كتب

"غزة أيقظت العالم: ماذا بعد؟".. لسمير شوا: شهادة على شعب يرفض الزوال 

"غزة أيقظت العالم: ماذا بعد؟".. لسمير شوا: شهادة على شعب يرفض الزوال 

افراسيانت - مولود بن زادي - يستهل المؤلِّفُ الفلسطيني سمير شوا كتابه «غزة أيقظت العالم: ماذا بعد؟»، الصادر عن دار الهاني الثقافية 2026، بتتبع التنوع المذهل الذي شهدته غزة عبر آلاف السنين، قائلا «على مر التاريخ، شهدت غزة إمبراطوريات عديدة متباعدة، ضمت أصولا وأعراقا وأديانا متنوعة، كان لها بالغ الأثر في التركيبة السكانية لهذه المدينة التاريخية، وكان من هؤلاء مصريون وفلسطينيون ويونانيون ورومان وبيزنطيون وعرب مسلمون وصليبيون ومماليك وعثمانيون وبريطانيون»، وبذلك لا ينطلق شوا من الوضع السياسي الجديد، بل من ماضي المنطقة العريق، مستعرضا غزة في صورتها الأولى يوم كانت مهدا للحضارات وأرضا للديانات ومعبرا للإمبراطوريات وفضاء إنسانيا جمع أمما وشعوبا شتى، تعايشت طويلا قبل أن يكتسحها طوفان القصف والدمار والمجاعة والموت ويحدق بها شبح الإقصاء والزوال.


أكثر من مجرد قطاع: غزة روح عريقة


ينتقل المؤلِّفُ بعد ذلك إلى أصل اسم «غزة» نفسه، موضّحا أنّ «المدينة اكتسبت منذ نشأتها أسماء عديدة تبعا للحضارات التي تعاقبت عليها: أطلق عليها الكنعانيون الأوائل اسم «حزاتي»، والمصريون القدماء «جازاتو»، والآشوريون «عزاتي»، وهو اسم مشتق من كلمة «عزة» التي تعني القوة والعظمة، وهو وصف لصمود المدينة في وجه الجبابرة عبر تاريخها القديم». ويذكر أيضا أنها سُميت «غزة هاشم» نسبة إلى السيد هاشم بن عبد مناف، جد النبي محمد، الذي توفي ودُفن في غزة.


ولم تكن غزة في الواقع أرضا تتعاقب عليها الإمبراطوريات وتتعايش فيها الأجناس فحسب، بل كانت أيضا مجمع معتقدات. كانت امتدادا للتاريخ الكنعاني العريق. ففي هذه الأرض عُبدت مجموعة من الآلهة: إيل الأب الأعلى، وبعل إله الرعد، وعناة إلهة الحرب. وفيها تعددت الألسن وتشابكت، فكانت أرضا تُنطق فيها اللغات قبل أن تُكتب، وتتنفس فيها الكلمات قبل أن تُدوَّن. وفيها أرست اللغتان الأكادية والأوغاريتية أسس السريانية والعربية. ويؤكد شوا مكانة غزة مهدا للحضارة إذ كانت ميناء كنعانيا، ومعقلا فلسطينيا، ومثوى جدّ النبي محمد ﷺ. وهي التي أهدت العالم نسيج «الشاش»، وضربت عملتها الخاصة حتى قبل أن توجد أمم أخرى، وشهدت أيضا فجر التحوّل المسيحي في فلسطين منذ القرن الرابع.


يؤكد هذا التراث الروحي واللغوي والحضاري المتنوع أنّ غزة كانت بوتقة للثقافات والحضارات ونموذجا للتنوع والتعايش منذ فجر التاريخ. وهكذا يُفند الكِتابُ في فصوله الأولى وهمَ أن غزة مجرد «مشكلة لاجئين» أو «قطاع» سياسي، بل هي مدينة عريقة، خالدة، لها روح مقدسة ـ هيهاتَ للأسلحة الحديثة أن تخمد صوتها أو تمحوها.


