كل أسبوع

انسحاب محدود أم فخ سياسي؟.. القصة الكاملة لـ"المناطق التجريبية" في جنوب لبنان

جنود من الجيش اللبناني خلال دخولهم بلدة زوطر الغربية للانتشار ضمن ما يُعرف بـ"المناطق التجريبية" جنوبي البلاد (الأوروبية)

افراسيانت - دخلت آليات الجيش اللبناني بلدة زوطر الغربية صباح الثلاثاء، وبعضها يرفع العلم اللبناني، في مشهد بدا كأنه اللحظة الأولى نحو انسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان.


غير أن هذه الصورة لم تصمد طويلا؛ فلم تمض ساعات حتى أعلن الجيش اللبناني أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مقربة من وحداته، بالتزامن مع تفجيرات وقصف إسرائيلي طالا بلدات مجاورة.


تلخص هذه المفارقة حقيقة ما جرى خلال الأيام الماضية: خطوة ميدانية واقعية، لكنها أضيق بكثير من أن ترقى إلى مستوى الانسحاب من الجنوب.


فالاتفاق الذي وقع بين الحكومة اللبنانية ونظيرتها الإسرائيلية وقدّم بوصفه مسارا لاستعادة السيادة، يضع الدولة اللبنانية أمام اختبارات عدة أبرزها اختبار نزع سلاح حزب الله، في حين يبقى الانتقال إلى المرحلة التالية معلقا على تقييم لم تحسم آليته بعد.


كيف بدأ تطبيق المناطق التجريبية؟


لم يبدأ المسار بدخول الجيش إلى زوطر الغربية صباح الثلاثاء، بل كان ذلك أول ترجمة ميدانية لتفاهمات بدأت قبل أسابيع، وانتقلت لاحقا من الإطار السياسي إلى الترتيبات الأمنية على الأرض.


ففي 26 يونيو/حزيران، أُبرم برعاية أمريكية اتفاق إطاري ينص على انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة، وإزالة السلاح والبنية العسكرية غير الحكومية منها، مقابل انسحاب إسرائيلي متدرج من الأراضي التي تحتلها إسرائيل.


وفي الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة، التي عقدت في روما منتصف يوليو/تموز، قال مسؤول أمريكي إن الطرفين اتفقا على "هيكل وإرشادات عملية للمناطق التجريبية، على أن تستكمل وتنفّذ في الأيام المقبلة".


الاثنين، أعلنت الخارجية الأمريكية بدء التطبيق في فرون وصريفا وزوطر الغربية. وفي صباح اليوم التالي، دخل الجيش زوطر الغربية، وبدأت فرق الهندسة مسح الطرق بحثا عن المتفجرات ومخلفات القوات الإسرائيلية، في حين دعا الجيش السكان إلى عدم العودة قبل استقرار الوضع الأمني.


لكن أول احتكاك وقع في اليوم نفسه، فقد أعلن الجيش اللبناني أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار "على مقربة" من وحداته، محذرا من أن "هذا الاعتداء من شأنه أن يعرقل تطبيق خطوات الانتشار".


أما الجيش الإسرائيلي، فقال -وفق هيئة البث الإسرائيلية– إن ما أطلقه كان "عيارات تحذيرية تجاه جنود لبنانيين عبروا الخط المتفق عليه".


وهكذا بدأ الاتفاق بخلاف على أبسط تفاصيله: أين ينتهي انتشار إسرائيل، وأين تبدأ سلطة الجيش اللبناني؟ ومن يملك تفسير الخرق؟


هل حدث انسحاب إسرائيلي فعلي؟


بحسب رويترز، دخل الجيش زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها. لكن المعطيات الميدانية تجعل الصورة أكثر تعقيدا.


فإسرائيل لم تكن تحتفظ أصلا بوجود عسكري دائم داخل فرون وصريفا، بينما تركّز وجودها في زوطر الغربية عند الأطراف، وفي صورة توغلات لتنفيذ تفجيرات ثم التراجع.


وفي المقابل، بقيت قواتها في زوطر الشرقية المتداخلة معها، وفي تلة علي الطاهر الإستراتيجية ومواقع أخرى.


وبناء على ذلك فإن المنطقة التجريبية الأولى "لن تؤدي إلى أي انسحاب إسرائيلي"، لأنها في بلدات لم تحتلها إسرائيل خلال الحرب.


