افراسيانت - تقول “القدس العربي” انها اطلعت على نسخة كاملة من مذكرة شكوى قدّمتها محامية سابقة في وزارة العدل الأمريكية، تكشف عن «تجاوزات قانونية وسوء إدارة وهدر للمال العام وإساءة استخدام للسلطة» خلال تحقيقات أجرتها إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن مزاعم معاداة السامية في جامعات كولومبيا وبراون وهارفارد.
وقدّمت المحامية السابقة في قسم الحقوق المدنية بوزارة العدل، هالي فان إيرم، إفادتها باعتبارها «مبلّغة عن مخالفات»، عبر مشروع المساءلة الحكومية (Government Accountability Project)، إلى مكتب المستشار الخاص وهيئات المفتشين العامين في وزارتي العدل والصحة والخدمات الإنسانية.
وتكشف الوثيقة، التي حصلت عليها “القدس العربي”، تفاصيل عن الضغوط التي تعرّض لها محامون حكوميون خلال التحقيقات، وما تصفه المبلّغة باستخدام التمويل الفيدرالي وسيلة للضغط على الجامعات، إلى جانب تساؤلات بشأن استهداف أنشطة واحتجاجات متضامنة مع فلسطين.
وتقول الإفادة، المؤرخة في 17 أغسطس/ آب 2026، إن مسؤولين كباراً في وزارتي العدل والصحة ابتعدوا عن الإجراءات المتبعة في تحقيقات «الباب السادس» من قانون الحقوق المدنية، ما أضرّ بضمانات الإجراءات القانونية الواجبة ودقة التحقيقات، وحوّلها، بحسب المحامية، إلى أدوات لتنفيذ أولويات سياسية بدلاً من إنفاذ قوانين الحقوق المدنية على أساس الأدلة.
إعادة توظيف محامين للتحقيق في الجامعات
بدأت إدارة ترامب في 3 فبراير/ شباط 2025 تشكيل قوة عمل مشتركة لمكافحة معاداة السامية، بمشاركة وزارات العدل والصحة والتعليم، بهدف معلن هو التصدي للتحرش المعادي للسامية في المدارس والجامعات.
وبعد ذلك بأسابيع، أُعيد تكليف عدد من المحامين المهنيين في وزارة العدل، بينهم فان إيرم التي أمضت قرابة عشر سنوات في الوزارة، للعمل مؤقتاً مع مكتب الحقوق المدنية في وزارة الصحة على تحقيقات تتعلق بجامعات كولومبيا وبراون وكورنيل وهارفارد.
وتقول الإفادة إن المحامين أُبلغوا بالتكليف بصورة مفاجئة، رغم ارتباطهم بقضايا أخرى، وإن إعادة توزيعهم أضعفت العمل في ملفات قائمة، من بينها قضايا تتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وتؤكد فان إيرم أن فريق المحامين كان يتوقع أن تعتمد أي إجراءات عقابية على تحقيقات شاملة وأدلة موثقة، إلا أنه واجه، وفق إفادتها، ضغوطاً متزايدة لإنجاز التحقيقات خلال فترات زمنية قصيرة للغاية.
«النتائج كانت محددة مسبقاً»
أخطر ما تتضمّنه الإفادة هو اتهامها مسؤولين في الإدارة بأن نتائج بعض التحقيقات كانت محددة مسبقاً قبل جمع الأدلة وتحليلها.
وتقول فان إيرم إن فريقها وجد في بعض الحالات أساساً واقعياً ضعيفاً لفتح التحقيقات، وإن الاعتراضات القانونية التي قدّمها المحامون لم تؤخذ بجدية، بل تعرّض بعضهم للتوبيخ عندما أثاروا تساؤلات بشأن الأساس القانوني للتحقيقات أو الإجراءات المتبعة.
فان إيرم: بدلاً من السير وفق التسلسل المعتاد ــ جمع الأدلة ثم تحليلها ثم تحديد ما إذا كان هناك انتهاك ــ بدت التحقيقات في بعض الحالات وكأنها تعمل بصورة عكسية، بحيث يجري البحث عن وقائع يمكن استخدامها لدعم تسويات أو نتائج كانت الإدارة تسعى إليها مسبقاً.
وتشير الإفادة إلى أن التحقيقات، بدلاً من السير وفق التسلسل المعتاد ــ جمع الأدلة ثم تحليلها ثم تحديد ما إذا كان هناك انتهاك ــ بدت في بعض الحالات وكأنها تعمل بصورة عكسية، بحيث يجري البحث عن وقائع يمكن استخدامها لدعم تسويات أو نتائج كانت الإدارة تسعى إليها مسبقاً.
كولومبيا.. تجميد مئات الملايين قبل اكتمال التحقيق
في 7 مارس/ آذار 2025، أعلنت الإدارة إلغاء نحو 400 مليون دولار من المنح والعقود الفيدرالية الممنوحة لجامعة كولومبيا، على خلفية اتهامات تتعلق بعدم التصدي بما يكفي لما وصفته الإدارة بالتحرش المستمر بالطلاب اليهود.
