو صراع ديني، ويسعون إلى إعطائه صبغة دينية تدفعه إلى مزيد من التوتر والمواجهة.


معسكر لجيش الاحتلال على أراضي جنين.. هذه أبرز القطاعات المتضررة



علا محمد - يستشعر الفلسطينيون من سكان قرية عابا، شمالي الضفة الغربية خطراً حقيقياً يهدد أراضيهم الزراعية ومشاريعهم الاقتصادية، وذلك بعد شروع الاحتلال في تهيئة البنية التحتية لإقامة معسكر على أراضيهم.


على طريق يُعد شريان حياة للقرى الشرقية لمدينة جنين شمالي الضفة الغربية، استحدث جيش الاحتلال الإسرائيلي معسكراً له على أراضي بلدة عابا، بمساحة نحو 22 دونماً (الدونم يساوي ألف متر مربع) تعود ملكيتها لمواطنين من بلدة قباطية، صودرت بأمر عسكري منتصف مايو/أيار المنصرم.


ما يقلق السكان في محيط لا يقتصر على الجدران الإسمنتية التي تتشكّل أمام أعينهم، ولا الدفيئات الزراعية ومراعي الأغنام والمرافق السياحية والعائلية التي كانت تستعد لموسم الصيف، بل في ما تعنيه من إغلاق لطرق التنقل وحرمان من الأرض وتهديد لمصادر الرزق التي أسسوها على مدار سنوات.


ولم يبدأ أثر المعسكر من الخرائط ولا من أوامر المصادرة فحسب، بل من بيت اصطياف حديث يعود للمواطن علاء الأسمر، استولى عليه جيش الاحتلال وحوله إلى نقطة عسكرية، في منطقة لا تفصلها عن أعمال إنشاء المعسكر سوى قطعة أرض واحدة.


احتلال في أوج الموسم


يقول المواطن الفلسطيني إن قوة من الجيش أبلغته في 27 مايو/أيار الماضي بالاستيلاء على الشاليه (بيت الاصطياف) لمدة 30 يوماً، وما زال الجنود موجودين فيه حتى الآن.


لم يكن الأسمر يتوقع أن يُفتتح موسم الصيف بهذه الطريقة. بيت اصطياف بناه بكل ما يملك هو وشقيقه، على أرض تطل على تلال جنين الغربية، كلّفهما أكثر من 1.5 مليون شيكل (نحو 415 ألف دولار)، لم يسكنه أحد ليلة واحدة، ولم يُؤجَّر قط.


وفي اللحظة التي كانا يستعدان فيها لاستقبال أولى الزبائن والمستجمين مع دخول الصيف جاء الجيش الإسرائيلي وطلب الإخلاء.


لا يخفي الرجل خشيته من أن يتحول الضرر المؤقت إلى خسارة دائمة إذا ثبت الجيش وجوده في المكان. ويقول "بالطبع نخاف أن نذهب إلى مكان بجانب معسكر (…) الزبائن الذين كانوا قد يستأجرون الشاليه سيمتنعون عن ذلك، وسيخافون من القدوم إلى هذه المنطقة".


على بعد أمتار


إلى جانب بيوت الاصطياف هناك العديد من الدفيئات الزراعية ومئات الدونمات من المراعي التي يتربص بها واقع أمني غامض وصعب نتيجة هذا المعسكر الذي بدأ يثبت جذوره في المنطقة، على بعد أمتار قليلة من بلدة عابا.


ويوضح برهان عزموطي رئيس المجلس القروي في عابا، أن المعسكر الجديد يقع في منطقة تعرف "بالأحواض"، ضمن مساحات مسجلة تابعة لبلدة قباطية، ولكنها محاذية تماماً لبلدة عابا الشرقية ومنطقة وادي الضبع.


ويضيف أن غالبية الأراضي الزراعية للقرية تمتد في محيط المعسكر وأن جزءاً كبيراً منها مزروع بأشجار الزيتون التي تشكل مصدر رزق أساسي للأهالي.