بل إن معاينة ميدانية أكدت أن قوات الاحتلال "لم تصل" فرون رغم قصفها، في حين أعلن مجلس بلدية فرون أن البلدة "غير محتلة أصلا ولا تقع ضمن الخط الأصفر".


وبذلك، فإن ما حدث في زوطر الغربية أقرب إلى إعادة تموضع محدودة سمحت للجيش اللبناني بالدخول، وليس انسحابا من الشريط الممتد نحو 10 كيلومترات داخل لبنان.


مساحة البلدات الثلاث لا تتجاوز نحو 2% من أصل نحو 600 كيلومتر مربع تسيطر عليها إسرائيل. أما "التحدي الأكبر" سيكون في الانتقال إلى مناطق "تكون فعلا محتلة وينسحب منها جيش الاحتلال".


لماذا يُعد الإطار الثلاثي الخاص بلبنان وصفة لكارثة؟ 


هذا ويثير اتفاق الإطار الثلاثي الذي رعته الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل نقاشاً واسعاً حول قدرته على تحقيق الأهداف التي أعلنها، والمتمثلة في وقف القتال، واستعادة الهدوء على الحدود الجنوبية، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية.


وبينما تنظر واشنطن إلى الاتفاق بوصفه مدخلاً لإعادة ترتيب الوضع الأمني في جنوب لبنان، يرى عدد من المحللين أن بنوده قد تؤدي إلى نتائج معاكسة، إذ تمنح إسرائيل مساحة أوسع للإبقاء على وجودها العسكري، وتضع الدولة اللبنانية أمام استحقاقات داخلية معقدة، في مقدمتها ملف نزع سلاح حزب الله.


وتزداد أهمية هذه القراءة في ظل بدء تنفيذ الاتفاق عبر انتشار الجيش اللبناني في ما سمي "المناطق التجريبية"، بالتزامن مع ضغوط أميركية متصاعدة على بيروت للإسراع في بسط سلطة الدولة على كامل الجنوب، وربط أي انسحاب إسرائيلي إضافي بمدى التقدم في تفكيك البنية العسكرية لحزب الله.


ويرى مراقبون أن الاتفاق لم يكن نتاج مفاوضات متكافئة بين الأطراف الثلاثة، بل جاء في ظل اختلال واضح في ميزان القوى.


فإسرائيل دخلت المفاوضات وهي تمتلك تفوقاً عسكرياً واضحاً، وتسيطر على أجزاء من الأراضي اللبنانية، وتحظى بدعم أميركي سياسي وعسكري واسع.


وأما لبنان، فقد دخل المباحثات وسط أوضاع اقتصادية غير مسبوقة، ومؤسسات رسمية تعاني ضعفاً مالياً وإدارياً، إضافة إلى تداعيات الحرب التي أرهقت الدولة والجيش والمجتمع.


وفي مثل هذه الظروف، بدا أن هامش المناورة اللبناني محدود، الأمر الذي انعكس على طبيعة البنود التي جاءت في الاتفاق، حيث ربطت معظم الالتزامات اللبنانية بإجراءات تنفيذية واضحة، بينما تركت لإسرائيل مساحة أوسع لتقدير مدى الالتزام بهذه الإجراءات.


ويعتبر محللون أن هذه الصيغة تجعل الاتفاق أقرب إلى آلية لإدارة الأزمة بدلاً من أن يكون تسوية نهائية لها، إذ يبقى تنفيذ كثير من بنوده رهناً بالتقديرات السياسية والأمنية الإسرائيلية.


ويشكل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان الركيزة الأساسية لأي تفاهم أمني طويل الأمد، إلا أن الاتفاق لا يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لهذا الانسحاب، بل يربطه بما تصفه الوثيقة بالتقدم المتوازي في بسط سلطة الدولة اللبنانية ونزع سلاح حزب الله.


وبموجب الاتفاق، ينسحب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من "مناطق تجريبية" يتولى الجيش اللبناني الانتشار فيها، على أن يعمل على منع أي وجود مسلح خارج المؤسسات الرسمية.


لكن هذا الترتيب يثير تساؤلات حول الجهة التي ستحدد ما إذا كانت الدولة اللبنانية قد حققت تقدماً كافياً في تنفيذ التزاماتها.