لكن الإفادة تقول إن محامي وزارة العدل الذين كُلفوا لاحقاً بالتحقيق لم يجدوا في البداية أدلة كافية على وجود انتهاك لقانون «الباب السادس» في كلية الطب بالجامعة.
وبحسب فان إيرم، توسع التحقيق لاحقاً من كلية الطب إلى الجامعة بأكملها بدلاً من إغلاقه، بعد أن أقرّ مسؤولون في مكتب الحقوق المدنية بوزارة الصحة بأن الأدلة التي جُمعت حتى ذلك الوقت قد لا تكفي لإثبات مخالفة.
وتضيف أن مسؤولاً في وزارة الصحة أبلغ المحامين بأن الهدف كان إكمال التحقيق خلال 45 يوماً من خلال التركيز على أخطر الادعاءات، وهو ما اعترض عليه المحامون، معتبرين أن الفترة غير كافية لمراجعة حجم الأدلة المطلوبة وإثبات انتهاك قانون «الباب السادس».
كما تقول إن مسودة النتائج المتعلقة بكولومبيا أُرسلت إلى المحامين للمراجعة في وقت ضيق للغاية، ومنحتهم ساعات قليلة فقط لتقييم وقائع كان يمكن أن تُستخدم لتبرير تعليق مئات الملايين من الدولارات.
وأشارت فان إيرم إلى أن أجزاء من المسودة تضمّنت أنشطة محمية بموجب التعديل الأول للدستور، مثل الاحتجاجات والتعبير السياسي، وحذّرت من اعتبار هذه الأنشطة بحدّ ذاتها أساساً لانتهاك قانون الحقوق المدنية.
براون.. تحقيق لم يجد انتهاكاً ثم رفض إغلاقه
تقدم قضية جامعة براون المثال الأبرز في الإفادة. فبعد إجراء مقابلات مع شهود ومراجعة وثائق، خلص فريق المحامين إلى أنه لم يجد أدلة كافية لإثبات انتهاك لقانون الباب السادس.
ووفق الإفادة، حدد المحققون حادثتين يمكن ربطهما بالتحقيق: رسالة تهديد أُرسلت إلى منظمة «هيلل» الطلابية اليهودية، وتم التعرف على صاحبها وفصله واتخذت الجامعة إجراءات أمنية إضافية؛ واحتجاج شارك فيه أعضاء من منظمة «طلاب من أجل العدالة في فلسطين» خارج كلية الطب.
وترى الإفادة أن استجابة براون للحادثتين كانت سريعة وفعالة، وهو ما لا يتوافق، بحسب المحامين، مع معيار «اللامبالاة المتعمّدة» المطلوب لإثبات مسؤولية المؤسسة بموجب الباب السادس.
بل تنقل الإفادة عن مسؤول في وزارة الصحة قوله إن إثبات اللامبالاة المتعمّدة في قضية براون يبدو «صعباً للغاية».
ومع ذلك، تقول فان إيرم إن القيادة رفضت السماح بإغلاق التحقيق وإصدار إشعار يفيد بعدم وجود مخالفة.
وبحسب الإفادة، قال المسؤول دانيال شيا للمحامين إن المسؤولين الأعلى «لن يقبلوا» إغلاق قضية براون بهذه النتيجة، مضيفاً أن «كل شيء مرتب وفق تسلسل معين».
وتفسر فان إيرم ذلك باعتباره مؤشراً على أن التحقيقات لم تكن تتحرك وفق الأدلة، وإنما ضمن استراتيجية سياسية أوسع تهدف إلى استخدام جامعة كبرى كنموذج للضغط على جامعات أخرى لقبول تسويات.
اتهامات باستهداف أساتذة دراسات الشرق الأوسط
تتضمّن الإفادة أيضاً اتهامات مثيرة للجدل بشأن مقابلات أجريت أو كان مخططاً لإجرائها مع أساتذة في دراسات الشرق الأوسط، ولا سيما الأساتذة المسلمين.
وتقول فان إيرم إن أحد المسؤولين أوضح خلال اجتماع أن الهدف من مقابلة أحد الأساتذة لم يكن بالضرورة «الحصول على معلومات»، وإنما معرفة «ما سيقوله».
فان إيرم نقلا عن مسؤول في إدارة ترامب: الهدف من مقابلة أحد الأساتذة لم يكن بالضرورة «الحصول على معلومات»، وإنما معرفة «ما سيقوله»
ورأت المحامية وفريقها أن ذلك قد يعني البحث عن تصريحات يمكن وصفها بأنها معادية للسامية، بدلاً من التحقيق في واقعة محددة.
وتقول الإفادة إن المحامين اعترضوا على إدراج أساتذة لا صلة واضحة لهم بشكاوى تتعلق بمعاداة السامية، كما اقترحوا التحقيق في مزاعم التحيّز ضد المسلمين لضمان اتساق تطبيق قانون الباب السادس، لكن هذه المقترحات لم تُتابع.