ويخشى المجلس القروي ألا يقتصر الأثر على الأرض الملاصقة للموقع، وأن تمتد القيود إلى نطاق أوسع، بعدم تمكين المزارعين والمواطنين من الوصول إلى أراضيهم. وحتى التي تبعد كيلومترين أو أكثر قد تصبح منطقة مغلقة.


ويضيف عزموطي أن الرعاة الذين يعتمدون على الوادي المجاور لرعي أغنامهم سيتأثرون هم أيضاً، إذ "لن يتمكنوا من الوصول إلى هناك، مما سيضطر المواطن إلى شراء الأعلاف لأغنامه، وهذا يزيد التكاليف".


الخطر الأكبر


على مستوى الحركة اليومية، يتحدث رئيس المجلس عن حواجز مفاجئة يقيمها الجنود على الطريق الالتفافي المؤدي إلى جنين تعيق حركة السير، وعن طرق بديلة لجأ إليها السكان ما يزيد كلفة الوصول إلى مدينة جنين على العمال والطلاب والمرضى.


ولا يملك المجلس، وفق عزموطي، معلومات رسمية عن حدود المعسكر أو وظيفته النهائية. ويقول إن ما لديهم حتى الآن يستند إلى ما يشاهدونه ميدانياً في منطقة تتداخل فيها أملاك خاصة مع أراضٍ مصنفة "أراضي دولة".


ويشير إلى أن الخوف الأكبر لا يتعلق بالمعسكر وحده، بل بعلاقته بمسار أوسع لعودة الاستيطان شمال جنين، وخاصة في مستوطنتي غانيم وقاديم اللتين أخليتا عام 2005.


واقع جديد


من جهته، يقول الناشط المختص في شؤون الاستيطان مفيد جلغوم إن المعسكر الجديد لا يمكن فصله عن التحولات الجارية في محافظة جنين، فيما يشبه بداية الاحتلال عام 1967، مشيراً إلى أن جنين كانت المنطقة الوحيدة في الضفة الغربية شبه الخالية من الاستيطان.


وبحسب الخبير الفلسطيني فإن ما يجري اليوم يقوم على ثلاثة مسارات متوازية:


•    إعادة الاستيطان إلى المستوطنات المخلاة.


•    بناء مراكز وأبراج عسكرية.


•    شق طرق جديدة تربط هذه المواقع بعضها ببعض، وبالتالي مصادرة أراضٍ وتغيير في نمط حياة السكان.


ويحذر جلغوم في حديثه للجزيرة نت من أن الزراعة والمراعي وحركة النقل ستتأثر مباشرة، وأن جنين قد تدخل مرحلة شبيهة بمناطق أخرى في الضفة الغربية، حيث يصبح الاحتكاك اليومي مع الجيش والمستوطنين جزءاً من تفاصيل الحياة.


ويضيف "سنرى مستوطنين يوقفوننا على الحواجز ويعيقون حياتنا"، معتبراً أن إقامة المعسكر في هذا الموضع تعني دفع القرى الفلسطينية إلى واقع أمني جديد، لا تعود فيه تصنيفات أوسلو للمناطق "أ" و"ب" و"ج" قادرة على حماية الحركة أو الأرض. 


إحياء الاستيطان


وبين بيت اصطياف تحول إلى ثكنة، وأراضي زيتون مهددة بالعزل، ورعاة قد يفقدون مراعيهم، يبدو المعسكر الجديد في حداد أكثر من منشأة عسكرية. إنه -في نظر سكان عابا والقرى المحيطة- بداية وقائع جديدة قد تعيد رسم الجغرافيا اليومية لجنين، وتحوّل أطرافها الزراعية والسياحية إلى مساحة مراقبة وتضييق واعتداء دائم.


وتتمركز في محافظة جنين مستوطنات قائمة في محيطها الشمالي والغربي، أبرزها مستوطنة "ترسلة" ومستوطنة "ميفو دوتان" غرب جنين، فضلاً عن البؤرة الاستيطانية المُعاد إحياؤها في "حومش" شمالاً.


