ملفات خاصة

جزيرة ابستين: رمز الحضارة الغربية !!

جزيرة ابستين: رمز الحضارة الغربية !!

افراسيانت - حين تنفجر جريمة كبرى من وزن قضية "جيفري إبستين"، والتي أفرج عن نحو ثلاثة ملايين من مستنداتها السرية أخيرا، لا ينبغي أن تسمى باسم "إبستين" وحده، ذلك أنها تتجاوز المشاركين في ارتكابها، والذين يتوزعون في كل المؤسسات الغربية العلمية والسياسية والثقافية، وفي القصور الملكية الأوروبية، وقد تتجاوز ضحاياها – أيضا – إلى ما هو أخطر.


ان الحضارة الغربية رغم كل ما ابدعته من الانجازات المادية والانجازات العلمية والتكنةلةجية, وما ترتب عليها من رفاهية مادية, كانت وما زالت في موقع الاقتدار المدني, فلا شك انها تشهد الان انحدارا في المعايير الاخلاقية, في مقابل مضاعفة الانهماك الجامح في الاشباع الذاتي المادي الحسي للتعبير عن حقيقة حال المجتمع الغربي الذي طغت عليه قيم الاستهلاك ونزعة اشباع الغرائز بشكل مجنون, حيث ينتشر الفساد والمخدرات وجرائم الشوارع, والانجطاط الخلقي والتزييف الثقافي الذي تمارسه وسائل الفضاء المعلوماتي والاعلامي  وفي المقدمة منها التلفاز ومواقع الشبكة العنكبوتية .


لكن هذا الامر يختلف اختلافا جذريا مع ثقافة الشرق وقيمه الاخلاقية وان كان الغرب يحاول تسويق فساده وانحطاطه بوسائل متعددة.


ينطبق تعبير الغابة وان كان ذلك ظلما لسكانها , فهنالك العديد من حيوانات الغابة تتوقف عن الصيد او القتل عند احساسها بالشبع فيما لم يعد الانسان الغربي يشبع من اي شئ بعدما تملكته غريزة التملك التي كرستها ثقافة الغرب.


 مكمن المأزق ومظاهره


الحق أن نقطة الضعف الغربي إنما تكمن في المأزق الأخلاقي الذي يعيشه والتناقض بين ما يقدمه من دروس ومحاضرات عن القيم، وممارساته الفعلية، وهو مأزق يتفاقم يوما بعد يوم ويتكشف لأعداد متزايدة من المخدوعين والمنبهرين بالغرب وقيمه التي طال ما احتكرها لنفسه، وهي القيم التي لا ينقلها خارج أرضه.
على حد وصف المفكر الجزائري مالك بن نبي في مقولته المشهورة التي أثبتت الأيام صحتها وأبانت قوة ملاحظة بن نبي وصدق استشرافه وحدسه.


ولو طال بابن نبي العمر لاكتشف أن الاحتكار سمة أساسية لعالم الغرب في عالم القيم والمادة معا، بل إن الاحتكار من أهم أدواته في التحكم والسيطرة على الغير ولم تقم نهضته العمرانية والاقتصادية وتقدمه العلمي إلا على ممارسة الاحتكار على شتى الأصعدة، فهو يحتكر مصادر المعرفة وأسرار العلم والتقنيات ويصادر حق الآخرين في الحصول على ذلك بوسائل متعددة وذرائع مختلفة، كل ذلك في لبوس أخلاقي مصطنع !


ويمكن للمرء أن يعدد ما لا يحصى من شواهد التناقض والنفاق في الحديث عن القيم والأخلاق التي يمارسها الغرب في علاقته مع غيره حتى يملأ كتبا وأسفارا.


إن القيم التي نتحدث عنها هنا هي تلك المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة ونشر الديمقراطية والحكم الرشيد ومحاربة الفساد المالي والاستبداد السياسي، هذا فضلا عن السعي المعلن لتحرر الشعوب وتمكينها من تقرير مصيرها لاسترداد حريتها المسلوبة سواء كانت من الاحتلال أو من بطش المستبدين المحليين.


