رأي

غزة وإيران ولبنان.. ثلاث أزمات ترسم شرق أوسط جديداً 

غزة وإيران ولبنان.. ثلاث أزمات ترسم شرق أوسط جديداً 

افراسيانت - تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة متسارعة من إعادة تشكيل التوازنات، مع تداخل ثلاثة مسارات رئيسية في غزة وإيران ولبنان، وتحول كل أزمة منها إلى عامل مؤثر في الأخرى.


وبينما تحاول الولايات المتحدة الدفع نحو تسويات سياسية تخفف من حدة الصراعات، تواصل إسرائيل تبني مواقف أكثر تشدداً، الأمر الذي يضع مشاريع التهدئة أمام اختبار مستمر ويجعل مستقبل المنطقة مرتبطاً بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها.


ويبرز هذا التداخل بوضوح في الموقف الإسرائيلي من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن المرحلة الثانية من اتفاق السلام في غزة. فرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخطة، وتمسكه بعدم الانسحاب من القطاع قبل نزع سلاح حركة حماس بالكامل، لا يعكس فقط خلافاً حول مستقبل غزة، بل يكشف أيضاً عن تباين في الأولويات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن شكل التسوية التي يمكن أن تنهي الحرب وتعيد ترتيب الوضع الإقليمي.


وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه التكهنات بشأن إمكانية التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران، وهو مسار يثير مخاوف إسرائيلية من أن يؤدي أي اتفاق أميركي ـ إيراني إلى تقليص هامش الحركة الإسرائيلي تجاه إيران.


ومن هنا تتقاطع حسابات غزة مع الحسابات المرتبطة بالملف الإيراني، إذ ترى تل أبيب أن مستقبل أمنها لا ينفصل عن تطورات البرنامج النووي الإيراني وقدرات طهران العسكرية وشبكة حلفائها في المنطقة.


وأصبحت غزة أكثر من مجرد ساحة للحرب بين إسرائيل وحماس؛ فالقطاع تحول إلى محور أساسي في إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية والدولية. فكل محاولة لإنهاء الحرب تصطدم بأسئلة تتعلق بنزع سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل الحكم في القطاع، وإعادة الإعمار، ودور القوى الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.


ويعكس رفض نتنياهو لخطة ترامب حجم التعقيد الذي يواجه أي تسوية. فبينما تريد واشنطن تقديم نفسها باعتبارها قادرة على إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة، تربط الحكومة الإسرائيلية الانسحاب بتحقيق هدف أمني يتمثل في نزع سلاح حماس.


وهذا الخلاف يحمل تداعيات تتجاوز غزة نفسها. فاستمرار الحرب يضعف فرص الاستقرار الإقليمي، ويزيد الضغوط على حلفاء واشنطن العرب، ويجعل أي مشروع لإعادة بناء منظومة أمنية وسياسية في الشرق الأوسط أكثر صعوبة.


وإذا كانت غزة تمثل إحدى أبرز ساحات الصراع المباشر، فإن إيران تمثل البعد الاستراتيجي الأوسع في معادلة الشرق الأوسط. فالعلاقة بين إسرائيل وإيران لم تعد محصورة في حرب الظل، بل أصبحت جزءاً من الحسابات الأمنية والسياسية للولايات المتحدة ودول المنطقة.


وتشير التقارير عن احتمال توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق إلى وجود مسار دبلوماسي يمكن أن يعيد تشكيل المشهد الإقليمي. فإذا نجحت المفاوضات، فقد يؤدي ذلك إلى خفض مستوى التصعيد وفتح الباب أمام ترتيبات أوسع بشأن الأمن الإقليمي والطاقة والملاحة، ولا سيما في ظل أهمية مضيق هرمز بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.


لكن أي اتفاق أميركي ـ إيراني قد يواجه اعتراضاً إسرائيلياً، خصوصاً إذا اعتبرت تل أبيب أن الاتفاق لا يعالج بصورة كافية القدرات العسكرية الإيرانية أو نفوذ طهران الإقليمي. ولذلك فإن مسار التفاوض بين واشنطن وطهران سيبقى مرتبطاً إلى حد كبير بالموقف الإسرائيلي، وبقدرة الإدارة الأميركية على تحقيق توازن بين احتواء إيران والحفاظ على التحالف مع إسرائيل.