غزة من الحكم الإمبراطوري إلى الكارثة الوطنية


ويمضي شوا في تتبّع تاريخ غزة، فيحطّ بالقارئ في العصر الحديث، مصوّرا ما شهدته من أحداث وتحولات كبرى، بدءا بخضوعها للحكم العثماني، فـ«في عام 1517 هاجمت الجيوش العثمانية بلاد الشام وفلسطين واحتلتها بسهولة». وأدّى هذا إلى قرون من الجمود والانكماش انتهت بحملة نابليون القصيرة. ويصف لنا شوا كيف تحوّل طموح الإمبراطور الفرنسي إلى «غزو فلسطين» بعد أن ثبّت أقدامه في القاهرة، فدخلها «من دون مقاومة تُذكر»، رافعا شعار «الحرية، المساواة، الإخاء» الذي بدا، في نظر الكاتب، متناقضا مع الواقع. انطلاقا من هذه الخلفية التاريخية، ينتقل شوا إلى بدايات الصراع العربي الإسرائيلي، فيتحوّل صوته السردي من مؤرّخ يوثّق الوقائع إلى شاهد عيان. يتناول نكبة 1948 راسما صورة قاتمة لما أعقبها من هيمنة إسرائيلية واضطهاد ومصادرة للأراضي، مؤكدا الخلل البنيوي في موازين القوى، ومجادلا بأن «الحركة الصهيونية» التي تشكّلت في أوروبا بقيادة شخصيات من أمثال ثيودور هرتزل، امتلكت إمكانات مالية وتنظيمية وسياسية لم تستطع «الحركة الوطنية الفلسطينية، بمواردها المحدودة»، مجاراتها. وفي خضم هذه الأحداث، يصوّر كيف تضاعف عدد سكان غزة سريعا مع تدفّق اللاجئين، فتحوّل مجتمع كان متماسكا معتزا بذاته إلى مجتمع يعتمد على مساعدات الأونروا، وهو اعتماد ينتقده المُؤلّف، لما يحمله في رأيه من تآكل للكرامة الإنسانية. غير أنه يوازن هذا التصوير القاتم باستدعاء مشاهد حنينية من الحياة قبل الحرب: فرق النحاس في فادوس، والصالونات الفكرية في كلية غزة، ورائحة خبز الطابون التي كانت تجمع الجيران المسلمين والمسيحيين، ليبرز التناقض الحاد بين مدينة نابضة بالحياة وواقع لاحق أشبه بـ«السجن المفتوح».


عودة المنفى ووهم الدولتين


اللافت في هذا الكتاب تركيزه على تجربة الشتات الفلسطيني في الكويت، بوصفها إحدى أهم محطات المنفى الفلسطيني بعد النكبة. يوثّق شوا كيف تحوّلت الكويت، منذ أواخر الأربعينيات، إلى ملاذ لآلاف الفلسطينيين وفضاء لإعادة بناء مجتمعهم في المنفى. ولم يقتصر هذا الدور على الاستقرار المعيشي، بل امتد إلى العمل السياسي والتنظيمي، إذ احتضنت النواة الأولى لحركة فتح التي تشكّلت على أيدي ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف، وأصبحت لعقود أحد أبرز مصادر الدعم للقضية الفلسطينية. ومن هذا المنفى، ينتقل شوا إلى ما يسميه «فجر اتفاقيات أوسلو الزائف»، التي وُقّعت في البيت الأبيض في 13 سبتمبر/أيلول 1993، وتُوّجت بالمصافحة الشهيرة بين عرفات ورابين بحضور كلينتون. عاد شوا إلى وطنه في أكتوبر/تشرين الأول 1994 للمساهمة في ما بدا مشروع الدولة الفلسطينية، ويكتب من موقع التجربة كاشفا الفجوة بين الوعود السياسية والواقع على الأرض.


ويستعيد محطات رمزية جسّدت ذلك الأمل، كوضع حجر الأساس لميناء غزة وإضاءة شعلة حقل الغاز في 27 سبتمبر/أيلول 2000. غير أن هذا المسار تقوّض سريعا مع اندلاع الانتفاضة الثانية عقب زيارة شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى، وهي لحظة يراها نقطة انهيار لما سُمّي بـ«عملية السلام». ويبلغ الإحباط ذروته في تحليله لـ«وهم الدولتين»؛ فهذه الفكرة، كما يبيّن، تعود إلى تقرير لجنة بيل بعد إضراب 1936، لكنها تآكلت عبر عقود من المفاوضات العقيمة، وتغيّر الوقائع على الأرض، حتى بات تطبيقها شبه مستحيل في ظل الرفض الصريح للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. ويختتم بتساؤل مباشر عمّا إذا كان الفشل مصير هذه المبادرة منذ البداية، مقدّما قراءة نقدية لفرصة ضائعة، ومبيّنا كيف تحوّل حل الدولتين إلى شعار أجوف استُخدم لكسب الوقت بينما كانت المستوطنات تتوسع والعالم يواصل غضّ الطرف.