لقد تغنى الغرب بتلك القيم وأظهر حرصه على نشرها كقيم ومعايير كونية يقاس بها الغير قربا وبعدا من المثال الغربي، وعلى أساسها تمنح  شهادات حسن السير والسلوك للدول والمنظمات، غير أن ذلك الحرص لم يترجم بشكل عملي في دعم حركة الشعوب التواقة لتعيش في ظل تلك القيم كما تعيشها وتمارسها شعوب الغرب نفسه، بل ظل ذلك الحديث أقرب إلى ابتزاز المستبدين لتسهيل نهب الثروات واستنزاف المقدرات منه إلى مؤازرة فعلية وعملية للشعوب المقهورة، لذلك لم يتجاوز المجهود الغربي عبر السنين إصدار تقارير وبيانات دورية لحالة الحقوق والحريات فيما يسمه الدول النامية مصحوبة بتنديد مكرر بارد لا ينصر مظلوما ولا يردع ظالما.


لم تغب يوما ثقافة الاستعمار عن الغرب, وان كان يمارس الان بشكل مقنع وتحت تسميات مختلفة. فيما لم نسمع او نقرأ عن دولة استعمارية منشأها الشرق والمثال هنا ربما ينطبق على روسيا التي لم تكن دولة استعمارية باي حال من الاحوال, قد يجادل البعض بان فترة الاتحاد السوفياتي كانت تشبة فترة الاستعمار الفرنسي او البريطاني او الاسباني والبرتغالي وغيره, لكن الحقيقة ان الدول التي كانت تدور في فلم السوفيات نالت نصيبا وافرا من الحضارة المتجذرة وحافظت على قيمها الاخلاقية ولم تخضع للنهب بل شهدت عملية بناء حضاري لا تزال اثاره ماثلة للعيان .


في الواقع، إن أكبر مأزق أخلاقي واجهه الغرب هو ازدواجية المعايير في تطبيق تلك القيم، ففي حين تثور ثائرته و يستنفر لمناصرة بعض المعارضين السياسيين والحقوقيين في العالم العربي وغيره، وخاصة ممن يتقاطعون معه في التوجه الليبرالي أو يحملون جنسيات غربية، لا يحرك ساكنا عندما يتعلق الأمر بمن يتبنون المعارضة من منظور سياسي وفكري لا يتبنى الرؤية الغربية حتى وإن اضطهد هذا النوع من المعارضة وأبيد بشكل مروع.


التواطؤ مع الأنظمة والتباكي على اضطهاد الشعوب


ليس من الإجحاف القول -استنادا لشواهد التاريخ وقرائن الواقع- إن الغرب يسعى لتكريس الواقع المر للشعوب المسلوبة إرادتها، المنهوبة ثرواتها وذلك استدامة لتفوقه وبقائه سيدا لبقية العالم.


إن القرائن، بل والوقائع يدلان على تواطؤ الغرب مع الحكام المستبدين لمنع هذه الشعوب من امتلاك أدوات الاستقلال وعوامل النهوض سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو دفاعية أو علمية.


إذ أن الغرب لا يقبل ولا يستسيغ أن تأتي الانتخابات بمن لا يضمن مصالحه، وحينها لا يتردد في تأييد الانقلاب على نتائج تلك الانتخابات ولا يسمح لأي جهة ببناء قوة اقتصادية بعيدا عن هيمنته حتى وإن كانت حليفة له، أما امتلاك أدوات الدفاع الذاتي عسكريا وصناعيا أو أخذ زمام المبادرة لبناء نهضة علمية فذلك هو التمرد الذي يستحق من يحاوله الإدراج في لائحة الدول المارقة على النظام العالمي.


لا يقتصر الأمر على محاربة الزعماء في بعض الدول الذين حاولوا النهوض والاستقلال الوطنيين بعيدا عن الطريق المرسوم للأغيار! وسقف التطور والنهوض المسموح لهم به، بل إن الشعوب ذاتها عانت من "الفيتو" على مسعى التحرر ونيل الحقوق السياسية والاقتصادية بفعل تحالف الغرب والطغاة، فكما مُنعت الدول من امتلاك أدوات النهوض والتطور حيل بين الشعوب وبين وسائل التحرر من قبيل الانتخابات الحرة والنزيهة وأنواع الاحتجاج السلمي سواء كان ذلك احتجاجا على سياسات حكامها أم اعتراضا على ما يصدر من الغرب من استفزازات لدينها وقيمها.

