ملفات خاصة

من أجل "المخلّص".. هل اليوم هو الأخطر على وجود الأقصى؟

من أجل "المخلّص".. هل اليوم هو الأخطر على وجود الأقصى؟

حشدت جماعات الهيكل أتباعها لاقتحام الأقصى

 

افراسيانت - عبد الله معروف - تخرج علينا جماعات المعبد كل فترة بإعلان طموح وكبير لاقتحام نوعي للمسجد الأقصى مستغلة أي مناسبة، لا سيما إذا كانت دينية. وإعلانها الأخير لا يخرج عن هذا السياق، حيث ضجت وسائل الإعلام بدعوة هذه الجماعات أنصارها لاقتحام واسع للمسجد الأقصى بخمسة آلاف مستوطن اليوم الخميس 23 يوليو/تموز، بحيث يشكل هذا أكبر اقتحام في تاريخ المسجد، وذلك لإحياء ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" أو "التاسع من آب العبري".


هذه المناسبة لا تتركها جماعات المعبد المتطرفة كل سنة دون أن تشكل حجر زاوية ومحطة مركزية في مسار التصعيد ضد المسجد، فهو اليوم الذي تصاب فيه جماعات المعبد بلوثة تحاول معها بشتى الطرق إثبات وجودها وقوتها على الأرض، والمطالبة بتغييرات واسعة في الوضع القائم في المسجد والمدينة بنوع من العاطفية الشديدة، وذلك استغلالا لهذه المناسبة الحزينة التي ترمز إلى ما يعتبرونه ذكرى تدمير المعبدين الأول والثاني في التاريخ نفسه بفارق مئات السنين.


"لا يجوز لنا أن نعتبر أن فشل الاحتلال في الوصول إلى هدفه العددي -دون أي تدخل من الجانب الفلسطيني أو العربي أو الإسلامي لردعه- يعد انتصارا للعرب والمسلمين من أي نوع! فالانتصار يكون في هذه المعركة بفرض التراجع على الاحتلال ومستوطنيه".

________________


هذا العام يختلف عما سبقه في كون هذه المناسبة تأتي في ظل بدء السباق الانتخابي الإسرائيلي الأول منذ حرب الإبادة في غزة. وبالتالي فإن ضخامة الاقتحامات في المسجد الأقصى المبارك إضافة إلى نوعيتها كانت متوقعة حتى قبل أن تنشر مؤسسات جماعات المعبد المتطرفة إعلاناتها.


ققبل يومين فقط من حلول ما يسمى "ذكرى خراب المعبد"، ارتكب بعض المستوطنين عملا غير مسبوق في المسجد الأقصى، حيث أقدموا على رسم شعار "المخلص في بيت الرب" الديني الذي يستعمله بعض أفراد هذه الجماعات المتطرفة، وهو شعار التاج الذي يتشكل من حرفين من كلمة (المسيح)، على مستطيل يشير للمعبد.


يعتبر رسم شعار ديني من هذا النوع داخل المسجد الأقصى المبارك سابقة تستحق التوقف، وذلك لأنها تحمل دلالات كثيرة ترتبط بفكرة "المعبد الثالث" التي يروج لها اليمين الصهيوني الديني الإسرائيلي، إضافة إلى اليمين الإنجيلي المسيحي الأمريكي. فالمعبد الثالث هو الهدف الأسمى لهذه الجماعات كما هو معروف، وهو ليس أمرا مخفيا، بل تعلنه جماعات المعبد المتطرفة ليل نهار.


لكن ما يطفو على السطح في هذه المسألة هو اسم "المخلص" الذي يرمزون له بالتاج. وهو التاج نفسه الذي نراه مرسوما فوق المعبد دائما، وذلك لأن فكرة المعبد الثالث لدى هذه الجماعات تهدف أصلا إلى أن "يسكن الرب مع شعبه"، وهذه هي العبارة الدينية التي تشير إلى أحداث النهاية وقدوم المسيح المخلص ليكون ملكا على شعب إسرائيل ويجعله سيدا على الشعوب كلها. فالمعبد الثالث في رؤية هذه الجماعات يرتبط أصلا بالمسيح المخلص، وهو قطب الرحى في علاقة الشعب بهذه الأرض من الناحية الدينية.


وبالرغم من أن فكرة المعبد تتراوح بين الرؤية التاريخية لدى التيارات اليسارية والعلمانية من ناحية، والرؤية الدينية لدى التيارات اليمينية والدينية وتيار الصهيونية الدينية من ناحية أخرى، فإن سيطرة اليمين على الحكم في إسرائيل تجعل الجانب الديني لهذه الفكرة هو الأكثر حضورا وتأثيرا في التطبيق، وهو بالتالي ما ينسحب على فكرة المسيح المخلص التي ترتبط تماما بالبعد الديني لعلاقة اليهود بهذه الأرض حسب وجهة نظرهم. ومن الواضح هنا أن العقيدة الخلاصية لم تعد تصورا دينيا مجردا، وإنما تحولت إلى برنامج سياسي انتخابي.