الإبادة الجماعية وروح الصمود


يتناول القسم الرابع الإبادة الجماعية الراهنة في غزة، حيث يتخلى شوا عن دور المؤرخ التقليدي، ليصبح مؤرخا للفظائع الجارية. يذكر أن حركة حماس أطلقت على عمليتها في 7 أكتوبر 2023 اسم «طوفان الأقصى»، غير أن الرد الإسرائيلي، كما يصفه، كان طوفانا آخر، أشد فتكا وأوسع تدميرا. وفي مشهد إنساني مؤثر، يستحضر شوا صورة شاعرٍ غزّي مسنّ جاثم بين أنقاض منزله في جباليا، يستعيد رباعيات صلاح جاهين بمزيج من الحزن والسخرية، قائلا:


«الحرب لا تمنحك وقتا للبكاء. إنها تسرق دموعك وتتركك واقفا بين أنقاض منزلك، تحاول أن تتذكر كيف كان الباب يُفتح، وكيف كانت الصباحات تشبه الحياة قبل أن تصبح تشبه الفقد. نعيش في زمن الفيضانات المتكررة، لكن هذه المرة هو فيضان غزة، الذي يحمل سفينة بلا نوح».


ويؤكد الكتاب وقوع إبادة جماعية، مدعّما ذلك بحصيلة بشرية مروّعة: أكثر من 200 ألف قتيل وجريح، غالبيتهم من النساء والأطفال؛ أكثر من 1650 من العاملين في القطاع الصحي؛ أكثر من 240 صحافيا؛ و2700 عائلة مُحيت بالكامل من السجل المدني. ويسرد شوا فظائع محددة، منها إطلاق 335 رصاصة على الطفلة هند رجب ذات الست سنوات، وقصف مقهى البقعة أثناء وجود صحافيين فيه، وتجويع الرضّع الذي وثّقه أحمد الفرا في مستشفى ناصر. ومع ذلك، يبقى الأمل. ففي فصل «الصمود»، يصوّر شوا مظاهر التشبث بالحياة: أطفال يتعلمون العزف على الكمان وسط الأنقاض، ونساء مسنّات يزرعن الورود في فوارغ القذائف، وعائلات تحتفل بالحياة داخل خيام النزوح. ويرى أن هذا الثبات اليومي هو جوهر صمود غزة، وردّها الإنساني على عالم عجز عن وقف المذبحة.


إعادة البناء من تحت الأنقاض


يأبى شوا أن يُنهي كتابه بخطة سياسية أو خريطة طريق، بل بإيمانه الراسخ بمبدأ القدرة على النهوض من الرماد. يرفض أوهام «الريفييرا» التي تروّج لها قوى خارجية، سواء في رؤى كوشنر العقارية أو خطط ترامب للسلام، ويصرّ على أن أهل غزة وحدهم من سيعيدون بناء مدينتهم. لا يتجاهل حجم الكارثة، بل يواجهها بوضوح: ستّون مليون طن من الأنقاض المليئة بالذخائر غير المنفجرة، وتدمير نحو تسعين في المئة من البنية التحتية، وصدمة نفسية تطال جيلا كاملا لم يعرف سوى الحصار والحرب. ومع ذلك يستحضر التاريخ دليلا مضادا لليأس؛ فقد دُمّرت غزة مرارا على أيدي الإسكندر والصليبيين ونابليون والعثمانيين، وفي كل مرة نهضت. وهو ما أكده المؤرّخ الفلسطيني رشيد الخالدي في كتابه «حرب المائة عام على فلسطين، الصادر عام 2020، والذي ختمه بالتأكيد على بقاء الشعب الفلسطيني رغم مخططات المحو، مشيرا إلى أن الحركة الصهيونية جاءت متأخرة وأن مشروعها محكوم عليه بالفشل.


ويوثّق شوا من خلال فصول كتابه الأخيرة وقوف العالم إلى جانب غزة في معركتها، المتجسّد في موجة تضامن عالمي أيقظتها الحرب في: مظاهرات لندن الأسبوعية، وأصوات كوربين وساندرز، وفنانين كووترز وبانكسي ولينوكس، والعلم الفلسطيني يرفرف من ملاعب سلتيك إلى بالستينو. وحتى داخل إسرائيل أدان ليفي وأيالون سياسات حكومتهما.


يرى شوا أن هذا الوعي أحد النتائج الإيجابية القليلة للحرب، رغم فداحة ثمنها، غير أنه يظل واعيا بقسوة «العدالة» الأمريكية في حق النقض وتدفّق الأسلحة و«مؤسسة غزة الإنسانية» التي تحوّلت إلى فخ قاتل للجائعين. وتأتي الرسالة الختامية واضحة: قد يكون العالم خذل غزة، لكن غزة لن تخذل نفسها. «غزة أيقظت العالم» قراءة صعبة وضرورية، وشهادة على شعب يرفض الزوال.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12446223
Please fill the required field.