ولعل استنكار فرنسا ممثلة في رئسها ماكرون ووزارة خارجيتها حملة المقاطعة التي استهدفتها ردا على إساءتها للإسلام و إعطائها الأوامر بالوقف الفوري لتلك الحملة – لعل في ذلك إشارة ليست فقط إلى مدى الوصاية والغطرسة لدى حكام عاصمة "الأنوار" فحسب، وإنما هو دليل آخر على مأزق التناقض الذي يعيشه القوم ووقوفهم الدائم لمنع الشعوب من استخدام أي وسيلة للانعتاق من تحكم الغرب ووكلائه.


عتاب على المجتمع المدني الغربي


والمؤسف أن ازدواجية المعايير هذه وعدم بذل فعل جاد نصرة للمضطهدين ورفعا للظلم عن المستضعفين وتكريما للمكافحين الصامدين، لا تقتصر على الجهات الرسمية الغربية بل إن قوى المجتمع المدني في الغرب ومنظمات حقوق الإنسان والهيآت المناصرة للحقوق والحريات بشقيها الحقوقي والأكاديمي ومؤسسات الإعلام العريقة ليست أحسن حالا.

فكثيرا ما لوحظ غيابها عن نصرة شعوب عالم الجنوب كما يسمونه، والوقوف ضد تواطؤ الحكومات الغربية مع الحكام المستبدين في مواجهة شعوبهم وإن تم بعض ذلك بانتقائية وبلا استمرارية؛ مما يجعل بيانات المساندة والتقارير التي تصدرها بلا فعالية حقيقة ولا تأثير ملموس في سلوك الأنظمة تجاه شعوبها.


ليس من الانصاف ولا الموضوعية إطلاق الأحكام ولا التعميم في إصدارها، لكن التناقض في سلوك الغرب السياسي اتجاه الأمم الأخرى لم يعد يحتاج تقريره لدليل فهو حقيقة موضوعية يمكن للباحث إبرازها بدون حرج ولا مجازفة كما أن ذلك لا يقتضي غمطه حقه ولا عدم الاعتراف له ببعض الفضل في جواب مختلفة.
تلك بعض مظاهر تناقض الغرب في سياساته الخارجية التي تكشفت عبر السنين أما في الداخل فقد يكون الأمر لا يقل سوء وإن بقيت الصورة النمطية للغرب العادل السباق لنجدة المظلومين والساعي لنشر قيم الديمقراطية وحقوق الانسان مهيمنة على مخيال العالم بفعل القوة التي لا يزال يتمتع بها البناء الداخلي للغرب ودوله المختلفة، بيد أن أزمة كوفيد19 في بدايتها بينت هشاشة إحدى أهم القيم التي طالما مكنت الأوربيين بالذات من إخضاع الآخرين.

تلك القيمة هي الوحدة والتماسك ومراعاة مصالح الكل الأوربي، إذ لا يزال الناس يتذكرون أيام ظهور الوباء الأولى وكيف انكفأت كل دولة منه على ذاتها وامتنعت عن تقديم العون للدول الأعضاء المتضررة أكثر من الأزمة، مثل إيطاليا وإسبانيا حتى ارتفعت أصوات شعوب هاتين الدولتين بالمطالبة بالانسحاب من الاتحاد الأوربي الذي خذلتهم دوله في أول منعطف يحتاجون فيه العون والمؤازرة، الشيء الذي شكل لأول مرة تحديا للصورة النموذجية المستقرة عن الوحدة الأوربية و استدعى سؤال استمرار الاتحاد الأوربي كقوة متماسكة ومتضامنة.

ذلك على مستوى علاقات الدول فيما بينها أما عن أزمة القيم داخل كل دولة على حدة فقد تكون أشد، ولعل ظاهرة العنصرية وكراهية الأجانب والمعاملة غير الانسانية للمهاجرين واللاجئين خاصة في الولايات المتحدة الامريكية حيث لا زال المواطنون السود يعانون من اقسى انواع العنصرية .من أبرز الأمثلة على ذلك.