وفي ظل غياب معايير دقيقة، تستطيع إسرائيل اعتبار أي خطوة لبنانية غير كافية، وبالتالي تبرير استمرار وجودها العسكري بحجة أن شروط الانسحاب لم تكتمل بعد.


ويشير مراقبون إلى أن هذا الاحتمال ليس نظرياً فقط، بل يستند إلى مواقف إسرائيلية متكررة تؤكد أن الانسحاب الكامل لن يتم قبل إزالة ما تعتبره تهديداً أمنياً دائماً من جانب حزب الله.


وبذلك يتحول الانسحاب من التزام واضح إلى عملية مفتوحة زمنياً، ترتبط بحسابات سياسية وأمنية قد تتغير باستمرار.


ويضع الاتفاق الدولة اللبنانية أمام أكثر الملفات حساسية منذ عقود، وهو ملف سلاح حزب الله.


وعلى المستوى النظري، يحظى مبدأ احتكار الدولة للسلاح بتأييد واسع داخل الأوساط الدولية، كما يشكل أحد المطالب الرئيسية للإصلاح السياسي في لبنان. غير أن التطبيق العملي يبدو أكثر تعقيداً بكثير.


ولا يمثل حزب الله تنظيماً مسلحاً فحسب، بل يعد لاعباً سياسياً رئيسياً، ويتمتع بقاعدة شعبية واسعة داخل الطائفة الشيعية، كما يمتلك شبكة اجتماعية ومؤسسات خدمية وعلاقات إقليمية تجعل التعامل مع سلاحه قضية تتجاوز البعد العسكري.


ويرى محللون أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة قد تقود إلى مواجهة داخلية، وهو السيناريو الذي تسعى معظم القوى اللبنانية إلى تجنبه.


وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالحوار السياسي يحتاج إلى توافقات داخلية وإقليمية لم تنضج بعد، ما يجعل تنفيذ هذا البند من أصعب التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية.


ويضع الاتفاق الجيش اللبناني في قلب المعادلة الجديدة. فهو الجهة التي يفترض أن تنتشر في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، وأن تمنع أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة، وأن تثبت للمجتمع الدولي قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الأمن في الجنوب.


لكن هذه المهمة تتطلب إمكانات بشرية ولوجستية واستخباراتية كبيرة، فضلاً عن غطاء سياسي داخلي متماسك.


وتدرك واشنطن هذه التحديات، ولذلك تعهدت بمواصلة دعم الجيش اللبناني، سواء عبر التدريب أو التسليح أو المساعدات المالية.


إلا أن هذا الدعم، رغم أهميته، لا يحل المعضلة الأساسية، وهي أن نجاح الجيش في تنفيذ مهمته يعتمد أيضاً على البيئة السياسية الداخلية، وعلى طبيعة العلاقة مع حزب الله، وليس على القدرات العسكرية وحدها.


ومن أبرز الانتقادات التي يوجهها محللون للاتفاق أنه يرفع شعار تعزيز سيادة الدولة اللبنانية، لكنه في الوقت نفسه يمنح إسرائيل أدوات واسعة لمواصلة تدخلها العسكري.


ويتضمن الاتفاق إقراراً بحق الطرفين في الدفاع عن النفس، وهو مبدأ تفسره إسرائيل عادة بصورة واسعة تتيح لها تنفيذ عمليات عسكرية استباقية متى اعتبرت أن هناك تهديداً لأمنها.


ويرى مراقبون أن هذا البند قد يتحول عملياً إلى غطاء لاستمرار الغارات أو العمليات العسكرية داخل لبنان، حتى بعد بدء تنفيذ الاتفاق، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الكاملة.


كما أن استمرار الاحتلال في بعض المناطق الحدودية، وربط الانسحاب بشروط مفتوحة، قد يؤدي إلى تكريس واقع أمني جديد يختلف شكلياً عن الاحتلال التقليدي، لكنه يبقي لإسرائيل نفوذاً مباشراً في إدارة المشهد الحدودي.


ورغم أن الاتفاق يركز على الجوانب الأمنية، فإنه لا يقدم حلولاً واضحة للأسباب السياسية التي أدت إلى الأزمة.


فملفات مثل ترسيم الحدود البرية، والانتهاكات المتكررة، وتعويض المتضررين، وآليات المساءلة القانونية، لا تحظى بحضور واضح في الاتفاق.