التخريب المتعمد بالرسم على حجارة المسجد الأقصى مسألة جديدة لم يشهدها المسجد منذ احتلاله، وهذا العمل ليس معزولا ولا مقصورا على جماعة دينية متطرفة بحد ذاتها، فإحياء ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" في ظل الانتخابات لا يقتصر فعليا هذا العام على تيار الصهيونية الدينية.


فنفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "البيت اليهودي" اليميني سابقا وحزب "بينيت 2026" حاليا، كان حريصا على الظهور في صورة خاصة به أثناء إحياء ذكرى خراب المعبد. وأما بن غفير فإنه شارك المستوطنين في أداء صلاة حاشدة بعد صلاة العشاء أمام باب القطانين، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك من الناحية الغربية. وكذلك اختار نتنياهو استذكار هذه المناسبة في خطاب له بالتبشير "بخلود" إسرائيل.


وأما ما يسمى "معهد المعبد"، وهو من أكبر وأقوى منظمات جماعات المعبد المتطرفة حاليا، فقد حاول عشية "ذكرى خراب المعبد" تحقيق اختراق نوعي جديد، حيث حاول أفراده أداء صلاة خاصة ليلا أمام باب الغوانمة في الزاوية الشمالية الغربية من المسجد الأقصى، وهذا تقدم خطير وكبير في محاولة السيطرة على الباب الذي فشلت هذه الجماعات في الحصول عليه عام 1998.


"تسجيل جماعات المعبد المتطرفة هدفا يتمثل في جمع 5 آلاف مستوطن في يوم واحد في المسجد الأقصى خلال هذه المناسبة "ذكرى خراب المعبد"، يشير إلى أفق يريده الاحتلال في المسجد: صورة إغراق الأقصى بآلاف المستوطنين للوصول إلى لحظة التغلب العددي على الوجود الإسلامي".

________________


يظهر من كل هذه المشاهد أن إسرائيل، وخاصة اليمين القومي الديني، تشعر بأزمة شديدة بسبب عدم تمكنها حتى اليوم من فرض أجندتها بالكامل على المسجد الأقصى، فالأحزاب والحركات اليمينية القومية الدينية باتت تحاول فرض وجودها ليلا في المسجد، وذلك لتثبيت واقع المشاركة الكاملة في الزمن في المسجد بين المسلمين واليهود، وتنفيذ فكرة التقسيم الزمني الكاملة حسب وعد نائب رئيس الوزراء "ياريف ليفين" الذي قدمه لهذه الجماعات خلال احتفالات "عيد الحانوكاه" نهاية العام الماضي. وفشلها يشير إلى عدم قدرة إسرائيل حتى الآن على تطبيق سيادتها على المسجد الأقصى.


ولعل هذا هو سبب تسمية المسيرة الليلية التي جابت الشوارع المحيطة بالمسجد الأقصى في عشية "ذكرى خراب المعبد" باسم "مسيرة السيادة". فالسيادة هي ما ينقص إسرائيل في المسجد الأقصى مهما حاولت أن تظهر غير ذلك.


أما تسجيل جماعات المعبد المتطرفة هدفا يتمثل في جمع 5 آلاف مستوطن في يوم واحد في الأقصى خلال هذه المناسبة "ذكرى خراب المعبد"، فإنه يشير إلى أفق يريده الاحتلال في المسجد: صورة إغراق المسجد الأقصى بآلاف المستوطنين للوصول إلى لحظة التغلب العددي على الوجود الإسلامي في المسجد، أي السيادة من خلال العدد.


وأرى أن فكرة حشد أعداد كبيرة من المستوطنين في المسجد، ورفع الهدف العددي كل عام، تريد هذه الجماعات من خلاله إحياء الأمل في قلوب أبنائها، خاصة وهي تجد أن الاتجاه العام لتحركاتها في المسجد الأقصى خلال السنوات العشرين الماضية في تصاعد، وهذه حقيقة للأسف، ولا يجوز لنا أن نخدع أنفسنا في هذا المجال.


كما لا يجوز لنا أن نعتبر أن فشل الاحتلال في الوصول إلى هدفه العددي -دون أي تدخل من الجانب الفلسطيني أو العربي أو الإسلامي لردعه- يعد انتصارا للعرب والمسلمين من أي نوع! فالانتصار يكون في هذه المعركة بفرض التراجع على الاحتلال ومستوطنيه وردعه عندما يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك، وليس في فشل الاحتلال ذاتيا بسبب خلافاته الداخلية المتعلقة بالأقصى؛ نتيجة لإصرار الحاخامية الرسمية على الفتوى التقليدية بمنع اليهود من دخول الأقصى على سبيل المثال.