وأما لبنان، فيمثل حلقة أخرى في هذه المعادلة، بسبب استمرار التوتر بين إسرائيل وحزب الله، وبقاء مسألة الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق الحدودية، إلى جانب الخلاف حول مستقبل السلاح ودور الدولة اللبنانية في إدارة الملف الأمني.


وتزداد أهمية لبنان في ظل ارتباطه المباشر بالاستراتيجية الإقليمية لإيران. فأي تصعيد إسرائيلي ضد طهران يمكن أن تكون له انعكاسات على الجبهة اللبنانية، كما أن أي تسوية مع إيران قد تفتح الباب أمام ترتيبات جديدة بشأن لبنان وحزب الله.


إعادة تشكيل الشرق الأوسط قد تكون قد بدأت بالفعل، ليس من خلال اتفاق إقليمي شامل، وإنما عبر سلسلة من التحولات المتزامنة التي تعيد توزيع النفوذ وتختبر التحالفات القائمة.


ومن هنا، فإن الجهود الأميركية للتهدئة في لبنان لا يمكن فصلها عن مسار غزة أو المفاوضات مع إيران. فالولايات المتحدة تحاول منع تحول أي جبهة من هذه الجبهات إلى شرارة تؤدي إلى انفجار إقليمي أوسع، بينما تسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ بهامش أمني واسع يمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للجهات التي تعتبرها تهديداً لها.


وتضع هذه الأزمات الإدارة الأميركية أمام معادلة معقدة. فمن جهة، يريد ترامب تحقيق اختراق دبلوماسي يتيح له تقديم نفسه باعتباره رئيساً قادراً على إنهاء الحروب وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.


ومن جهة أخرى، يحتاج إلى الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل وتجنب صدام سياسي مع القوى المؤيدة لها داخل الولايات المتحدة.


وتزداد صعوبة المعادلة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأميركية والإسرائيلية، إذ تتداخل الحسابات الداخلية مع القرارات المتعلقة بالحرب والسلام. فنتنياهو يواجه ضغوطاً من التيار اليميني داخل حكومته، بينما يواجه ترامب بدوره حسابات سياسية داخلية مرتبطة بموقف الناخبين الأميركيين من إسرائيل والحرب في غزة.


ويعني ذلك أن مستقبل الشرق الأوسط لا تحدده فقط المصالح الأمنية للدول، وإنما أيضاً الاعتبارات السياسية الداخلية للقادة الذين يديرون هذه الملفات.


وتكشف أزمات غزة وإيران ولبنان عن تراجع قدرة الأطراف على التعامل مع كل ملف باعتباره أزمة منفصلة. فالحرب في غزة تؤثر في علاقات إسرائيل مع الدول العربية، والتوتر مع إيران ينعكس على لبنان والعراق والخليج، بينما يمكن لأي تصعيد في لبنان أن يعيد إشعال مواجهة أوسع بين إسرائيل ومحور إيران.


ومن هنا، فإن إعادة تشكيل الشرق الأوسط قد تكون قد بدأت بالفعل، ليس من خلال اتفاق إقليمي شامل، وإنما عبر سلسلة من التحولات المتزامنة التي تعيد توزيع النفوذ وتختبر التحالفات القائمة.


ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه التحولات ستقود إلى مرحلة جديدة من التسويات، أم إلى مزيد من الصراعات. فإذا نجحت واشنطن في دفع مسارات غزة وإيران ولبنان نحو تفاهمات متوازية، فقد تتشكل فرصة لإعادة بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقراراً.


وأما إذا استمرت إسرائيل في رفض التسويات، وتعثر الحوار الأميركي ـ الإيراني، وبقي لبنان عالقاً بين الضغوط الداخلية والتجاذبات الإقليمية، فقد تدخل المنطقة دورة جديدة من التصعيد.


وفي الحالتين، يبدو الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية؛ فغزة لم تعد أزمة منفردة، وإيران لم تعد ملفاً أمنياً منفصلاً، ولبنان لم يعد جبهة هامشية. إنها حلقات مترابطة في معادلة إقليمية واحدة، وستحدد طريقة التعامل معها شكل الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

________________

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12591964
Please fill the required field.