كما أن مستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وهو جوهر الأزمة الداخلية، لا يجد معالجة سياسية متكاملة، بل يقتصر على مقاربة أمنية تقوم على نزع السلاح.


ويرى محللون أن أي تسوية دائمة تحتاج إلى توافق سياسي لبناني شامل، يحدد دور الدولة، ومستقبل المقاومة، والعلاقة مع إسرائيل، وهي ملفات لا يمكن حسمها عبر ترتيبات أمنية فقط.


ولا يمكن فصل الاتفاق عن التحولات الإقليمية الأوسع. فقد جاء في سياق تفاهمات أميركية إيرانية هدفت إلى احتواء التصعيد في المنطقة، وإعادة ترتيب ملفات عدة تمتد من الخليج إلى لبنان.


وتسعى واشنطن إلى تثبيت معادلة جديدة تقلص نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، وتعزز حضور مؤسسات الدولة في عدد من دول المنطقة.


وفي المقابل، تراقب طهران وحلفاؤها هذه الترتيبات بحذر، لأن نجاحها قد ينعكس على مستقبل النفوذ الإيراني في لبنان.


ولهذا، فإن مستقبل الاتفاق لن يتحدد فقط داخل لبنان، بل سيتأثر أيضاً بمسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وبالتطورات الإقليمية الأوسع.


ويرى مراقبون أن الاتفاق يمثل بداية مرحلة جديدة أكثر مما يمثل نهاية للصراع. فنجاحه يتوقف على قدرة الأطراف على تنفيذ التزامات معقدة سياسياً وأمنياً، بينما قد يؤدي أي تعثر إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة مختلفة.


كما أن استمرار الخلاف حول سلاح حزب الله، وغموض آليات الانسحاب الإسرائيلي، واحتمال استمرار العمليات العسكرية تحت عنوان "الدفاع عن النفس"، كلها عوامل تجعل الطريق نحو الاستقرار طويلاً وشائكاً.


ويبدو أن اتفاق الإطار الثلاثي يهدف إلى إدارة مرحلة انتقالية أكثر من كونه يرسم تسوية نهائية للنزاع. فهو يوفر إطاراً أمنياً جديداً، لكنه لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسيادة اللبنانية، ومستقبل سلاح حزب الله، وحدود الدور الإسرائيلي، وآليات بناء دولة قادرة على احتكار القرار الأمني والعسكري.


ومن ثم، فإن نجاح الاتفاق سيظل رهناً بقدرة الأطراف اللبنانية على التوصل إلى تفاهمات داخلية، وباستعداد إسرائيل للالتزام بانسحاب فعلي من الأراضي اللبنانية، وباستمرار الدعم الدولي للدولة اللبنانية دون تحويلها إلى طرف في مواجهة داخلية جديدة.


وحتى يتحقق ذلك، سيبقى الاتفاق موضع اختبار، بين من يراه خطوة نحو الاستقرار، ومن يعتبره إطاراً قد يكرس اختلال موازين القوى ويؤجل، بدلاً من أن يحل، أزمات لبنان المزمنة.


هل يستطيع السكان العودة؟


خلف هذا الجدل السياسي والوضع الأمني غير المستقر، تقف قرى مدمرة وسكان ينتظرون العودة.


التقارير الميدانية تتحدث عن بلدات فقدت معظم بيوتها وخدماتها الأساسية؛ ففرون وحدها تضرر نحو 80% من منازلها، بينما لا تزال الطرق تحتاج إلى مسح هندسي قبل أن تصبح آمنة.


لذلك، لا تقاس التجربة بانتشار الجيش وحده، بل بقدرته على فتح طريق عودة الناس إلى بيوت لم يعد كثير منها صالحا للسكن.


من يخضع للاختبار فعلا؟


تصف إسرائيل المناطق التجريبية بأنها امتحان لسيادة الجيش اللبناني، بوصفه "السلطة الرسمية الوحيدة المخولة بحمل السلاح".


وقال مسؤول أمريكي، وفق رويترز، إنها تمنح الدولة فرصة "لبدء استعادة سيطرتها الفعلية" على مناطق كان حزب الله يهيمن عليها.


لكن الاتفاق لا يحدد موعدا ملزما للانسحابات التالية.


ونقل أكسيوس عن مسؤول أمريكي أن التفاوض ما زال مستمرا بشأن الجهة التي ستتحقق من خلو المناطق من أسلحة حزب الله، وأن المرحلة الثانية لن تبدأ إلا بعد هذا التحقق.


