رأي

مضيق هرمز يغير العالم.. كيف أعادت حرب إيران رسم النظام الدولي؟

سفن شحن في الخليج قرب مضيق هرمز (رويترز)

افراسيانت - حسن فلحة - ما إن استل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب غضبه المستطير على إيران، وأماط لثام الإذن لصديقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليشعل حربه الموعودة على سنن التوراة، حتى استوى الاثنان في زج العالم برمته في أزمة كبرى بالغة التعقيد، أدخلته مرحلة فقدان السيطرة على إدارة الصراع، بدءا من الملف النووي الإيراني، مرورا بالتخبط في مضيق هرمز والغوص في رمال معابره، وربما الانتقال في القريب العاجل إلى الوقوف أمام باب المندب، حيث لا عودة عن الدخول إلى الانهيار الكبير.


الصين تدخل المنطقة من ممراتها الحيوية، بموازاة انشغال روسي بإعادة ترتيب الحضور، واتساع في الوعي الأوروبي والإدراك بحتمية التفلت من التبعية المطلقة لأمريكا


القوي لم يعد قويا، والضعيف لم يعد كذلك. لقد حصر مضيق هرمز سطوة أمريكا الكبرى بممر مائي، وأحال إيران من دولة إقليمية إلى قوة ذات حضور دولي تعيد رسم الاقتصاد العالمي، ما جعل العالم يشهد اختلال توازن كبيرا، وبالتالي فإن هذا العالم لم يعد ذاته لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.


مضيق هرمز ألغى القطب الواحد، والممرات الحيوية أعادت ترتيب التحالفات بين الدول. بحرب أو دونها، أمريكا لن تعود كما كانت، وكذلك إيران.


محور هرمز- باب المندب يبدو مستنقعا موعودا، يحتمل طرحا ذا سقف عال: "شرق أوسط بلا قوات أجنبية".


في المحصلة الآنية، غدت إيران أكثر حضورا على المستوى العالمي، تشدد في الحكم وصلابة في الموقف. أما أمريكا، فتستخدم فائض القوة منعا للانكماش في التأثير والسطوة بعد تشتت الحلفاء، بالتزامن مع اقتصاد عالمي متقلب على وقع بورصة اعتقد ترمب أنه قادر على اللعب بخطوطها.


الصين تدخل المنطقة من ممراتها الحيوية، بموازاة انشغال روسي بإعادة ترتيب الحضور، واتساع في الوعي الأوروبي والإدراك بحتمية التفلت من التبعية المطلقة لأمريكا.


تداعيات عملية "الغضب الملحمي" أعادت إسرائيل ونتنياهو إلى ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، فلا "كبرى" ولا "أبراهامات". كما جعلت لبنان أكثر ارتباطا بالخارج وأقل ترابطا في الداخل، وسط مؤشرات تنذر بالاتجاه نحو عقد جديد.


المقاومة عادت إلى أطرها الأولى: انكفاء في الاحتضان الرسمي، وعودة إلى الحصانة الشعبية.


ما يحصل الآن هو سعي حثيث لإيجاد مخرج للانزلاق الأمريكي، بالدفع الإسرائيلي في مضيق هرمز، إلى إعلان نوايا لا إعلان نصر.


الحرب توحي بأنها اصطناعية بلا ذكاء بشري، وهو ما تنبأ به صامويل هنتنغتون، الأستاذ المحاضر بجامعة هارفارد، حين قال إن الصراعات في العالم الحديث ليست بين الدول فقط، بل بين الحضارات.


لقد أثبتت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران أن الجغرافيا والتكنولوجيا الرخيصة تستطيعان الحد من التمدد الأمريكي، وكبح طموحات إسرائيل في التوسع نحو اتفاقيات أبراهام ودولة ذات حدود كبرى.


الدرون والقوارب الصغيرة تغيران الاتجاه على قاعدة حديثة حسابية رقمية، مفادها أن التكنولوجيا البسيطة قد تتفوق على التكنولوجيا العاتية.


الحرب توحي بأنها اصطناعية بلا ذكاء بشري، وهو ما تنبأ به صامويل هنتنغتون، الأستاذ المحاضر بجامعة هارفارد، حين قال إن الصراعات في العالم الحديث ليست بين الدول فقط، بل بين الحضارات، وإن "الصدام الآتي سيكون صدام حضارات لا صدام أيديولوجيات".


بيد أن الغزوات الأمريكية الإسرائيلية على إيران لن يخرج أحد منها كما دخل. ستكون بداية تشكل تراصف عالمي جديد، بعيدا عما يعرف بالنظام العالمي الذي كان أبرز نتائج الحرب العالمية الثانية. وأقل ما يمكن قوله إن العالم لا يتجه إلى قطب واحد، بل إلى أقطاب إقليمية متعددة، وصراعات لم تشهدها المنطقة من قبل.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12503257
Please fill the required field.