لم يكن التاج المرسوم فوق رمز المعبد مجرد خربشة عابرة على حجارة المسجد؛ بل كان اختصارا بصريا لمشروع كامل يحاول الانتقال من العقيدة الدينية إلى السياسة، ومن انتظار "المخلص" إلى فرض السيادة على الأرض.


وما لم يردع هذا المشروع في مراحله الحالية، فقد لا يبقى حديث "المعبد الثالث" مجرد شعار تحمله هذه الجماعات المتطرفة، بل سيكون برنامجا حقيقيا تتنافس الأحزاب الإسرائيلية على تنفيذه.


في نفس الوقت، فإن الوضع الكارثي الذي يمر به المسجد لا يمكن أن تخطئه عين مراقب، والاحتلال -في نفس الوقت- لا يزال عاجزا حتى اللحظة عن فرض سيادته بالكامل على الأقصى، لكن لنكن واضحين: هذا العجز قد لا يستمر طويلا ما لم يكن هناك تحرك حقيقي.

 

هل تلتئم أذن البقرة؟.. نبوءة النهاية تشعل الضجيج في إسرائيل

 

بقرة حمراء تم استقدامها من ولاية تكساس الأمريكية عام 2022 "مجلس المستوطنات"


أورد السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء" أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك كان لا يحب الدماء، وكان يتمنى أن يمر عليه يوم واحد دون دماء أو أخبار حروب ومؤامرات وثورات، فأحب يوما أن يخلو بنفسه في قصره بمدينة الرصافة بحيث لا يأتيه في ذلك اليوم غم، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة مليئة بالدم من بعض الثغور، فانزعج وقال: "ولا يوما واحدا؟".


هذه القصة القصيرة تنطبق علينا اليوم، إذ لا نكاد نرتاح يوما من تقليعات تيار الصهيونية الدينية في إسرائيل وحلفائهم في الولايات المتحدة حتى يخرجوا علينا بغيرها. فما إن خفت ضجيج البقرات الحمراء الخمس- التي صدع هذا التيار وأنصاره في إسرائيل والولايات المتحدة، رؤوسنا بها، بعد أن ظهرت عيوب في ثلاث منها ولم تبق إلا اثنتان يبدو أنهما أيضا غير صالحتين لإتمام طقوس التطهير- حتى عاجلتنا الأنباء بولادة بقرة حمراء في منطقة الجليل شمالي الأراضي الفلسطينية، حيث ضجت وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما لدى الجماعات المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة، بخبر العثور على عجلة حمراء بالكامل- على الأقل حتى الآن- ولدت في إحدى المزارع الإسرائيلية في الجليل الأعلى.


البقرة الصغيرة تبدو حمراء بالكامل كما ظهر في الصور المتداولة لها، وتتجاوز العقبة الأساسية التي عانت منها البقرات الخمس التي أحضرت من تكساس عام 2022، وهي كونها مولودة في "أرض إسرائيل" حسب المفهوم الديني المعتمد لدى المرجعيات الدينية الحريدية. وبذلك فإنها كررت اليوم قصة البقرة الحمراء التي ولدت في إسرائيل عام 2005، واحتفت بها وسائل الإعلام يومها حتى نقلت إلى مزرعة خاصة في منطقة النقب، قبل أن تظهر فيها عدة شعرات سوداء خيبت آمال من كانوا ينظرون إليها على أنها معجزة تحققت.


الأمر الذي أثار الاهتمام بهذه البقرة بالذات كان ولادتها في منطقة الجليل خلال الحرب الجارية بين حزب الله وإسرائيل، وهو ما جعل بعض أفراد هذه الجماعات الدينية يرون فيها إشارة إلهية كونها ولدت "تحت نيران العدو".


وهذا الفهم لفكرة "الإشارات الإلهية" ليس جديدا على هذه الجماعات، حيث أذكر مرة أن أحدهم نشر فيديو لعدد من أفراد جماعات المعبد المتطرفة أثناء اقتحامهم المسجد الأقصى على درجات ساحة الصخرة الشمالية، لتمر بينهم سيدة عجوز فلسطينية محنية الظهر، فاعتبر بعضهم أن هذه "إشارة إلهية" تبين "إحناء ظهر أبناء إسماعيل لأبناء إسحاق"، ولذلك فلا نستغرب أن يسمي هؤلاء هذه البقرة "إشارة إلهية"، تيمنا بأنها إشارة إلى قرب ظهور المسيح الذي ينتظرونه.


الطريف في هذا الحدث اليوم أن هذه البقرة الصغيرة تبين أن مالكها الإسرائيلي كان قد ثقب أذنها لوضع علامة تعريفية بلاستيكية عليها حسب التعليمات الصحية الحكومية في إسرائيل قبل أن يتم اكتشافها، وهذا الإجراء حسب الرؤية الدينية الحاخامية يعتبر سببا كافيا لجعل البقرة غير صالحة لإجراء طقس التطهير. حيث إن هذا الطقس يستلزم حسب النصوص الدينية ألا تكون هذه البقرة قد تعرضت لأي حادث أو أذى أو خدش، وألا تحرث حقلا ولا يوضع في رقبتها حبل ولا يمتطي ظهرها إنسان.