عمليا، يعني ذلك أن لبنان مطالب بإثبات نجاحه أولا، بينما تحتفظ إسرائيل بقدرتها على الاعتراض على النتائج وتأجيل الانسحاب.


ويقول سامي حلبي، مدير معهد السياسات البديلة في بيروت، لمجلة نيوزويك، إن الخطة "معدّة للفشل"، وإن الجيش اللبناني "عاجز تقنيا" عما يطلب منه، ما قد يضعه أمام مواجهة حزب الله "نيابة عن إسرائيل".


ويرفض حزب الله الاتفاق ونزع سلاحه ومخرجات التفاوض المباشر مع إسرائيل، ما يضع الجيش أمام مهمة تمس توازنا داخليا شديد الحساسية.


ولا يقتصر العبء الذي يفرضه الاتفاق على هذا المأزق الأمني الداخلي، بل يمتد إلى زاوية حقوقية دولية؛ إذ يتضمن الإطار بندا يلزم الطرفين بوقف "الأعمال العدائية في المحافل السياسية والقانونية الدولية"، وهو ما يُقرأ كقيد صريح يمنع لبنان من ملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية أمام المحاكم الأممية.


ما علاقة زيارة عون إلى واشنطن؟


تزامن دخول زوطر الغربية مع زيارة الرئيس جوزاف عون لواشنطن ولقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.


وكان عون قد طالب، خلال اجتماعه بوزير الخارجية ماركو روبيو، بتحقيق "انسحاب إسرائيلي أولي من المنطقة التجريبية الأولى".


أما روبيو، فقدّم دعم الدولة اللبنانية بوصفه طريقا لمواجهة حزب الله، وقال إن عون يستطيع العودة إلى لبنان ليقول إنه يحقق نتائج للبنانيين "لا حزب الله، لا إيران".


لذلك حملت زوطر وظيفة سياسية أيضا: منح عون خطوة يمكن تقديمها في واشنطن بوصفها ثمرة للمفاوضات.


لكنها قد تعمل في الاتجاه المعاكس، فتجعل لبنان ينفذ الجزء الأصعب من الاتفاق قبل أن تقدم إسرائيل تنازلا موازيا في أرض تحتلها فعليا.


فبينما يطلب من الجيش اللبناني البحث عن السلاح، تظل القوات الإسرائيلية متمركزة في نقاط ضمن ما تسميه "الخط الأصفر"، وتحتفظ بسيطرة نارية على محيط واسع.


ما السيناريوهات المقبلة؟


السيناريو الأفضل أن تنجح عملية الانتشار من دون صدام، وتتفق الأطراف على جهة تحقّق مقبولة، ثم تنتقل التجربة إلى بلدات تحتلها إسرائيل فعليا، بما يسمح بعودة السكان وبدء الإعمار.


وهذا ما تراهن عليه بيروت؛ فقد رأى كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية ديفيد وود، أن الدولة اللبنانية "ستأمل في استخدام هذه المنطقة التجريبية الأولى دليلا على نجاح المفهوم"، بما يدفع واشنطن للضغط على إسرائيل لقبول مناطق إضافية.


أما السيناريو الأقرب في المدى القصير، في ظل غياب الجدول الزمني والخلاف على التحقق، فهو بقاء المنطقة في حالة وسط: ينتشر الجيش في بلدات محدودة، وتواصل إسرائيل الإمساك بالخط الأصفر، بينما تتباطأ المراحل التالية تحت عنوان التحقق ونزع السلاح.


ويبقى السيناريو الأخطر أن يؤدي إطلاق النار، أو عمليات إسرائيلية جديدة، إلى انهيار التجربة وعودة المواجهة، خصوصا مع هشاشة التهدئة واحتمال انعكاس التصعيد الأمريكي الإيراني مجددا على لبنان.


لهذا، لا يمكن وصف ما جرى بأنه انسحاب إسرائيلي فعلي من جنوب لبنان، بل تسليم محدود لموضع صغير، لكنه يفتح اختبارا كبيرا: هل يقود الاتفاق إلى تفكيك الاحتلال خطوة بعد أخرى، أم يتحول إلى صيغة تدير وجوده، وتحمّل لبنان مسؤولية بقاء إسرائيل على أرضه؟

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12592042
Please fill the required field.