افراسيانت - نرصد في جولة عرض الصحف موضوعات تتناول تأثير الحرب الإيرانية على طموح دول الخليج في تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط، ودعوة أوروبا إلى الاقتداء بنهج الصين للخروج من أزمتها الحالية.
نبدأ جولتنا بصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية ومقال رأي كتبه إيفان هالبر وراشيل شاسون بعنوان "الحرب في إيران تهدد طموح الخليج في تأسيس اقتصاد يتجاوز الاعتماد على النفط"، ويستهله الكاتبان بالتأكيد على أن حرب إيران أصبحت اختباراً لمستقبل الاقتصادات طويلة الأجل في دول الخليج الثرية، التي رسّخت مكانتها بوصفها مراكز مالية عالمية، وتسعى بصورة متزايدة إلى ترسيخ حضورها كمحاور سياحية وقوى تكنولوجية كبرى.
ويرى الخبراء، بحسب المقال، أنه حتى وإن نجحت الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، ذلك الممر الملاحي الحيوي، فإن النزاع سيترك آثاراً عميقة على الخطط الاقتصادية لمنطقة الخليج.
ويلفت الكاتبان إلى أن نقاط الضعف الأمنية، إلى جانب الطبيعة الجغرافية المعقدة التي ألقت بظلال قاتمة على مستقبل اقتصاد الوقود الأحفوري في المنطقة، باتت تهدد القطاعات الناشئة أيضاً، كما أن احتمالية إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز في أي لحظة من شأنها زعزعة ثقة المستثمرين الأجانب وتقويض سمعة دول الخليج باعتبارها ملاذات آمنة للأعمال.
ويرى الكاتبان أن الاضطرابات التي طالت الاقتصادات الآسيوية التي تواجه بالفعل نقصاً حاداً في الوقود، وإغلاق المصانع، والارتفاعات الهائلة في أسعار الأسمدة نتيجة تعطّل الملاحة في المضيق، تدفع القادة هناك لإعادة تقييم اعتمادهم التجاري على دول الخليج.
ويقول الكاتبان إن المؤسسات المالية بدأت أيضاً التشكيك في جدوى تعزيز عملياتها في منطقة قد تتحول فيها مقارها إلى أهداف لضربات الطائرات المسيّرة، فضلاً عن شركات التكنولوجيا التي تواجه خطر خسارة التمويل الحكومي الذي يدعم مشروعات مراكز البيانات العملاقة.
ويزداد المشهد غموضاً يوماً بعد يوم، بحسب المقال، في ما يتعلق بإمكانية استعادة عائدات النفط والغاز، التي لا تزال ضرورية لتمويل عملية التحول الاقتصادي في المنطقة، في حين سارعت الدول المتضررة من صدمات الأسعار الناتجة عن الحرب إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة، وهو ما قد يؤدي بصورة دائمة إلى تقليص الطلب العالمي على النفط والغاز.
ويرى الكاتبان أن تأثير الأزمة لا يقتصر على الشركات الأجنبية فحسب، ففي الكويت، تكشف تداعيات الحرب أن نظام الكهرباء شبه المجاني، الذي اعتاد عليه المواطنون وقطاع الأعمال، قد يكون غير قابل للاستدامة، بعد أن بدأت انقطاعات الكهرباء تنتشر نتيجة زيادة الطلب على الطاقة مقارنة بالإمدادات، بينما تتردد الحكومة في إنشاء محطات جديدة بسبب التكلفة الباهظة لدعمها.
ويختتم الكاتبان، إيفان هالبر وراشيل شاسون، مقالهما بالإشارة إلى أن الأزمة الراهنة ستدفع بعض دول الخليج أيضاً إلى إعادة النظر في سياسات الدعم السخي والخدمات المجانية التي تُعد من السمات البارزة للمنطقة، فضلاً عن التحديات والضغوط الشديدة التي تنتظر قطاعات السياحة والعقارات، التي تشكل مصدر فخر لقادة الخليج.
"هل تقتدي أوروبا بالصين؟"
ننتقل إلى صحيفة الغارديان البريطانية ومقال رأي كتبه مارك ليونارد بعنوان "ينبغي لأوروبا أن تنتهج أسلوباً شبيهاً بالصين إذا أرادت الصمود في عصرنا المضطرب"، يستهله بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل أشعلتا الحرب في إيران، بيد أن الصين وأوروبا، باستثناء الأطراف المنخرطة مباشرة في الصراع، هما الأكثر عرضة لتحمل تبعاتها.
