سيناتور ديمقراطي يصف الحرب الحالية بالمهينة لترامب وللقوة الأميركية، ويؤكد أن نتنياهو تجاهل طلب ترامب وفضح عدم كفاءة واشنطن الفادحة.
افراسيانت - شنّ السيناتور الديمقراطي الأميركي، كريس ميرفي، هجوماً حاداً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المنطقة، واصفاً الحرب الجارية منذ الأمس بأنها "مهينة لترامب وللقوة الأميركية عموماً".
وأشار ميرفي إلى عجز واشنطن عن التأثير في قرارات حليفتها، قائلاً: "حين يعلن ترامب أنه سيتصل بنتنياهو ليطلب منه عدم الرد، ثم يقوم نتنياهو بالرد في غضون ساعات، فإن الإهانة تتفاقم وتزداد حدةً".
وأكد السيناتور الديمقراطي أن ترامب "فقد السيطرة بشكلٍ كامل على إدارة هذه الحرب منذ أمد بعيد"، لافتاً إلى أنه مع اندلاع حرب شاملة مجدداً بشكل مأساوي في المنطقة، فإنه "ليس من الصعب المبالغة في وصف مدى عدم كفاءته الفادحة".
تأتي تصريحات السيناتور في ظل تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن سياسة إدارة ترامب تجاه إيران و"الشرق الأوسط"، مع انتقادات من بعض أعضاء الكونغرس لاستخدام الخيار العسكري بدلاً من المسار الدبلوماسي.
لماذا لا يتعظ صناع السياسة الخارجية الأمريكية من أخطاء الحروب؟
في نفس السياق , نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا ينتقد بشدة السياسات الأمريكية الخارجية، ويتساءل عن سبب عدم الاتعاظ من الحروب السابقة خاصة الحرب على العراق، وكذلك حرب إيران التي وصف نتائجها الأولية بأنها "صادمة".
وحذر الكاتب بيتر باينارت من تكرار أخطاء كبرى سابقة دون وجود محاسبة سياسية أو فكرية حقيقية.
ويرى أن الحرب الجارية ضد إيران تمثل "اختبارا واقعيا" لأفكار تيار الصقور في واشنطن الذين دفعوا طويلا نحو مواجهة عسكرية شاملة.
وأشار إلى أن النتائج الأولية لهذه الحرب صادمة، سواء من حيث الكلفة الاقتصادية أو الإنسانية. فبحسب تقديراته، قد تفوق تكلفة الحرب تريليون دولار، إلى جانب أضرار كبيرة لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتراجع مخزون أنظمة الدفاع الصاروخي، وهو ما قد يضعف قدرة واشنطن على مواجهة خصوم إستراتيجيين آخرين.
كما يلفت المقال إلى تداعيات عالمية أوسع، من بينها ارتفاع مخاطر المجاعة في بعض المناطق، وزيادة معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، فضلا عن خسائر بشرية كبيرة.
ورغم هذه التكلفة العالية، يرى الكاتب أن أهداف الحرب المعلنة لم تتحقق. فإيران ما زالت تحتفظ بجزء كبير من ترسانتها الصاروخية، ولم يتم القضاء على برنامجها النووي أو إسقاط نظامها السياسي. بل على العكس، يعتبر أن طهران باتت أكثر قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، خصوصا عبر تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز.
غياب المساءلة
ثم ينتقل المقال بعد ذلك إلى نقد أعمق للبنية السياسية والفكرية في الولايات المتحدة، معتبرا أن المشكلة لا تقتصر على قرارات الحرب نفسها، بل تمتد إلى غياب المساءلة تجاه من يخطئون في التقدير. ويستشهد بتجربة حرب العراق، حيث استمر عدد من المؤيدين لها في شغل مناصب مؤثرة رغم ثبوت خطأ تقديراتهم.
ويحذر الكاتب من أن هذا النمط المتكرر من "دون حساب" يؤدي إلى إعادة إنتاج السياسات ذاتها التي تقود إلى حروب جديدة. ويشير إلى أن العديد من مراكز الفكر والمسؤولين الذين دعموا حرب العراق لا يزالون اليوم من أبرز الأصوات المؤيدة للتصعيد العسكري.