كما يمضي الاحتلال في إعادة إحياء مستوطنتَي "غانيم وقاديم" اللتين أُخليتا عام 2005 ضمن خطة فك الارتباط الإسرائيلية التي نفّذها رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون، وتقع إحداهما على بعد أقل من 200 متر من قرية عابا الشرقية مباشرة.


الأرقام تتحدث


ووفق معطيات مقاومة الجدار والاستيطان خلال شهر مايو/أيار 2026 فقد أصدر جيش الاحتلال أربعة أوامر عسكرية استهدفت نحو 393 دونماً من أراضي محافظة جنين، خُصص ثلاثة منها لإقامة مواقع عسكرية جديدة.


وتندرج هذه التحركات في سياق تصعيد واسع تشهده الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان نحو 40 ألف اعتداء نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون حتى نهاية عام 2025، من بينها أكثر من 7500 اعتداء ارتكبها المستوطنون.


كما أدت هذه الاعتداءات إلى تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي، في ما يصفه مراقبون بأنه أحد أكثر مراحل التوسع الاستيطاني عنفاً وتسارعاً خلال العقود الأخيرة.


مدارس دينية لترسيخ الاستيطان شمال الضفة الغربية


من أمام منزله في منطقة الجبل الشمالي ببلدة عرابة جنوب مدينة جنين شمال الضفة الغربية المحتلة، يقود الطفل آدم رحال دراجته ذهاباً وإياباً، فيما لا تغيب أنظار والده عنه لحظة واحدة.


وفي الوقت ذاته يخرج عمّ آدم، مهدي رحال، من منزله إلى البقالة للتبضع، لا ينسى إقفال الباب الحديدي بالمفتاح، رغم وجود عائلته في الداخل.


وهذا المشهد بات معتاداً لعائلة رحال منذ شهر تقريبا، وتحديداً بعد إقامة أول كرفان متنقل للمستوطنين في منطقة رأس الجبل شمال غرب عرابة.


خطر قائم


تحدث مهدي عن العيش بجوار المستوطنين قائلاً إنه "خطر بحد ذاته". وتساءل "كيف إذا كان هذا المستوطن متشدداً ويسعى لإقامة مدرسة دينية يهودية تُدرّس تعاليم متطرفة تحرض على العرب بشكل دائم؟".


وأضاف "أخشى أن يستغل المستوطن غيابي ويهاجم أطفالي الثلاثة ووالدتهم. النزول إلى الساحة ممنوع علينا، ولعب الأطفال أمام المنزل خطر أيضا. كما مُنعنا من الوصول إلى مزرعة الدواجن التي أنشأناها قبل عامين، وتُعد مصدر دخلنا، بحجة أنها أصبحت ضمن أراضي المستوطنة، على الرغم من أنها تبعد بضعة أمتار عن منزلي".


وبسبب هذا المنع فقد مهدي نصف الدواجن، مضيفا "نقلنا النصف الباقي إلى مكان آخر. المشكلة أن إقامة مدرسة دينية هنا تعني منح المستوطنة صفة رسمية يصعب إزالتها لاحقا".


ويسكن مهدي إلى جوار أشقائه الثلاثة في منازل مستقلة متجاورة يعيش فيها نحو 20 شخصا، فرض عليهم المستوطنون نمط حياة قاسياً تحكمه المراقبة والخوف، وتقييد الحركة والتنقل والعمل واستغلال الأرض.


مدرستان في مدينة


وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (جهة رسمية)، صادقت حكومة الاحتلال على بناء مدرستين دينيتين في شمال الضفة الغربية، وتحديداً في محافظة جنين؛ الأولى بالقرب من مستوطنة "غانيم" التي أُخليت عام 2005 ضمن ما عرف بـ"خطة فك الارتباط" أحادية الجانب، التي نفذتها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، وشملت إخلاء خمس مستوطنات في محافظة جنين.


أما الثانية فتقام في مستوطنة "عيمك دوتان" الجاثمة على أراضي المواطنين غربي بلدة عرابة. ووفق الهيئة، فإنه وبالرغم من عدم المصادقة النهائية على المخططات الرسمية للمدرستين، فإن الاحتلال بدأ فعلياً أعمال البناء قبل استكمال الإجراءات الرسمية.