إذن، وحسب النص الديني، فإن ما فعله مالك المزرعة كان كافيا لأن تصبح هذه البقرة الحمراء الجديدة غير صالحة للطقس الديني، وتصبح مثل أي بقرة أخرى. لكن اللافت أن بعض الحاخامات من تيار الصهيونية الدينية وحلفاءهم من التيار الإنجيلي المسيحي في الولايات المتحدة لم يرضوا بأن يكون هذا الخلل كافيا لفقدان الأمل في هذه البقرة الجديدة، فأزالوا عنها القطعة البلاستيكية وعهدوا بها إلى ما يسمى "المعهد القومي للبقرة الحمراء" الذي أسسه "معهد المعبد"، في إسرائيل، بحيث يقوم أفراد هذا المعهد بمتابعة مدى التئام ثقب الأذن الذي تعاني منه هذه البقرة الصغيرة ومتابعة شؤونها اليومية ريثما تصل إلى السن الشرعية، وهي سنتان وشهران، للتأكد من عدم ظهور شعر بلون مختلف عن الأحمر فيها، وعدم حصول ما يمكن أن يجعلها غير صالحة لطقس التطهير الشرعي.


"العالم الإسلامي اليوم أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما: فإما وقف هذا الهوس والعبث الديني الأمريكي الإسرائيلي، وإما البقاء رهينة ثقب أذن البقرة الحمراء، وفي الختام خسارة المسجد الأقصى بكل ما يمثله، وعندها لن ينفع الندم".

________________


بموجب ذلك، وحسب رؤية هذه الجماعات، فالعالم كله اليوم يقف على قدم واحدة ليراقب ثقب أذن البقرة! وبقدر ما يظهر من طرافة هذه العبارة، إلا أنها تكشف عن هوس غير مسبوق بالرؤى الدينية المتعلقة بنهاية العالم والخلاص الأخير والمسيح، وهو ما يحكم اليوم سلوك حكومة الصهيونية الدينية الإسرائيلية، والإدارة الأمريكية المتأثرة بالتيار الإنجيلي المحافظ على حد سواء.


إن ما لفت نظري حقيقة في هذا الأمر هو أن الاحتفاء المبالغ فيه بولادة هذه البقرة كان من جانب المسيحيين الإنجيليين، بينما كان الموضوع شبه غائب عن الصفحات والمواقع الإخبارية والتحليلية اليهودية إلا القليل جدا منها. وهو ما ينطبق- بالمناسبة- على موضوع البقرات الحمراء الخمس التي أحضرت من تكساس، حيث إن نظرة سريعة تبين أن الاهتمام بموضوعها لدى أوساط اليمين الإنجيلي الأمريكي كان يتجاوز مثيله في إسرائيل، ولدى التيارات الدينية اليهودية بمراحل كبيرة.


وهذا يعيد إلى الواجهة فكرة الحماسة الدينية المفرطة التي تسيطر على التيار الحاكم اليوم في الولايات المتحدة. فالإنجيليون يؤمنون بأننا في المرحلة التاريخية السادسة التي يجب أن ينزل فيها المسيح للمرة الثانية، ويعتقدون أن كل ما يجري اليوم في إسرائيل يصب في مصلحة تعجيل نهاية هذه المرحلة، وتهيئة الأرض للقدوم الثاني للمسيح.


ولذلك نرى أن الاستعداد لدى أفراد هذه الجماعات لفعل أي شيء لأجل التمهيد لقدوم المسيح، يفوق بمراحل ما تراه المراجع الدينية التقليدية اليهودية كالحاخامية الرسمية في إسرائيل، والتي ترى أن الأصل هو الانتظار ريثما تظهر الإشارات الإلهية وحدها دون تدخل البشر.


هذا ما يمكن أن يفسر لنا النزعة المخلصية التي أصابت بعض صناع القرار في الإدارة الأمريكية الحالية فيما يخص مصير المسجد الأقصى الذي كان على الدوام يشكل رادعا ذاتيا للاحتلال خوفا من تبعات أي مس بالمسجد. وهنا نستحضر التقرير الخطير الذي نشره موقع (ميدل إيست آي) البريطاني نهاية الشهر الماضي، وكشف فيه عن وجود خطة وضعتها الإدارة الأمريكية الحالية، وتم بالفعل إبلاغها لدول مختلفة في الإقليم، لإنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى المبارك، وحل مجلس الأوقاف، وإنشاء هيئة دولية تشارك فيها إسرائيل للإشراف على المسجد الأقصى بدلا من دائرة الأوقاف الإسلامية، دون أي اعتبار لتبعات هذه الخطوة.