كما تشير الإفادة إلى أن محامياً في مكتب الحقوق المدنية بوزارة الصحة قال إنه متأكد بنسبة 99 في المئة من عدم وجود شكاوى تتعلق بانتهاكات الباب السادس ضد براون في نظام الشكاوى لدى الوكالة.
الأموال الفيدرالية كأداة ضغط
وتتهم الإفادة مسؤولين باستخدام التمويل الفيدرالي كورقة ضغط على الجامعات لإجبارها على قبول تسويات.
وتنقل عن شيا قوله، خلال اجتماع، إن «الهدف هو الامتثال، لكن سحب الأموال هو الأداة»، كما تنقل عنه قوله إن استعادة الأموال بعد دفعها تكون صعبة، ولذلك ينبغي سحب التمويل إذا اعتقد المسؤولون أن أمراً ما «سيصبح مشكلة».
وتقول الإفادة إن مسؤولين بحثوا أيضاً عن استخدام سلطات أخرى لسحب العقود أو المنح، بعيداً عن الإجراءات المحددة في قانون الباب السادس، الأمر الذي اعتبره المحامون محاولة للالتفاف على الضمانات القانونية المفروضة قبل وقف التمويل بسبب انتهاكات الحقوق المدنية.
وتشير الوثيقة إلى أن محاكم اتحادية رفضت لاحقاً، في قضايا مرتبطة بجامعات، محاولات الإدارة استخدام سلطات عامة لوقف التمويل عندما يكون الدافع الفعلي مرتبطاً بادعاءات التمييز بموجب الباب السادس، معتبرة أن القانون يفرض إجراءات محددة قبل قطع التمويل.
هارفارد.. شروط تسوية «استثنائية»
تقول الإفادة إن وزارة الصحة كانت تسعى أيضاً إلى إبرام تسوية مع جامعة هارفارد تضمّنت شروطاً واسعة، من بينها ترتيبات مع الشرطة، وتعيين مسؤول للإشراف على المناهج، وإنهاء برامج التنوع والمساواة والشمول، ووضع أموال من وقف الجامعة في صناديق يمكن للحكومة الاستيلاء عليها، إضافة إلى استثمارات في برامج داخل إسرائيل.
وتؤكد فان إيرم أن هذه الشروط لم تكن، بحسب ما اطلعت عليه، مرتبطة بنتائج محددة تثبت انتهاكات لقانون الباب السادس.
كما أثارت مخاوف بشأن التعديل الأول للدستور، خصوصاً ما يتعلق بإشراف الحكومة على المناهج الدراسية.
وبعد انهيار المفاوضات، رفعت هارفارد دعوى قضائية ضد إدارة ترامب في أبريل/ نيسان 2025، طعنت فيها في قانونية مطالب الإدارة وإجراءات تجميد التمويل.
وتعتبر الإفادة أن الدعوى عززت المخاوف القانونية التي كان المحامون قد أثاروها داخلياً بشأن طريقة إدارة التحقيقات.
اتهامات بإساءة استخدام السلطة وهدر المال العام
تخلص الإفادة إلى أن ما حدث قد يشكل، إذا ثبتت صحته، عدة مخالفات، من بينها إساءة استخدام السلطة، وسوء الإدارة الجسيم، وهدر الأموال الفيدرالية، وانتهاك إجراءات قانون الباب السادس، واتخاذ قرارات تعسفية بالمخالفة لقانون الإجراءات الإدارية.
وتقول الوثيقة إن إعادة توجيه محامين ذوي خبرة بعيداً عن قضايا أخرى كانت تقترب من نهايتها، لاستخدام مواردهم في تحقيقات قالت إن بعضها لم يكن قائماً على أساس واقعي واضح، يمثل هدراً للموارد الحكومية.
كما تحذّر من أن الضغط السياسي على المحامين قد يقوّض استقلالية التحقيقات الحكومية، ويضعف مصداقية إنفاذ قوانين الحقوق المدنية.
وشدد مشروع المساءلة الحكومية، الذي يمثل فان إيرم ومحامين آخرين، على أن الإفادة لا تطعن في خطورة معاداة السامية ولا في حق الحكومة الفيدرالية في التحقيق في التمييز غير القانوني ومعالجته.
لكن المحامين يقولون إن مكافحة معاداة السامية يجب أن تتم من خلال تحقيقات محايدة قائمة على الأدلة، مع احترام الإجراءات القانونية والضمانات الدستورية، بما فيها حماية حرية التعبير التي يكفلها التعديل الأول.
وطلب المحامون من لجان القضاء في مجلسي الشيوخ والنواب ولجان الصحة والتعليم والعمل المعنية إجراء رقابة عاجلة على القضية، والحفاظ على السجلات والوثائق ذات الصلة، واستدعاء مسؤولي وزارتي العدل والصحة للإحاطة والشهادة بشأن التحقيقات وقرارات وقف التمويل والتسويات.
كما عرضوا ترتيب إفادة سرية مع فان إيرم ومحامين سابقين آخرين قالوا إن بإمكانهم تأكيد ما ورد في الشكوى، مع توفير ضمانات مناسبة لحماية المبلّغين من الانتقام.
________________
المصدر : القدس العربي
________________