الاعتراف بالأخطاء
ويؤكد المقال أن المطلوب ليس إقصاء هؤلاء تماما، بل إلزامهم بإعادة تقييم أفكارهم والاعتراف بأخطائهم بشكل واضح وجذري، بدل الاكتفاء بالندم الشكلي. فغياب هذا التقييم العميق يجعل السياسة الخارجية الأمريكية تدور في الحلقة نفسها من الأخطاء.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من "الكوارث المصنوعة ذاتيا"، ما يضعف نفوذ الولايات المتحدة عالميا ويقوض ثقة المواطنين بالديمقراطية، داعيا إلى تحول حقيقي نحو الحلول الدبلوماسية بدل الاعتماد المفرط على القوة العسكرية.
كذلك توقفت صحيفة نيويورك تايمز عند تحوُّل صارخ لأسلوب الولايات المتحدة في شن الحروب في عهد الرئيس دونالد ترمب الذي أصبحت له نزعة إمبريالية، بحيث لم تعد واشنطن تتستر على مسوغات الحرب وكلفتها بل أصبحت تتعامل معها وكأنها محتوى رقمي.
وفي مقال تحليلي بعنوان "أمريكا اعتادت إخفاء حروبها وترمب يفعل العكس تماما"، لاحظ تشارلز هومانس أن رؤساء أمريكا السابقين كانوا يسعون إلى "تجميل" صورة التدخلات العسكرية أو التعتيم على تكاليفها، لكنَّ الرئيس ترمب حوَّل الحرب إلى شكل من أشكال "المحتوى الرقمي"، وقطع بذلك آخر الروابط المتبقية بين المسؤولية المدنية وقوة الدولة.
وانطلق هومانس، وهو مراسل يغطي الشؤون الأمريكية الداخلية، من خطاب الأمة الذي ألقاه الرئيس ترمب من البيت الأبيض يوم الأربعاء الماضي (الأول من أبريل/نيسان) بعد 32 يوما من الضربات الجوية المكثفة على إيران.
وقال هومانس إن الرئيس ترمب حاول في ذلك الخطاب السريالي إضفاء صبغة تاريخية على تصرفاته وعلى سلسلة من "المغامرات الخارجية غير المترابطة" بدءا من فنزويلا وكوبا حتى جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك.
وفي ذلك الخطاب، قارن الرئيس ترمب بين حملته العسكرية على إيران التي استمرت وقتها 32 يوما بالمدد الزمنية التي استغرقتها الحرب العالمية الأولى وحرب فيتنام وحرب العراق. وتعليقا على ذلك، قال هومانس إن ترمب استدعى فهما "خطيا" للحرب يتناقض جوهريا مع الواقع الأمريكي المعاصر.
ويشير هومانس إلى أن خطاب ترمب يتعامل مع الحرب بأنها سلسلة من "الحلقات" التي تتوالى وفق منطق التسلسل الإخباري على وسائل التواصل الاجتماعي، وحسب ذلك المنظور فإن الصراعات لا تنتهي بالضرورة بإبرام معاهدات أو تحقيق انتصارات إستراتيجية، بل إنها ببساطة "تتراجع إلى أسفل قائمة الأخبار".
قرن من التكاليف الخفية
ولفهم كيف وصلت الولايات المتحدة إلى هذه المقاربة في التعاطي مع الحرب، تتبَّع هومانس الأسلوب الذي كان متبعا على مدى القرنين العشرين والحادي والعشرين بهدف التستر على مجريات الحروب، وذلك من خلال إلغاء التجنيد الإجباري والتحول إلى نظام الجيش المهني، بحيث أصبحت الخسائر البشرية منحصرة في شريحة ديموغرافية صغيرة.
كما اعتمدت الإدارات السابقة مبدأ الغموض الاقتصادي، ومنذ دروس حرب فيتنام ابتعد الرؤساء عن "ضرائب الحرب"، وأصبحوا يفضلون تمويل العمليات العسكرية عبر الاقتراض وطباعة النقود، وهو ما أخفى التكلفة الفعلية عن دافع الضرائب العادي.
ولاحظ هومانس أن الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما (2009-2017) أتقنت ما سماها "الحرب الخفية" وذلك بالاعتماد على الطائرات المسيّرة لتحقيق أهدافها دون تعريض حياة الأمريكيين للخطر، وهو ما قلل حجم الخسائر البشرية في صفوف الأمريكيين.