وعلى الأرض، أبلغ الاحتلال الإسرائيلي جهاز الارتباط الفلسطيني، وهو جهة تنسيق رسمية مع الجانب الإسرائيلي، بمصادرة أراضٍ من البلدة لصالح إقامة حظيرة للأبقار. وعلى الفور، شيّد قرابة 15 مستوطنا 3 وحدات سكنية متنقلة في الأراضي المصادرة، وجلبوا معهم عدداً من رؤوس الأغنام والأبقار تمهيداً لإقامة مستوطنة. 


تسارع عملية الاستيطان


وقال مدير بلدية عرابة، أحمد تحسين العارضة، للجزيرة نت، إن قوات الاحتلال جرّفت أراض زراعية الشهر الماضي، قُدرت مساحتها بـ163 دونما (الدونم=1000 متر مربع)، لكن الأهالي القاطنين بالقرب من مناطق التجريف أكدوا تضاعف مساحة الأراضي المستهدفة خلال الأسبوعين الماضيين، وهو ما يؤكد، بحسب العارضة، أن العمل لا يقتصر على إقامة حظيرة للأبقار والمواشي.


وأضاف "وفق متابعتنا تمت المصادقة على 260 وحدة سكنية داخل المستوطنة، وتوسعتها لتصبح مستوطنة سكنية وليست مجرد بؤرة رعوية".


ويعمل العارضة على توثيق الاعتداءات على الأراضي الزراعية ومنازل المواطنين وممتلكاتهم في عرابة منذ 2023. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة رصد مئات الشكاوى لمواطنين تعرضوا لاعتداءات مباشرة وغير مباشرة من المستوطنين، شملت الاحتجاز والضرب ومصادرة ثمار الزيتون، ومحاولة حرق المزارع ومهاجمة وتخريب المنازل.


ووفق الشهادات الموثقة ومشاهد الاعتداءات وحجمها، يؤكد العارضة أنه ورغم قلة عدد المستوطنين الموجودين في المنطقة، فإنهم يتسمون بالعنف والخطورة.
كما شمل التوثيق التعرُّض لاعتداءات نفذها أشخاص يرتدون لباسا عسكريا إسرائيلياً، وهو ما يجعل التعامل مع الأمر أكثر خطورة، إذ يصعب التمييز بين ما إذا كانوا جنود احتياط أو مستوطنين يرتدون زياً عسكرياً إسرائيلياً.


مخاطر بحماية الجيش


وفي المنطقة المذكورة، استقبلنا فراس رحال. ورغم هدوء المكان، إلا أن الحذر الشديد كان يطغى على تصرفاته وتحركاته. وقال إن المستوطنين في الكرفان المقام قرب منزله يراقبون تحركاته وأفراد عائلته، ويتعمدون اقتحام ساحة المنزل والاعتداء عليهم، كما يحاولون بصورة متكررة تحطيم الأبواب والنوافذ.


وخلف المنزل، نصب جيش الاحتلال شريطاً من الأسلاك البلاستيكية السوداء، وطلب من سكان المنازل في المنطقة عدم اجتيازه على امتداد المسافة التي وضع فيها، محذراً من أن تجاوز هذا الخط قد يُعرّضهم لإطلاق النار، بحجة أن المنطقة أصبحت تابعة للبؤرة الاستيطانية الجديدة المقامة في منطقة رأس الجبل الشمالي، أعلى البلدة.


وتحدث رحال للجزيرة نت عن صعوبة الحياة في المنطقة بعد بدء الاستيطان فيها قائلاً: "هذه أجمل وأهدأ منطقة في عرابة كلها، وهي منطقة حيوية. مقابل منازل عائلتي أُقيم متنزه البلدة، وإلى جواره دائرة السير، لكن كما تلاحظون لا يوجد متنزهون في المكان ولا مراجعون لتجديد تراخيص السيارات".


الناس -أضاف رحال- "تتجنب الوصول إلى هنا خوفاً من هجمات المستوطنين، أما نحن فأصبح النوم عدواً لنا. نسهر كي ينام أطفالنا بأمان، ونراقب النوافذ والأبواب طوال الليل".