هذه الخطة، التي ادعى وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو عدم معرفته بها، توجد تفاصيل وشواهد كثيرة تؤكد وجودها ومحاولات ترجمتها على الأرض بالتعاون الوثيق بين الإدارة الأمريكية الحالية التي أصبحت تمثل تيار الإنجيليين المتطرفين والحكومة الإسرائيلية التي أصبحت تمثل تيار الصهيونية الدينية المتطرف.


فالفيديوهات التي ينشرها القادة الدينيون لدى الطرفين الآن تكاد كلها تصب في هذا السياق، منها الفيديوهات المتكررة لشموئيل إلياهو حاخام مدينة صفد في الجليل الأعلى وأحد منظري تيار الصهيونية الدينية، والتي يدعو فيها يوميا لبناء كنيس داخل المسجد الأقصى، ومنها فيديو ظهر فيه قبل أيام بصحبة وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يتعهد فيه بن غفير ببناء الكنيس في المسجد. أو التصريحات المتكررة للسفير الأمريكي مايك هاكابي في إسرائيل، والذي لا يتوانى عن الدعوة علنا لحسم هذه القضية لصالح هذه الجماعات.


كذلك، فإن من الشواهد الأساسية على حقيقة ما يجري هو بدء إطلاق كتاب ومتحدثي ومنظري تيار الصهيونية الدينية حملة إعلامية عنيفة منسقة ومتزامنة ضد دائرة الأوقاف الإسلامية ساعية إلى ربطها بحركة حماس. فقد بدأت مواقع اليمين الإسرائيلي تنقل بشكل واسع خبر الخلاف بين الشرطة الإسرائيلية ودائرة الأوقاف على خلفية رفض رئيس مجلس الأوقاف الذهاب للقاء شرطة الاحتلال في مخفر القشلة، وذلك على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة أشهر على هذا الحدث، وتزامن ذلك مع نشر نفس الحاخام شموئيل إلياهو مقالا في موقع "ميكور ريشون" اليميني بداية الشهر الجاري هاجم فيه دائرة الأوقاف، واعتبر أنها "مكتب حماس في القدس".


وهذا يذكر بالحملة الإعلامية المنسقة التي قامت بها إسرائيل لشيطنة منظمة "الأونروا"، والتي كانت مقدمة ضرورية لإعلانها منظمة إرهابية لاحقا وإخراجها عن القانون خلال الحرب على غزة. وهو ما يتساوق تماما مع ما أعلنه موقع (ميدل إيست آي) حول الخطة الأمريكية التي يقوم عليها أقطاب التيار الإنجيلي لإلغاء الدائرة وتسليم المسجد الأقصى لهيئة تشارك فيها إسرائيل.


هذه الشواهد كلها تجعلنا لا نستغرب أن يكون تيار الإنجيليين وراء الاهتمام غير المسبوق بأي شيء يمكن أن يدعم رؤيتهم الدينية القائمة أصلا على ضرورة إشعال حرب "هرمجدون" الكبرى المزعومة، ولا أفضل عند هذه الجماعات في هذا السياق من إشعال المسجد الأقصى بكل رمزيته وخطورته.


ونستذكر هنا أن أحد أتباعهم، وهو المسيحي الإنجيلي الأسترالي دينيس مايكل روهان، كان هو الذي أحرق المسجد الأقصى في 21 أغسطس/آب 1969. ومن الغني عن القول إن استدعاء خرافة البقرة الحمراء اليوم يأتي في سياق تبرير الإجراءات التي يقوم بها هؤلاء وحلفاؤهم في إسرائيل لحسم مصير المسجد الأقصى ولو على الدماء.


هذا كله يضع العالم الإسلامي اليوم بأجمعه: رسميه وشعبيه، وفي مقدمته الشعب الفلسطيني، أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما: فإما وقف هذا الهوس والعبث الديني الأمريكي الإسرائيلي بمصير العالم بأي ثمن، وإما البقاء رهينة ثقب أذن البقرة الحمراء، وفي الختام خسارة المسجد الأقصى بكل ما يمثله، وعندها لن ينفع الندم.

 

أفول بن غوريون .. ومملكة الحشمونائيم قريبا في إسرائيل

 


مستوطنون يؤدون طقوسا توراتية أمام باب الأسباط أحد أبواب المسجد الأقصى


لطالما كانت إسرائيل وداعموها يتغنون بأنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وهذه العبارة الدعائية كانت على الدوام المحور الأساسي لأي نقاش حول طبيعة إسرائيل وكونها عنصرا غريبا على الإقليم، والمنطقة العربية المحيطة بها.