من حق الغرب وساسته طبعا، السعي لتحقيق مصالحه وتكريس تفوقه واستدامة بقائه مرجعية للعالم،  لكن من المستفز أن  يكون هذا الغرب وراء كل المشاكل والكوارث التي تعرضت لها شعوب الجنوب منذ قرن وأن يعيق أي تحرك لشعوبه لاسترداد استقلالها وحريتها ثم يواصل إعطاء الدروس والمحاضرات عن قيم  وأخلاق ومفاهيم يمارس نقيضها تماما!. 


 ازمة الاخلاق المزمنة


تضرب الغرب أحياناً الأعاصير فتقتل الألاف منهم، كما تصيبهم موجات من الحر الشديد أو البرد الشديد، أو يظهر فيهم فيروس جديد لم يسبق لهم معرفة به مثل فيروس الإيدز (نقص المناعة المكتسبة) إنفلونزا الطيور وآخرها فيروس زيكا، ويصاب الغرب أحياناً بالزلازل والفيضانات، وكل هذه الكوارث الطبيعة والأخطار تمثل تهديداً للمجتمع الأوروبي، غير أن الأسرع فتكاً في أوروبا وفي الأمم والحضارات والدول هو الانحدار القيمي والأخلاقي الذي يتعارض بطبيعته مع أصل الجبلَّة الإنسانية وهو ما يهدد البقاء ويسارع عجلات السقوط وهذا ما يعانيه المجتمع الغربي اليوم.


يقول صاحب كتاب (الغرب من الداخل الدكتور/ مازن صلاح مطبقاني، وأصل الكتاب دراسات للظواهر الاجتماعية في الغرب) يقول فيه: "أروي هذه القصة التي رواها لي صديق وأستـاذ فاضل يعيش في هولندا منذ أكثر من عشرين سنة.


 وملخصها أن هذا الصديق ذهب إلى محطة وقود لملء خـزان سيارته، فوجد العامل في المحـطة مهموماً مغموماً، فسأله ما بك؟ فقال له: " لقد جاءني اثنان قبل قليل وقيداني وأخذا كل ما في الصندوق". فقال له الزبون: "وما يحزنك وشركة التأمين تتكفل بدفع ما سُرِق. قال: "ليس هذا ما يهمني، ولكن لو وجد نظام عقوبات فاعل لما أقدم هذان على فعلتهما".


وهذه القصة - وغيرها كثير - تدلنا على قمة الإفلاس القيمي الذي وصل إليه الغرب، وإذا تأملنا حولنا فلا شك أننا سندرك البون الشاسع بين التقدم الذي وصلت إليه الدول الأوروبية وبين قيمها السياسية والإنسانية المنحطة والتي تفتك بالبشرية؛ فهم بالفعل استطاعوا الوصول إلى قمة التفوق الصناعي والتجاري والعلمي ولكنهم لا يزالون في درك ومستنقع الانحطاط القيمي، المتمثل بغزو البلدان الضعيفة وترويع أهلها وإبادة مئات الألوف منهم ونهب خيراتهم وثرواتهم وتدمير ممتلكاتهم وإحراق الأخضر واليابس في ديارهم وتجريب أعتى أنواع الأسلحة الفتاكة وأحدثها فوق رؤوس الأطفال والشيوخ والنساء، وتكريس الاباحية والجنس خارج مؤسسة العائلة حيت تفكك العائلات بشكل مريع , أليس هذا قمة السقوط القيمي والانحطاط الأخلاقي؟


ولقد ظلت الكنيسة تؤيد النظام الإقطاعي، وكانت هي من أكبر المُلاك في العصور الوسطى (الأوروبية) وكان العلاقات الاجتماعية قائمة في هذا النظام؛ وهو أن للإقطاعي حقاً مقدساً يطلب بموجبه خدمات وأشياء أخرى من أتباعه.


ويعترف نيكسون بأن المحاكم الأمريكية حاولت فرض حصص تميزية على أساس العرق في القَبول في الجامعات والتوظيف والترقية، وتغاضت عن التمييز في إشغال الوظائف العامة والقطاع الخاص وإبـرام العقود مع الحكومة، وهو ما جعل الجامعات وبعض الوظائف تقبل بالأقل كفاءة لتغطية الحصص الخاصة بالأعراق.