السهل هو الهدف


من جانبه، أشار رئيس بلدية عرابة، أحمد فتحي العارضة، إلى أن اختيار أراضي البلدة لإقامة مدرسة دينية عليها، "يتعاظم بوتيرة متسارعة، واليوم نلاحظ أن غالبية الإسرائيليين باتوا أكثر تشدداً، وأن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو مزيد من التطرف".


وأضاف للجزيرة نت أن المدرسة الدينية المزمع إقامتها في مستوطنة "عيمك دوتان"، تقع في واحدة من أكثر مناطق شمال الضفة الغربية خصوبة، إلى جانب تجمعات زراعية استيطانية.


والهدف بطبيعة الحال -بحسبه- هو سهل عرابة، "الذي يعد ثاني أكبر سهل داخلي في فلسطين التاريخية بعد سهل مرج ابن عامر، الذي احتُلت معظم أراضيه ولم يتبقَّ سوى نحو 10% من مساحته الأصلية. فالهدف لا يقتصر على مصادرة نحو 240 دونما لصالح المدرسة، بل يتعداه إلى السيطرة على كامل سهل عرابة والتضييق على المواطنين في أرزاقهم وحياتهم، وصولاً إلى الهدف الأكبر وهو دفع الفلسطينيين للهجرة".


كما أن المشكلة -أوضح العارضة- أن هؤلاء المستوطنين يتجولون بالسلاح ويهددون المواطنين، إضافة إلى أن "قوات الاحتلال الموجودة يوميا توفر لهم الحماية أثناء اعتداءاتهم وعربدتهم على الأهالي، وكذلك خلال سرقتهم محاصيل الزيتون والقمح".


دور يتعدى الاستيطان


ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، منعت قوات الاحتلال أهالي عرابة من الوصول إلى نحو 1500 دونم مزروعة بأشجار الزيتون، وحرمتهم خلال المواسم الماضية من جني محصولها وفلاحتها والعناية بها. ويقول الأهالي إن هذه الأراضي باتت معرضة لتلف الأشجار وجفاف التربة.


ووفق إحصائيات البلدية، فإن 800 دونم من الأراضي المحيطة بالمنطقة المصادرة لصالح المستوطنة الدينية أُغلقت بالكامل، ومُنع الأهالي من الوصول إليها. ويعتمد 80% من أهالي البلدة البالغ عددهم 20 ألف نسمة، على الزراعة، إذ تبلغ مساحة سهل عرابة نحو 32 ألف دونم، وتعود ملكية أراضيه لأهالي البلدة والقرى المحيطة.


وبحسب مركز القدس للدراسات، فإن المدارس الدينية اليهودية في الضفة الغربية، والتي يُعرف بعضها باسم "اليشيفا" للرجال و"المدراش" للنساء، هي مؤسسات تعليمية داخلية يدمج فيها الطلاب بين دراسة النصوص التوراتية والخدمة العسكرية ضمن إطار برنامج "هسدر"، وتعمل أداة إيديولوجية لترسيخ المشروع الاستيطاني.


وتؤدي هذه المدارس دورين هما:


•    الارتباط العسكري: تُعرف غالباً باسم "يشيفات هسدر"، حيث يدرس الطلاب لفترة محددة ويؤدون الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي ضمن إطار ديني وعسكري مدمج.


•    الاستيطان والتوسع: تلعب هذه المدارس دوراً محورياً في تغذية الفكر الاستيطاني، إذ يُعد طلابها وحاخاماتها نواة للحركات الدينية المتطرفة التي تدعو إلى توسيع الاستيطان في قلب الضفة الغربية.


ومن أبرزها في شمال الضفة، مدرسة مستوطنة حومش الواقعة على الطريق بين نابلس وجنين، وقد أعاد مستوطنون إنشاءها وبناء مقر دائم لها بموافقة رسمية بعد إخلاء المستوطنة في 2005.


