رأي

في وهم الحماية الأميركية.. في ضرورة الاعتماد على الذات 

في وهم الحماية الأميركية.. في ضرورة الاعتماد على الذات 

افراسيانت - محمد الصالحين الهوني - في الأسابيع الأربعة عشر التي أُغلق فيها مضيق هرمز لم يكن ترامب يفكّر في الخليج بل في سعر البنزين الأميركي… وهذا كاف لاستيعاب كل شيء.


أميركا أولا…قال العرب قديما “ما حكّ جلدك مثل ظفرك”. الجملة ليست مجرد حكمة شعبية، بل فلسفة سياسية كاملة تلخّص تجربة الشعوب: لا أحد يشعر بألمك كما تشعر به، ولا أحد يحمل هاجسك كما تحمله، ولا أحد سيحكّ جلدك بدقة كافية إلا ظفرك أنت. هذه ليست استعارةً شعرية بل تصوير واقعي لما تعنيه الإرادة الذاتية والقرار المستقل والقدرة المُبنية بيد أصحابها. أما من يعتمد على ظفر غيره فقد يحصل على بعض الراحة، لكنه لن يُداوي الحكّة.


في منتصف مارس 2026، وبينما كان مضيق هرمز يعيش يومه الرابع مغلقًا وإيران تُهدد كل سفينة تحاول العبور، كتب ترامب على منصته “لسنا بحاجة إلى نفط المنطقة، وربما لا ينبغي أن نكون هناك أصلًا”. ثم طالب الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية بإرسال سفنها لحماية الممر. الدول المذكورة رفضت. والجملة بقيت، منقوشة في سجل ما يُقال حين تتصادم البراغماتية الأميركية مع المصلحة الخليجية.


الأيام التي تلت الثامن والعشرين من فبراير كشفت بوضوح لا يحتمل التأويل ما هي الأولوية الأميركية. مذكرة التفاهم التي توصّل إليها ترامب مع إيران بُنيت أساسًا على فتح مضيق هرمز، من خلاله “سيتدفق النفط من كلا طرفَي المنطقة” وفق تعبيره. المصلحة الأميركية التي حركت ترامب نحو الاتفاق لم تكن هي أمن الخليج، بل كانت أسعار الوقود وانعكاسها على الناخب الأميركي.


حين قال ترامب “ربما لا ينبغي أن نكون هناك” لم يكن يهدد الخليج بل كان يصف واقعا إستراتيجيا طالما أخفاه الخطاب الرسمي عن حلفائه في المنطقةز


الفارق هنا جوهري: حين تنظر واشنطن إلى هرمز، ترى ممرًا للطاقة العالمية يرتبط بأسعار البنزين الأميركي وبالتضخم الداخلي وبالانتخابات. وحين تنظر دول الخليج إلى هرمز، ترى شريانًا يصل عبره نفطها إلى الأسواق وتدور بموجب عائداته مؤسسات الدولة وحسابات الاستقرار الاجتماعي. نفس المضيق، بعينين مختلفتين تمامًا، ومصلحتان لا تتطابقان إلا حين يتطابق القدر.


ثمة قراءة في الدوائر الإستراتيجية الأميركية لا تُعلَن بصوت عالٍ لكنها توجّه السلوك بهدوء: أن منطقة الشرق الأوسط في حالة من التنافس والتوتر والتشتت تبقى أكثر قابلية للإدارة الأميركية من منطقة موحّدة ومتكاملة. الفوضى “الخلاقة”، وفق هذه القراءة، تضمن استمرار الحاجة إلى الوجود الأميركي وتُبقي كلفة الاستقلال الإقليمي مرتفعة. في هذه المعادلة، دول الخليج لا تُدار بالتهديد المباشر بل بإبقائها في حاجة دائمة إلى ضمانة لا تأتي بالكامل ولا تُرفض بالكلية.


وما شهدناه خلال أشهر الأزمة الأربعة كشف هذه المعادلة بجلاء غير مسبوق. ترامب أعطى ضمانات تأمينية للناقلات التجارية في مارس ثم طلب من دول أخرى تحمّل الحمل. وحين فشلت محادثات إسلام آباد في أبريل، فرض الحصار البحري على إيران. لكنه حصار خدم الضغطَ على إيران للقبول بشروط أميركية لا خليجية. والاتفاق النهائي لا يعالج صراحةً مسألة الضمانات الأمنية الخليجية كشرط لأي تسوية مستدامة.