ويقول مأمون فندي في كتاب "الجذور الثقافية للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه العرب والمسلمين" في 1996م وقد ظهرت العنصرية الغربية بوضوح في الصومال حيث مارست القوات الإيطالية والدنماركية وغيرها من القوات الأوروبية ألواناً من التعذيب ضد الصوماليين العزل ومن العجيب أن هؤلاء كانوا ضمن قوات دولية أُطلق عليها (إعادة الأمل)؛ فأي أمل كان؟


ومن الانحطاط القيمي ما يمارسه الأوربيون بحق غيرهم لا سيما السجناء في معتقلاتهم ولا تزال فضيحة سجن أبو غريب في العراق هي العنوان الأبرز لذلك الانحطاط وستبقى ذكراه صرخة مدوية وعالقة في أذهان الجميع، ولا يكاد يشك أحد من المتابعين في أن هذا الانحطاط ممنهج ولم يكن صدفة من المصادفات، وقد وردت في هذا الموضوع تقارير عن حدوث ممارسات تعري قسرية في مراكز اعتقال في أفغانستان وخليج غوانتانامو في كوبا؛ إلا أن ما حدث في سجن أبو غريب كان الأكثر بشاعة وشناعة طبقاً للمقابلات التي تمت مع ضحايا تلك الأعمال المشينة ومن تقارير مجموعات لحقوق الإنسان ووفقاً لشهادات من معتقلين وجنود.


هذه بعض الدلائل التي تدل على سريان الانحطاط والفساد القيمي في المجتمع الغربي كسريان النار في الهشيم، ولو تحدثنا عن فساد القيم والأخلاق داخل المجتمعات الاوربية وحشدنا الشواهد على ذلك ونقلنا اعترافاتهم وعددنا نسب جرائم العنف القتل والخطف والاغتصاب والشذوذ والعنوسة والطلاق والاتجار بالبشر والانتحار وكل ما يدل على فساد القيم من ميل وانحراف عن الفطرة لما اتسع المجال لذلك وقد نُشرت في هذا كثير من الأبحاث والدراسات يمكن للباحث الرجوع إليها، ويكفينا لإثبات هذا الانحطاط القيمي شهادات بعض الغربيين من مفكرين وباحثين وقادة؛ فالجميع يدرك أن التقدم في الجانب المادي وحده لا يكفي للنهوض والقيام، ويقررون أنه لا بد من العودة إلى القيم والأخلاق لذلك يقول جيمس بترسون وبيتر كيم: إن 80 % مـن الأمريكيين يؤيدون تدريس المبادئ والقيم الأخلاقية في المـدارس الأمريكية، ويعتقد الكثيرون أن الانحطاط الأخلاقي هو المشكلة التي تعاني منها البلاد.لكن ذلك لن يحدث.


حين تنفجر جريمة كبرى من وزن قضية "جيفري إبستين"، والتي أفرج عن نحو ثلاثة ملايين من مستنداتها السرية أخيرا، لا ينبغي أن تسمى باسم "إبستين" وحده، ذلك أنها تتجاوز المشاركين في ارتكابها، والذين يتوزعون في كل المؤسسات الغربية العلمية والسياسية والثقافية، وفي القصور الملكية الأوروبية، وقد تتجاوز ضحاياها – أيضا – إلى ما هو أخطر.


تثير "فضيحة الحضارة الغربية" علامات استفهام كثيرة، وتدفع الجميع لسؤال حول ما إذا كان ما ظهر هو الوجه الخفي لمنظومة لا أخلاقية لم يكن بسطاء الناس يرونه، أم أننا أمام تحوّل تاريخي غير طبيعة الأخلاق نفسها؟


وتشير "قنبلة الجرائم النووية" المسماة بـ "فضيحة جيفري إبستين" إلى مئات أو آلاف الجرائم التي ارتكبت أمام أعين الأجهزة الرقابية والقضائية لسنوات طوال، وهو ما يدفع بالسؤال إلى المقدمة حول كيفية استمرارها داخل المنظومة الأخلاقية الغربية.


وقد قدم المشروع الحداثي الغربي للعالم بوجهه الأخلاقي أولا، ثم جاء الجانب التقني بعد ذلك. وكان في القلب من ذلك المشروع فكرة أن الإنسان هو مركز القيمة. استلهم الغرب جون لوك الذي كتب عن الحقوق الطبيعية التي تسبق السلطة، وأكد أن وظيفة الحكم هي حماية الفرد وحريته.