هذه العبارة التي تغنى بها السياسيون الإسرائيليون- ولا يزالون كذلك للمفارقة- كان الهدف منها المزايدة على العالم العربي بغياب الديمقراطية الحقيقية فيه، وادعاء غياب حرية التعبير والرأي في أنظمة الحكم الشمولية في منطقة الشرق الأوسط ككل، كما يدعي ساسة الاحتلال.


وذلك في مقابل "واحة الديمقراطية والحرية" التي يتم فيها تداول السلطة بشكل حقيقي بالاحتكام إلى الشعب، والتي يمكن لأي شخص فيها أن يقول ما يشاء أو يفعل ما يشاء دون محاسبة. وكأن بقية العالم العربي ليس أكثر من سجون وخرائب لا تعرف من الحضارة شيئا.


غير أن السنوات الأخيرة التي شهدت ذلك الصعود التاريخي لليمين القومي ثم لتيار الصهيونية الدينية في إسرائيل كشفت عن صورة مختلفة تماما باتت تعيشها هذه الدولة، إذ لم يعد لأحد فيها اليوم أن يدعي أصلا أن إسرائيل ديمقراطية ليبرالية غربية كحال الديمقراطيات الغربية اليوم.


وإنما بات الاستقطاب الحاد في المجتمع الإسرائيلي ينحصر اليوم بين اليمين القومي من جهة واليمين الديني من جهة أخرى، فيما لم يعد فيها للأحزاب والأفكار الليبرالية الغربية التي أنشأت الدولة عام 1948 مكان تقريبا في خريطة القوى الفاعلة في إسرائيل.


لم تعد إسرائيل تبدو، في ظل صعود تيار الصهيونية الدينية، تلك الدولة الليبرالية الغربية التي سعت طويلا إلى تقديم نفسها بها، بل باتت تقترب بشكل متسارع من نموذج "المملكة الثيوقراطية" التي تدار فيها السياسة باعتبارها امتدادا للعقيدة الدينية والقومية، لا باعتبارها عقدا مدنيا بين مواطنين متساوين.


فالأزمة الإسرائيلية الراهنة لم تعد مجرد خلاف سياسي عابر بين حكومة ومعارضة، ولا مجرد انقسام حول شخصية بنيامين نتنياهو أو مستقبله السياسي، وإنما تحولت إلى صراع عميق حول طبيعة الدولة نفسها: هل تبقى دولة ذات مؤسسات ليبرالية حديثة كما أرادها مؤسسوها وقدموها للعالم (ولا سيما ديفيد بن غوريون)، أم تتحول إلى كيان تعاد فيه صياغة القانون والسيادة والهوية العامة وفق تصورات دينية وقومية مغلقة؟


منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية عام 2022، بدا أن التيار الصهيوني الديني لم يعد مجرد شريك داخل النظام الإسرائيلي، بل أصبح القوة الأكثر تأثيرا في إعادة تعريف الدولة ومؤسساتها ووظائفها السياسية والاجتماعية، وانتقلت رؤيته الفكرية من هامش السياسة الإسرائيلية إلى مركز صناعة القرار.


فقد كانت الصهيونية الدينية، لعقود طويلة، تقدم داخل إسرائيل باعتبارها تيارا أيديولوجيا محدود التأثير والحضور، يتركز حضوره الأساسي في بعض المستوطنات في الضفة الغربية والبيئات الدينية القومية المتشددة.


أما اليوم، فقد أصبحت هذه الرؤية هي الإطار الناظم لسياسات الدولة في ملفات مركزية مثل القضاء، والاستيطان، والتعليم، والهوية العامة، وحتى تعريف العلاقة بين الدين والدولة.


هذا التيار اليوم بات يسيطر تقريبا على جميع مؤسسات الدولة، ليس بالضرورة من خلال أحزابه مباشرة، بل حتى من خلال أعضاء يتبعون فكريا لهذا التيار في قلب حزب الليكود الحاكم نفسه.


وربما لم يعد هناك جهاز لم يتمكن هذا التيار من السيطرة عليه بعد إلا السلك القضائي الذي لا يزال حتى الآن عصيا على السيطرة- بالرغم من جهود نتنياهو لإضعافه.


فالمحكمة العليا الإسرائيلية كانت بالنسبة للتيارات اليمينية والدينية المتشددة تمثل إحدى آخر المؤسسات القادرة على الحد من اندفاع المشروع القومي الديني، سواء فيما يتعلق بالاستيطان أو صلاحيات الحكومة أو حقوق الأقليات.


ولذلك لم يكن مستغربا أن يتحول الصراع حول القضاء إلى معركة وجودية داخل المجتمع الإسرائيلي حتى قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.


هذه المسألة ليست تفصيلا إداريا، ففي الدولة الليبرالية حسب التعريف الغربي، لا تكفي الانتخابات وحدها لصناعة الديمقراطية؛ إذ لا بد من قضاء مستقل، وحقوق أقليات، ومؤسسات قادرة على تقييد السلطة.