السياحة والزراعة


ووفق الكاتب والباحث مفيد جلغوم، من مدينة جنين، فإن إنشاء مدارس دينية يهودية في محافظة جنين يؤثر بصورة مباشرة في القطاعين السياحي والزراعي بالمحافظة.


ويؤكد في حديثه للجزيرة نت أن "المدرسة التي أُعلن عن بنائها في مستوطنة غانيم تبعد نحو 100 متر فقط عن قرية حداد السياحية، وهذه المنطقة تعد واحدة من أكبر المرافق السياحية في شمال الضفة الغربية، وتمثل متنفساً لمئات العائلات في محافظة جنين ومحافظات الشمال، وإقامة المدرسة تعني تدفق أعداد كبيرة من المستوطنين إلى المنطقة، ما سيؤثر سلباً في القطاع السياحي".


وتسعى سلطات الاحتلال -وفق جلغوم- إلى مصادرة الأراضي الزراعية، وإقامة المستوطنات عليها، سواء كانت بؤراً رعوية أو مدارس دينية أو مستوطنات كبيرة، وكل ذلك بهدف فرض واقع جديد بالسيطرة على الأراضي الزراعية وتعميق المشروع الاستيطاني فيها.


وبحسبه أيضا، فإن الاحتلال يسعى إلى إضفاء صفة قانونية وتشريعية على المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي يعمل على إقامتها، لكن بالنسبة للفلسطينيين فإن البرج العسكري والمدرسة الدينية والبؤرة الاستيطانية الرعوية تشترك جميعها في هدف واحد، يتمثل في سلب الأرض الفلسطينية وزيادة أعداد المستوطنين في المدن والبلدات الفلسطينية.


الإيديولوجيا في خدمة الصراع


أما عن أهداف تأسيس المدارس الدينية، فيذكر الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي، سليمان بشارات منها:


•    تحويل الوجود الاستيطاني من طابع استعماري وظيفي إلى طابع إيديولوجي ديني، بما يتيح لغلاة المستوطنين ضخ مزيد من الإمكانات المادية والبشرية في هذا النمط من الاستيطان، وهو ما يخدم السياسات التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية بوجود الوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش".


•    صراع الهوية؛ إذ لا تزال إسرائيل تسعى إلى حسم الصراع في الضفة الغربية على المستويات الجغرافية والديمغرافية والإيديولوجية والدينية، وهو ما تراه أكثر مسارات الصراع أهمية من منظورها


•    توفير بيئة حاضنة للفكر القومي والديني الإسرائيلي، الذي يعزز ليس فقط مشاعر العداء تجاه الفلسطينيين، بل أيضاً الحضور الإسرائيلي وترسيخ الهوية القومية الإسرائيلية.


وأضاف في حديثه للجزيرة نت "يعلم الاحتلال أن جزءاً من تمسك الفلسطيني بأرضه نابع من البعد الديني، باعتبارها أرض الإسراء والمعراج وأرض الرسالات السماوية، لذلك يحاول العزف على الوتر ذاته من خلال تعزيز فكرة أن هذه هي "أرض الميعاد" و"الأرض المقدسة" وفق المنظور اليهودي.


وهذا ما تعمل عليه المدارس الدينية التي تسهم في إنتاج جيل مترابط ومتشدد، شديد الارتباط بهذه الأرض، ولا يقبل التنازل عنها … فإسرائيل لا تريد أن يبقى وجودها مرتبطاً فقط بالبعد السياسي ومنطق القوة والدعم الدولي، بل تسعى أيضاً إلى ترسيخ الارتباط الديني بالأرض".


وختم بالقول إن أحد أبرز مشاهد الصراع في المرحلة المقبلة قد يتمثل في المواجهة المباشرة بين المستوطنين المتشددين والمواطنين الفلسطينيين، وهو ما تظهر ملامحه في تصاعد محاولات تهويد المسجد الأقصى، واقتحامات المستوطنين المتكررة له، إضافة إلى الاعتداءات على المساجد في عدد من البلدات والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية .


المصدر : وكالات – مواقع تواصل - الجزيرة

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12496434
Please fill the required field.