وبلور إيمانويل كانط فكرة أن الغاية هي الكرامة الإنسانية، وأن الأخلاق تنبع من واجب احترام الإنسان لكونه إنسانا. أما جون ستيوارت ميل فوضع الحرية شرطا لازدهار الحقيقة.


من هذه الخلفية الفلسفية، رسمت صورة وردية لمنظومة أخلاقية تعد بالشفافية، وتفاخر بسيادة القانون، وتقدم أبرز مميزاتها وهي قدرتها على تصحيح أخطائها من الداخل.


ولم يكن ما قدمه المفكرون الغربيون مجرد رسائل أكاديمية، تحولت إلى ثقافة عامة في التعليم والإعلام والأدب، وفي الخطاب السياسي فقط، وإنما ترجمت إلى شعارات من نوع "لا أحد فوق القانون" و"المؤسسات أقوى من الأفراد". وقد اعتبر ذلك وعدا وأفقا ينبغي السعي إليه.


وبعد مرور أقل من عشرين عاما من القرن العشرين، تبخر الوعد. وجاءت التحولات الكبرى في صورة حربين عالميتين، وصعود لأنظمة شمولية. ثم أطلت الحرب الباردة لتزاوج خطاب القيم مع منطق القوة.


انتهت الحرب الباردة، لتهجم النيوليبرالية، ويتعاظم نفوذ المال، ويتبدل وزن الدولة أمام السوق، وتبدأ الحدود بين الأخلاقي والنافع في التآكل.


تحالف المال والمعرفة


منح المشروع الغربي المعرفة سلطة أخلاقية شبه مطلقة منذ كتب فرانسيس بيكون عبارته الشهيرة "المعرفة قوة"، ولم تكن "القوة" هنا سوى تلك القدرة على تنظيم العالم وتحسين شروط الحياة.


لذلك اكتسبت الجامعة والمعمل ومراكز البحوث مكانة رمزية عالية، كجهات لا تنتج الحقيقة فقط، بل تمنح شرعية أخلاقية لمن يقترب منها. وكان للمال، في هذا السياق، وظيفة واحدة، وهي "الدعم"، ولم يقدم ذلك الدعم في الخطاب العام كأداة لاكتساب النفوذ أو السيطرة.


لم يكن وجود المال قرب المعرفة هو الكارثة، وإنما سهولة تحول "الدعم" إلى تلميع للداعم، وخاصة حين يصبح التمويل مصحوبا بلغة إنسانية راقية، وحين تغلف العلاقات بشعارات "دعم العلم" و"خدمة الإنسانية".


تكمن المعضلة في أن لغة القيم نفسها تستدعى لتجميل السلطة، وتستخدم مفردات مثل "التقدم"، "الابتكار"، "الإنسانية" كدروع رمزية. وكما كتب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، فإن رأس المال الرمزي قادر على "تحويل القوة إلى شرعية، والهيمنة إلى قبول".


ولو كشفت الفضيحة عن سوء استخدام المعرفة، لكان الأمر أهون كثيرا، ولكنها كشفت عن تآكل قدرتها على النقد حين اندمجت داخل شبكة نفوذ تتقن لغة الأخلاق.


لماذا صمت من صمت؟ وكيف تحوّل الصمت إلى سلوك مفهوم، وعقلاني، داخل منظومة تزعم الدفاع عن القيم؟ إنه ما يحدث حين تنتقل الأخلاقيات إلى دور بسيط، وهو تزيين جبين السلطة.


من الصدمة إلى الشك


لم تكن الصدمة الأولى التي أحدثتها قضية "جيفري إبستين" صدمة أخلاقية خالصة، بل صدمة سردية. فالجمهور الذي تربى طويلا على قصة جاهزة عن عالم تحكمه مؤسسات شفافة وقانون لا يميز بين الأفراد، وجد نفسه أمام وقائع لا تنسجم مع الحكاية التي يعرفها، ليسأل كل منهم نفسه: كيف لم أره؟


يعتمد الخطاب الثقافي الغربي على طمأنة الجمهور بأن الانحرافات الفردية، مهما كانت فادحة، ستصحح داخل المنظومة.