أما حين تصبح المحكمة العليا والنيابة العامة وأجهزة الرقابة عوائق أمام إرادة ائتلاف ديني قومي، فإن "الديمقراطية" تتحول إلى مجرد آلية عددية تمنح الأغلبية حق إعادة تشكيل الدولة وفق تصور أيديولوجي واحد، وهو ما يجري حاليا في إسرائيل.


في المقابل، لا تخفي قيادات الصهيونية الدينية موقفها الحقيقي من فكرة "الديمقراطية الليبرالية" ذاتها. ففي خطاب هذا التيار لا تعرف الديمقراطية باعتبارها منظومة لحماية الحقوق والحريات والتوازن بين السلطات كما هو المتعارف عليه في الديمقراطيات الغربية عموما، وإنما باعتبارها حكما للأغلبية اليهودية فقط، يحق لها إعادة تشكيل الدولة وفق هويتها العقدية والقومية.


ومن هنا يصبح القضاء المستقل، وحرية الإعلام، وحقوق الأقليات، وحتى بعض القيم الغربية الحديثة، عقبات ينبغي تقييدها أو تجاوزها، لا ركائز أساسية للدولة حسب رؤية أتباع هذا التيار.


ولعل هذه الرؤية تظهر الآن بوضوح أكبر في ملف الضفة الغربية والاستيطان. فحكومة الصهيونية الدينية الحالية لا تتعامل مع الاستيطان باعتباره قضية أمنية أو تفاوضية قابلة للنقاش السياسي كما كان الحال عليه في العقود الماضية، بل باعتباره واجبا دينيا وقوميا مرتبطا بفكرة "أرض إسرائيل الكاملة".


ولذلك لم يعد الحديث يدور فقط حول توسيع المستوطنات، بل حول فرض "السيادة اليهودية" الكاملة على الضفة الغربية، وإعادة صياغة الواقع القانوني والإداري بما يجعل الاحتلال أقرب إلى الضم الدائم غير المعلن.


هذا يعني أن المشروع لم يعد يكتفي بإدارة الاحتلال، بل يسعى إلى تحويله إلى نظام دائم: سيادة لليهود، وإدارة أمنية مؤقتة للفلسطينيين ريثما يتم التخلص منهم جميعا بالترانسفير، وتوسيع الاستيطان باعتباره رسالة دينية وقومية.


وبهذا المعنى، تفقد إسرائيل الآن قدرتها على تسويق نفسها بوصفها نموذجا ليبراليا غربيا في محيط "شرقي" غير ديمقراطي؛ لأنها تقترب في بنيتها السياسية من أنظمة تجعل الهوية الدينية أساس الشرعية، وتجعل المساواة المدنية مسألة ثانوية أو مؤجلة أو مشروطة.


وهنا تحديدا تتجلى الطبيعة الثيوقراطية للمشروع الجديد: فالأرض هنا لا تدار وفق القانون الدولي أو الاعتبارات السياسية الحديثة، بل باعتبارها وعدا دينيا وتاريخيا غير قابل للتنازل.


إذا كانت إسرائيل قد نجحت لعقود في تسويق نفسها بوصفها "جزيرة غربية" ليبرالية داخل شرق أوسط مضطرب، فإن صورتها الحالية أخذت تتآكل بصورة متسارعة حتى داخل الدوائر الغربية نفسها.


فالكثير من التحليلات في الصحافة ومراكز الدراسات الغربية لم تعد تتحدث عن أزمة سياسية عابرة، بل عن تغير بنيوي في طبيعة الدولة الإسرائيلية.


وهذا ما يفسر اتساع الانتقادات القادمة من شخصيات يهودية وغربية كانت تاريخيا من أكثر المدافعين عن إسرائيل، لكنها بدأت ترى أن المشروع الذي يتشكل حاليا يبتعد تدريجيا عن النموذج الليبرالي الذي طالما ادعت إسرائيل أنها تمثله في المنطقة والإقليم.


هذا الأمر لا يتعلق الأمر فقط بالسياسات تجاه الفلسطينيين، رغم أن هذا الملف يمثل المجال الأكثر وضوحا لهذا التحول، وإنما يمتد أيضا إلى الداخل الإسرائيلي نفسه؛ فتصاعد نفوذ الأحزاب الحريدية والدينية المتشددة انعكس على قضايا التعليم والحريات العامة ودور الدين في الحياة المدنية والخدمة العسكرية وقوانين الأحوال الشخصية. ولا أدل على ذلك من أزمة قانون تجنيد الحريديم التي أطاحت بحكومة نتنياهو بالكامل أخيرا.


ومن الواضح في ظل هذه الحكومة أن الدولة تبدو أقل استعدادا لفصل المجال السياسي عن المرجعيات الدينية، وأكثر ميلا إلى منح الشرعية السياسية للتصورات الأيديولوجية الدينية لأتباع هذه التيارات.


