افراسيانت - خضر رسلان - هل المطلوب فعلاً وقف العدوان الإسرائيلي، أم إعادة صياغة موازين القوة في لبنان بما يخدم المصالح الإسرائيلية ويعيد رسم معادلات الداخل اللبناني؟
ليس الخلاف اليوم حول بندٍ تقني في مفاوضات جارية، ولا حول آلية انتشار قوات هنا أو هناك، بل حول تعريف لبنان نفسه ودوره وحدود سيادته. فكلما تقدّمت الطروحات المطروحة تحت عنوان التهدئة، عاد إلى الواجهة سؤال أكثر عمقاً وخطورة: هل المطلوب فعلاً وقف العدوان الإسرائيلي، أم إعادة صياغة موازين القوة في لبنان بما يخدم المصالح الإسرائيلية ويعيد رسم معادلات الداخل اللبناني؟
من يقرأ مسار المفاوضات المطروحة يلحظ أن الأولوية لا تُمنح لوقف الاعتداءات الإسرائيلية أو إنهاء الاحتلال أو تحرير الأسرى وعودة الأهالي إلى قراهم، بقدر ما تُمنح لملف سلاح المقاومة باعتباره المدخل الإلزامي لأي تسوية مقبلة. وهنا يكمن جوهر المعضلة.
فعندما يُطلب من الطرف الذي يتعرض للاستهداف اليومي أن يتخلى مسبقاً عن عناصر قوته، فيما يحتفظ المعتدي بحرية الحركة والضغط والتهديد، فإن الأمر لا يعود متعلقاً بتسوية متوازنة، بل بمحاولة فرض وقائع سياسية جديدة تحت وطأة الحرب ونتائجها.
واللافت أن ما يجري يُسوَّق للبنانيين على أنه فرصة للاستقرار، فيما تخشى شرائح واسعة أن يتحول إلى مدخل لتعميق الانقسام الداخلي وإنتاج أزمات جديدة. فالقضايا المرتبطة بالأمن الوطني والسيادة لا يمكن أن تُعالج تحت الضغط الخارجي أو ضمن مهل مفروضة من الخارج، بل عبر حوار وطني جامع ينطلق من مصلحة لبنان أولاً، ومن حقه الطبيعي في حماية أرضه وشعبه وسيادته.
في المقابل، تنظر المقاومة إلى المشهد من زاوية مختلفة. فهي تعتبر أن أصل المشكلة لا يكمن في وجودها، بل في استمرار الاحتلال والاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية. ومن هذا المنطلق ترفض الفصل بين وقف إطلاق النار ووقف العدوان الشامل، وتؤكد أن أي تسوية حقيقية يجب أن تبدأ بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق مسار إعادة الإعمار ومعالجة ملف الأسرى.
وترى أن أي اتفاق يتجاوز هذه الأولويات أو يحاول استبدالها بشروط سياسية وأمنية داخلية سيبقى اتفاقاً هشاً، قابلاً للاهتزاز عند أول اختبار ميداني أو سياسي.
إن المشهد الراهن يكشف أن لبنان يقف أمام مفترق بالغ الحساسية. فهناك من يسعى إلى تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية دائمة، وهناك من يصرّ على أن الأولوية يجب أن تبقى لوقف العدوان واستعادة الحقوق الوطنية كاملة.
وبين هذين المسارين يبرز تساؤل مشروع لدى شريحة واسعة من اللبنانيين حول جدوى الأداء الرسمي في هذه المرحلة، وحول الأسباب التي تدفع إلى تقديم التزامات أو تنازلات مسبقة فيما لا تزال الاعتداءات مستمرة، والأرض محتلة، والأسرى خلف القضبان.
فالمفاوضات بطبيعتها تقوم على تبادل الالتزامات والحقوق، لا على منح أوراق قوة مجانية لطرف يواصل استثمار الضغوط العسكرية والسياسية لتحصيل المزيد من المكاسب. ولذلك فإن أي مقاربة لا تنطلق من تثبيت الحقوق الوطنية أولاً قد تُفسَّر لدى كثيرين على أنها انتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التنازلات.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على اللبنانيين جميعاً: إذا كان الهدف المعلن هو تحقيق الأمن والاستقرار، فلماذا يُطرح البحث في عناصر القوة اللبنانية قبل ضمان وقف العدوان والانسحاب من الأرض المحتلة؟ ولماذا تبدو بعض الطروحات وكأنها تستعجل تقديم ما يطلبه الاحتلال قبل إلزامه بما يترتب عليه؟ إن ما يثير استغراب كثير من اللبنانيين ليس فقط ما يريده العدو، بل سهولة تحوّل بعض مطالبه إلى بنود قابلة للنقاش قبل استعادة الحقوق الوطنية كاملة.
وهنا يكمن جوهر النقاش الحقيقي: هل نحن أمام مسار يهدف إلى حماية لبنان واستعادة سيادته، أم أمام محاولة لإعادة تشكيله وفق موازين يريد الاحتلال فرضها مقابل وقف الحرب؟ وما عدا ذلك يبقى مجرد تفاصيل.