وكما كتب الفيلسوف بول ريكور في حديثه عن السرد والهوية، فإن المجتمعات تحتاج إلى "قصص قابلة للتصديق" لتحافظ على تماسكها الأخلاقي. لكن حين تتكرر الوقائع التي لا تجد خاتمة مقنعة، تتحول الصدمة إلى شرخ في الثقة بالسرد نفسه.


في السنوات التي تلت انكشاف القضية، عبّر صحفيون ومراقبون غربيون عن هذا التحول بوضوح. وكتب أحد معلقي نيويورك تايمز أن ما جرى لم يكن "فشلا لشخص أو مكتب ادعاء"، بل "انهيارا لفكرة أن النظام يعمل تلقائيا حين يختبر".


أما في الغارديان، فقد ورد توصيف لافت بأن القضية تركت شعورا عاما بأن "العدالة موجودة كإجراء، ولا يبدو أنها تمثل يقينا أخلاقيا الآن". هذه العبارات لا تعبر عن غضب عابر، بل عن انتقال نفسي وثقافي من الثقة إلى الريبة.


ويبدأ الشك حين يدرك الجمهور أن اللغة التي اعتاد سماعها، لغة الشفافية والمساءلة، لا تفسر ما يراه. وهو ما حذر منه عالم الاجتماع زيغمونت باومان، حين كتب أن الحداثة المتأخرة تنتج حالة من "اللايقين الأخلاقي"، حيث تظل القواعد قائمة، لكن الثقة في عدالتها تتآكل.


وفي هذا المناخ، لا يعود الفشل استثناء، بل إشارة إلى خلل أعمق في الرواية الجامعة. وهذا الشك لا يتخذ دائما شكل احتجاج صاخب، ولكن يتسلل ببطء إلى وعي الجمهور، ويتحول إلى مسافة باردة من الخطاب الرسمي.


يتجلى ذلك في سؤال بسيط وساخر واستنكاري، يتكرر في التعليقات والتحليلات حول الشعور بالمفاجأة "في كل مرة" وهو اعتراف ضمني بأن السردية لم تعد تقنع، وأن ما كان يعد انحرافا صار يقرأ كاحتمال وارد.


وفي هذه اللحظة، تصبح الفضيحة لحظة كشف ثقافي وليس مجرد فشل أخلاقي أو انحراف فردي. فهي تظهر كيف يمكن لمنظومة أن تحافظ على لغتها القيمية فيما تفقد قدرتها على إقناع جمهورها بها.


كتبت حنة آرندت في سياق آخر أن أخطر ما يواجه المجتمعات الحديثة ليس الكذب، بل "اللامبالاة تجاه الحقيقة". من هنا، لا يمثل الشك نهاية القصة، بل بداية مرحلة يصبح الشك فيها هو الأصل حول التصور الذي ألفناه عن أنفسنا.


القيم في خدمة المال


إذن، هي لحظة التقاء بين واقع فاضح ونقد فلسفي قديم حذر من هشاشة ادعاءات الحداثة. فقبل عقود من أي فضيحة، نبه فلاسفة إلى أن المشروع الحداثي، وهو يعد بالعقلانية والتحرر، يحمل في داخله قابلية للانحراف حين تتحول القيم إلى أدوات إدارة.


وكتب ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو في كتابهما "جدل التنوير" أن التنوير، وهو يسعى لتحرير الإنسان من الخرافة، قد ينقلب إلى عقل أداتي يختزل القيم في النفع والسيطرة.

في هذا المنظور، لا تلغى الأخلاق صراحة، بل تعاد صياغتها لتخدم النظام، ليصبح الشعار الأخلاقي جزءا من الآلية، وليس معيارا لمحاسبتها.


وسع ميشيل فوكو هذا النقد حين رأى أن السلطة الحديثة لا تعمل بالقمع المباشر، بل عبر إنتاج خطاب يبدو معقولا، وإنسانيا، ومتقدما. وهي الحالة التي لا تحتاج، خلالها، تلك المنظومة إلى إخفاء تناقضاتها، فيكفيها أن تديرها لغويا، وتستمر "اللعبة" بشكل دائري متكرر في المؤسسات وبين الأفراد.