المفارقة هنا أن إسرائيل التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها نقيضا لـ"الدول الدينية" و"الممالك الثيوقراطية" في المنطقة كما كانت تصفها، صارت الآن تقترب بشكل متسارع جدا إلى الخصائص البنيوية للممالك الثيوقراطية القديمة.


فحين تصبح الهوية الدينية أساس الشرعية السياسية، وحين تعاد صياغة القوانين لخدمة مشروع ديني قومي، وحين يجري التعامل مع الأرض والسيادة باعتبارهما امتدادا لنصوص مقدسة لا لمبادئ القانون الدولي الحديث، فإن الفارق بين "الدولة القومية الدينية" و"المملكة الثيوقراطية" يصبح أضيق بكثير مما تحاول الخطابات الرسمية الإسرائيلية الإقرار به مهما حاولت.


لا تخفي المرجعيات الدينية للتيارات الحريدية وتيار الصهيونية الدينية رغبتها في أن تتحول إسرائيل إلى "دولة الحاخامات" أو "دولة الشريعة"، وهي في ذلك تتحاشى ذكر كلمة "مملكة" ما أمكنها.


ولكن الحقيقة هي أن النموذج الأقرب الذي تريده هذه المرجعيات هو في الحقيقة شكل من الملكية الدينية، بمعنى إلغاء فكرة الجمهورية والانتخابات بالكامل، وتحويل إسرائيل إلى نموذج معاصر من "مملكة الحشمونائيم" التاريخية، وهذه المملكة هي النموذج التاريخي الراسخ في الذهنية الإسرائيلية للمملكة الدينية التي حكمها رجال الدين بقوة شريعة التوراة بين القرنين الثاني والأول قبل الميلاد.


وهذا هو الاتجاه الذي تسير فيه إسرائيل حاليا حسب ما يريده أتباع التيارات اليمينية الدينية.


نقول ذلك بالرغم من أن لا أحد من المراجع الدينية والسياسية للتيارات اليمينية الدينية يجرؤ اليوم على ذكر كلمة "مملكة" في الخطاب المعادي لفكرة الجمهورية الديمقراطية التي قامت عليها إسرائيل الغربية، وإنما يكتفي بذكر ضرورة "تحكيم التوراة" في الحياة بالكامل.


ولعل عدم جرأة هذه التيارات على ذكر توصيف (مملكة) المطلوب لإسرائيل يرجع إلى أن من الثابت في العقلية الدينية التوراتية أن فكرة "المملكة" مرتبطة بقدوم المسيح المخلص، لأن هذا المسيح هو "ملك إسرائيل"، ولا يجوز لأحد بالتالي أن يدعو إلى ملكية أو نظام ملكي ثيوقراطي قبل ظهور هذا المسيح المنتظر.


ولذلك يذهب هؤلاء إلى البحث عن تثبيت الجوهر بدلا من التركيز على المظهر والاسم، فتصبح إسرائيل "مملكة دينية" وإن كانت باسم "دولة ديمقراطية".


صحيح أن إسرائيل لا تزال تحتفظ نظريا بانتخابات وتعددية حزبية ومؤسسات مدنية وصحافة نشطة، لكن الاتجاه العام يشير إلى تراجع مستمر في الوزن الفعلي- داخل بنية الدولة- للقيم الليبرالية الغربية التي تفاخر بها الإسرائيليون منذ إنشاء إسرائيل عشية النكبة حتى اليوم.


فالصراع الدائر اليوم في إسرائيل اليوم ليس صراعا على حكومة فقط، بل على تعريف إسرائيل نفسها: هل هي دولة غربية "حديثة" تحاول التوفيق بين هويتها اليهودية ومبادئ الدولة المدنية، أم تتحول بصورة متسارعة إلى كيان ملكي حاخامي تحكمه العقيدة القومية الدينية بوصفها المرجعية العليا للدولة والمجتمع والسيادة؟


الخلاصة أن إسرائيل الآن لم تتحول فقط إلى يمين أكثر تشددا، بل تحولت إلى كيان يعيد تعريف نفسه بلا رجعة: فإسرائيل انتقلت الآن من نموذج الجمهورية الليبرالية الغربية إلى نموذج مملكة قومية دينية متشددة، ترى في الدين والهوية الجماعية أساس الشرعية السياسية، حتى وإن أدى ذلك إلى تقويض الأسس الليبرالية التي قامت عليها صورة إسرائيل التقليدية أمام العالم.


وهذا هو التناقض الأكبر في خطابها التاريخي اليوم: الدولة التي طالما قدمت نفسها بوصفها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط صارت- تحت زعامة الصهيونية الدينية واليمين المتطرف- تمثل النموذج التي طالما زعمت أنها نقيضه.

________________

عبد الله معروف

مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول، ومسؤول الإعلام والعلاقات العامة السابق بالمسجد الأقصى.

________________

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12592006
Please fill the required field.