ويقول الكاتب إنه بينما يقف القادة الأوروبيون في حالة ذهول جرّاء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، تعاملت الصين مع الأزمة بقدر لافت من الهدوء والثقة، ويعود ذلك، بحسب الكاتب، إلى أن الصين كانت أكثر استعداداً لما وصفه بـ"عصر اللانظام"، وهو مفهوم لا يعني مجرد الفوضى التي تُخرق فيها القواعد، بل يشير إلى عالم فقدت فيه القواعد نفسها قيمتها وأهميتها.
ويلفت الكاتب إلى أنه في حين انشغلت حكومات أوروبا بالحفاظ على النظام العالمي القائم، كانت الصين تعكف على وضع خطة للتكيف مع عالم تسوده الفوضى، وهو ما أدركته بكين قبل نحو خمسة عشر عاماً.
ويفسر الكاتب أنه عندما اعتمدت أوروبا على حلف الناتو في أمنها، وعلى منظمة التجارة العالمية في تنظيم تجارتها، وعلى روسيا ودول الخليج في الحصول على طاقتها، كانت الصين تعمل بهدوء على تخزين النفط والغذاء وأشباه الموصلات، وتعزيز سيطرتها على الأسواق العالمية للمعادن النادرة والمعادن الاستراتيجية وتقنيات المستقبل.
ورغم انشغال العالم بالمشهد السياسي للولايات المتحدة في عهد ترامب، يتمثل الخطر الأكبر على المدى الطويل، وفقاً للكاتب، في احتمال نجاح الصين في التفوق على أوروبا اقتصادياً، وإضعاف دفاعاتها، وتفكيك قاعدتها الصناعية، وجعلها أكثر عرضة للضغوط والابتزاز.
أما فيما يتعلق بصناعات المستقبل، فإن النقص في الوقود الأحفوري الناتج عن حرب إيران يدفع الأوروبيين إلى إعادة إحياء اهتمامهم بالتحول نحو الطاقة النظيفة، بيد أن العناصر الأساسية لهذا التحول، من بطاريات وسيارات كهربائية وألواح شمسية، وحتى سلاسل توريد طاقة الرياح تسيطر عليها شركات صينية بدرجة كبيرة.
كما يرى الكاتب أن شروع أوروبا في عملية إعادة تسلح واسعة لمواجهة مزاعم التهديدات الروسية المتصاعدة، جعلتها معتمدة على الصين، أكبر شريك تجاري لروسيا، للحصول على التقنيات الضرورية لهذا التسلح، إذ إن 80 في المئة من سلسلة توريد الطائرات المسيّرة عالمياً صينية الصنع، فضلاً عن اعتماد الاتحاد الأوروبي على الصين في توفير 97 في المئة من احتياجات المغنيسيوم، العنصر الأساسي في تصنيع الطائرات المقاتلة والدبابات وبعض أنواع الذخائر.
ويقول الكاتب إن أوروبا، لكي تتجنب مستقبلاً تصبح فيه أكثر فقراً وأقل قدرة على الدفاع عن نفسها، بحاجة إلى امتلاك إرادة مستقلة وقدرة على التصرف في عالم فقد قواعده المستقرة، وهذا يتطلب منها التصرف بطريقة أشبه بالصين، وربما استخدام بعض الأساليب التي اعتادت بكين نفسها توظيفها.
ويرى الكاتب أن أوروبا مطالَبة اليوم بهذا النهج لأن النافذة الزمنية المتاحة قبل أن تخسر صناعاتها المنافسة أمام الصين بصورة دائمة تضيق بسرعة كبيرة، لذا ينبغي للأوروبيين وقف تدفق رؤوس أموالهم إلى الولايات المتحدة، وتوجيهها بدلاً من ذلك نحو استثمارات ضخمة في التكنولوجيا الخضراء، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية.
ويختتم الكاتب مارك ليونارد مقاله مشيراً إلى أن حكومات أوروبا، عندما تبدأ في التركيز على كيفية النجاة في عالم تسوده الفوضى بدلاً من الاكتفاء بمحاولة الحفاظ على النظام القائم، ستكون أكثر قدرة على مواجهة التهديدات المتعددة التي يفرضها "عصر اللانظام".