من جهة أخرى، ورغم أن قانون سلطات الحرب لعام 1973، الذي انبثق من تجربة فيتنام، يؤكد سلطة الكونغرس في مناقشة الحروب علانية قبل الشروع فيها، فإن كل الرؤساء باستثناء جورج بوش الابن أطلقوا عمليات عسكرية خارجية دون الحصول على موافقة الكونغرس.
نزعة إمبريالية
وسلط هومانس الضوء على تحوُّل لافت في أسلوب الرئيس ترمب بين ولايته الأولى والثانية، ذلك أنه في الأولى (2017-2021) كان مقتنعا بأن "الأمم العظيمة لا تخوض حروبا لا نهاية لها".
أما في الولاية الثانية -يضيف هومانس- فإن الرئيس ترمب أصبح يتبنى "إرثا طويلا من النزعة الإمبريالية الأمريكية"، وبذلك لم يعد يكتفي بإدارة "الحروب الأبدية" بل أصبح يسوّق لها أيضا.
وخلص الكاتب إلى أن هناك تناقضا صارخا في نزعة ترمب العدوانية خلال ولايته الثانية، وتجلى ذلك تحديدا في الحرب الحالية على إيران، إذ يُعَد المحتوى الذي ينشره البيت الأبيض بشأن إيران تبريرا صريحا للقوة الأمريكية الصلبة.
لكنَّ ذلك الأسلوب -برأى الكاتب- يبقى مجرد محاكاة ساخرة لبلد يعتمد في تدخله العسكري على القوة التكنولوجية، وقال إن ذلك المحتوى الرقمي يليق ببلد لا يطلب من مواطنيه سوى التلقي السلبي، بعد أن تلاشت لديهم منذ زمن القدرات الفكرية والأخلاقية اللازمة للخوض في قضايا الحرب والسلام.
إسرائيل لا تستطيع تحمل شهية نتنياهو للحرب التي لا تنتهي
اما صحيفة هارتس فقد نشرت: يرى الكاتب ديفيد روزنبرغ في مقال نشره موقع هآرتس الإسرائيلية أن إسرائيل لم تعد قادرة اقتصادياً وسياسياً على تحمل ما وصفه بشهية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للحروب المفتوحة والممتدة، معتبراً أن التحول الذي قاده نتنياهو منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 دفع إسرائيل نحو حالة "الاستنفار الحربي الدائم" التي تستنزف الاقتصاد والمجتمع وتضع مستقبل الدولة أمام تحديات ثقيلة.
ويشير روزنبرغ إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، رغم اندفاعه نحو المواجهة مع إيران، أدرك سريعاً مخاطر التورط في حرب طويلة، وسعى لاحقاً إلى تقليص الانخراط الأمريكي. لكن نتنياهو، بحسب الكاتب، يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، إذ بات أكثر ميلاً إلى توسيع العمليات العسكرية والاستعداد الدائم لجولات جديدة من القتال.
تغير جذري
ويقول الكاتب إن نتنياهو قبل هجوم السابع من أكتوبر كان معروفاً بالحذر من خوض الحروب الطويلة، وكان يفضل العمليات العسكرية السريعة التي تنتهي بتسويات سياسية تقلل الكلفة على إسرائيل، إدراكاً منه أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يستطيع تحمل صراعات مفتوحة، وأن الجيش المعتمد بصورة كبيرة على قوات الاحتياط ليس مصمماً لحروب استنزاف طويلة.
لكن روزنبرغ يؤكد أن هذا النهج تغير بصورة جذرية بعد الحرب الحالية، مستشهداً باستمرار القصف الإسرائيلي على بيروت، وبما وصفه بالرغبة غير المعلنة لدى نتنياهو في استئناف الهجوم على إيران.
ويرى الكاتب أن نتنياهو، رغم مرور ما يقارب ثلاثة أعوام من القتال ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله وإيران، لم يحقق ما سماه "النصر الكامل"، كما لم يتمكن من إزالة التهديدات الاستراتيجية التي تواجهها إسرائيل. ومع ذلك، يواصل الدفع نحو سياسة تجعل إسرائيل في حالة استعداد دائم للحرب، حتى وإن لم تكن هناك مواجهات مفتوحة بشكل متواصل.