دافع يورغن هابرماس عن إمكانية إنقاذ الحداثة، لكنه حذر من خطر "استعمار عالم الحياة" حين تهيمن الأنظمة الاقتصادية والإدارية على الفضاء الأخلاقي والتواصلي.


حينها، تفقد القيم قدرتها النقدية، وتتحول إلى إجراءات تدار بدل أن تناقش. هذه الفكرة تضيء لحظة ما بعد الصدمة، فالقضية لا تقابل بحوار عام يعيد بناء الثقة، بل بسلسلة إجراءات تغلق الملف دون استعادة المعنى.


وفي تشخيص أكثر قتامة، كتب زيغمونت باومان عن "الحداثة السائلة" التي تذوب فيها المعايير، فلا تعود الأخلاق إطارا ثابتا، بل خيارا ظرفيا.


في مثل هذا العالم، لا يكون السؤال عن المخطئ، بل عن من يملك القدرة على الإفلات، وهنا يتلاقى النقد الفلسفي مع التجربة الثقافية للجمهور، الذي يرى أن القيم قائمة في الخطاب، متحركة في التطبيق.


لا تقرأ فضيحة "إبستين" كخرق مفاجئ لمشروع حداثي سليم، ولكنها أزمات حذر منها فلاسفة، وهي أزمات تؤكد أن ما انهار ليس الأخلاق، بل الثقة في قدرتها على الصمود حين تدار بمنطق النفوذ. ومن هنا، يتحول الشك العام من ردة فعل عاطفية إلى موقف ثقافي واع من الحداثة.


لم يعد خطاب التفوق الأخلاقي أداة لتقويم الحداثة، بل وسيلة دفاع عنها. تستدعى القيم لتقليص أثره الرمزي، وإقناع الجمهور بأن "المنظومة تعمل"، حتى حين تتكاثر الأدلة على عكس ذلك. هذا ما وصفه زيغمونت باومان حين رأى أن المجتمعات الحديثة تعيش أزمة في سهولة التعايش مع تناقضها.


لا يُغرينّك ما وصلت له أوروبا اليوم من رقي سياسي واجتماعي واقتصادي – ظاهرياً – فهناك ما تخفيه هذه الحضارة من دموية مفرطة وعنصرية مقيتة تحمل توقيع استعلاء الرجل الأبيض.

التوقيع الذي ورثه الغرب اليوم عن حضاراته السابقة وهو يُشكّل التوجّه السياسي والشعبوي للأمّة الغربية. المتابع بوعي لمسيرة الغرب المُعاصر يجد أنّها جنين مشوّه لحضارات سبقتها والتي كانت تسعى للتخلّص من أي حضارة مقاربة لها ولا تقبل بما يُسمّى بحوار الحضارات كما يروج البعض في غفلة عن التاريخ البائس والواقع المتلوّن حضارة لا تقبل سواها متنفّذاً وصاحب السلطة المطلقة.

القارئ المُتنبّه للتاريخ يرى انفراد الحضارة الغربية عبر تاريخها الطويل بالإقصائية التي لا ترى الآخر من منظور تشاركي بقدر ما تراه منافسا لدوداً وعدواً محتملاً. والتاريخ شاهد لا يكذب. 

ترى ذلك واضحاً عند وصول الأوروبيين لأستراليا مثلا إذ لم يبقى فيها سوى آثار من الشعوب الأصلية حتى باتوا يدرسونهم على أنّهم فلكلور وانثروبولوجيا.

يُمكنك قول ذلك عن الهنود الحمر في أمريكا عندما تم إبادتهم إبادة تامّة ودموية وعن العبودية والعنصرية يُمكن أن تقراً مئات التقارير التي تتحدّث عن عدد الأفارقة الذين تم استعبادهم ونقلهم من إفريقيا إلى أمريكا يُقال أنّهم وصلوا لأكثر من 13 مليون شخص.

واقرأ تاريخ الإبادة التي تعرّض لها المسلمون الأندلسيون على يد الحضارة الأوروبية في محاكم التفتيش لتكتشف بما لا يدع مجالاً للشك بأنّها حضارة قامت على الدماء والإقصاء وطرد الآخر.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12443257
Please fill the required field.