العبء المالي أصبح مرهقاً
ويشير روزنبرغ إلى أن تكلفة الحرب أصبحت هائلة على الاقتصاد الإسرائيلي، موضحاً أن العامين الأولين من الحرب قبل عملية "الأسد الهادر" كلّفا الحكومة نحو 120 مليار دولار وفقاً لتقديرات بنك إسرائيل. كما أن الحرب الأخيرة مع إيران أضافت ما لا يقل عن 12 مليار دولار أخرى كإنفاق عسكري ومدني، وهي أرقام يرجح الكاتب أنها أقل من التكلفة الحقيقية.
ويضيف المقال أن الإنفاق العسكري لا يزال مستمراً رغم اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، إذ تواصل إسرائيل احتلال مناطق واسعة من الجنوب اللبناني وتنفيذ غارات على أهداف تابعة لحزب الله، إضافة إلى استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة، ووجود قوات إسرائيلية داخل سوريا، فضلاً عن الانتشار المتزايد في الضفة الغربية.
وبحسب روزنبرغ، فإن العبء المالي لقوات الاحتياط وحدها بات مرهقاً، إذ تبلغ تكلفة كل 10 آلاف جندي احتياط نحو 109 ملايين دولار شهرياً. وكانت موازنة عام 2026 تتوقع وجود 40 ألفاً من جنود الاحتياط في الخدمة يومياً، لكن العدد الفعلي وصل حالياً إلى 100 ألف جندي في المتوسط، في ظل غياب أي خطة واضحة للخروج من ساحات القتال المختلفة.
أسباب تحمل الاقتصاد آثار الحرب
ويضيف روزنبرغ أن الاقتصاد الإسرائيلي تمكن حتى الآن من تحمل آثار الحرب لعدة أسباب، أولها خبرة الشركات الإسرائيلية الطويلة في التعامل مع ظروف الحرب، وثانيها الصدمة النفسية التي خلفتها أحداث السابع من أكتوبر، والتي دفعت قطاعات واسعة من الإسرائيليين إلى اعتبار الحرب مسألة بقاء وطني بغض النظر عن التكلفة الاقتصادية.
أما السبب الثالث، وفقاً للكاتب، فهو أن الإسرائيليين لم يتحملوا حتى الآن التكلفة المالية الكاملة للحروب، إذ غطت المساعدات العسكرية الأمريكية جزءاً كبيراً من النفقات، بينما جرى تمويل بقية التكاليف عبر الاقتراض الحكومي. لكن الكاتب يحذر من أن هذه الفاتورة ستظهر لاحقاً عبر زيادة الضرائب أو تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية.
التأثير في صورة إسرائيل
ويقول الكاتب إن تداعيات "الحرب الدائمة" لا تقتصر على الاقتصاد فقط، بل تمتد إلى صورة إسرائيل الدولية، خصوصاً داخل الولايات المتحدة، إذ إن الحرب في غزة والدور الإسرائيلي في دفع ترمب نحو الهجوم المشترك على إيران تسببا في تراجع التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل، ليس فقط بين الديمقراطيين والتيارات التقدمية، بل حتى داخل أوساط جمهورية وإنجيلية كانت تقليدياً داعمة لتل أبيب.
ويشير روزنبرغ إلى أن هذا التراجع قد ينعكس مستقبلاً على المساعدات العسكرية الأمريكية نفسها، لافتاً إلى تصويتات جرت في مجلس الشيوخ الأمريكي الشهر الماضي دعمت خلالها أغلبية أعضاء الحزب الديمقراطي مشاريع قرارات تهدف إلى وقف صفقات سلاح لإسرائيل، رغم أن هذه المشاريع لم تمر في النهاية.
كما يلفت الكاتب إلى أن نتنياهو نفسه بات يعترف ضمناً بإمكانية تقليص المساعدات الأمريكية بعد انتهاء اتفاق المساعدات الحالي عام 2028، وربما اختفائها بالكامل لاحقاً، وهو ما سيضاعف الضغوط المالية على الاقتصاد الإسرائيلي.
ويؤكد المقال أن الدين العام الإسرائيلي ارتفع بصورة ملحوظة منذ بداية الحرب، إذ كان يمثل نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي قبل السابع من أكتوبر، لكنه ارتفع إلى نحو 69% بنهاية عام 2025. وينقل الكاتب عن محافظ بنك إسرائيل أمير يارون قوله إن تنفيذ خطة نتنياهو العسكرية بالكامل قد يدفع نسبة الدين إلى 81% بحلول عام 2035، وربما إلى 83% إذا تقلص الدعم الأمريكي.
المصدر: هآرتس – نيويورك تايمز