هذا لا يعني أن أميركا عدوّة للخليج، بل يعني شيئًا أدقّ وأكثر أهمية: أن أميركا شريكة بمصالحها الخاصة، لا حارسة بإرادة مستقلة. والفرق بين الصورتين هو الفرق في كيفية صياغة السياسة الخليجية.


لا تستدعى الحكمة العربية القديمة لذمّ الشراكات الخارجية أو الدعوة إلى العزلة، بل لتأسيس علاقة صحية تقوم على الندية لا على التبعية. دول الخليج التي طوّرت على مدى العقد الماضي رؤى طموحة للتنويع الاقتصادي ورسمت مسارات للانفتاح والتحديث تملك الأرضية المناسبة لتوسيع هذا المسار نحو الاستقلالية الإستراتيجية. الخطوة ليست في رفض واشنطن كشريك، بل في رفض الوصفة التي تجعل الشراكة بديلًا عن القرار الذاتي.


الخليج يمتلك ما تفتقر إليه كثير من دول العالم: ثروة سيادية تتجاوز التريليونات من الدولارات، وموقعًا جغرافيًا يجعله محور تقاطع لسلاسل الطاقة والتجارة العالمية، وديناميكية ديموغرافية شابة تتقن لغة العصر التقنية. هذه الموارد الثلاثة – حين تُدار بإرادة سياسية مستقلة – تُشكّل “الظفر” الذي تحدّث عنه المثل. والاستثمار في منظومة أمنية خليجية – إقليمية ذاتية ليس ترفًا إستراتيجيًا، بل ضرورة تكشّفت بعمق خلال الأشهر الماضية.


التعاون الدفاعي الخليجي المشترك ظل لعقود يُشكّل بنيةً هيكلية أكثر منه فاعليةً عملياتية حقيقية. ما أفرزته الحرب هو إدراك مؤلم: حين يُغلق هرمز وتُضرب دول الخليج الست جميعًا بصواريخ ومسيّرات، لا تأتي الطائرات الأميركية دفاعًا عن العواصم الخليجية، بل تأتي حين يصبح استمرار الضربات مُكلفًا للمصلحة الأميركية ذاتها. هذا الفارق في الحوافز يستدعي إجابةً خليجية مختلفة.


الخليج يمتلك ما تفتقر إليه كثير من دول العالم: ثروة سيادية تتجاوز التريليونات من الدولارات، وموقعًا جغرافيًا يجعله محور تقاطع لسلاسل الطاقة والتجارة العالمية، وديناميكية ديموغرافية شابة تتقن لغة العصر التقنية


ما فعلته قطر خلال الأزمة يُقدّم نموذجًا مثيرًا للتأمل. الدوحة التي استُهدفت بصواريخ إيرانية لم تتخلَّ عن قنواتها مع طهران ولم تغلق بابها أمام واشنطن، بل وجّهت مفاوضيها إلى طهران في اللحظة الحساسة التي كان فيها الاتفاق على حافة الانهيار. لم تطلب هذه الوساطة من واشنطن، بل نبعت من قرار قطري ذاتي يرى أن الحفاظ على القنوات المفتوحة هو في حد ذاته أداة قوة لا تنازلًا عن الأمن. وهذا تحديدًا هو معنى “ما حكّ جلدك مثل ظفرك” حين يُترجَم إلى سياسة خارجية: لا تنتظر من يفتح الباب نيابةً عنك، بل احتفظ بمفتاحه في يدك.


الدرس الأوسع هو أن دول المنطقة حين تتقدم بمبادراتها الخاصة – سواء في الوساطة أو في بناء القدرات أو في صياغة شروط مشاركتها في أي ترتيب دولي – تُوجد لنفسها هامشًا من الاستقلالية يصعب انتزاعه. والهامش لا يُبنى بخطاب التمرد على الشراكات، بل بالجدارة التي تجعل الخليج طرفًا لا يُتجاوز لا لأن أميركا تحميه، بل لأنه يمتلك من الأوراق ما يجعل تجاوزه مُكلفًا.


الاتفاق الذي سيُوقَّع قريبًا في جنيف سيفتح هرمز مجددًا، وهذا نعمة حقيقية للاقتصادات الخليجية والعالمية. لكن هرمز الذي أُغلق لأسابيع طويلة بينما كانت الدول العظمى تتفاوض على مصالحها سيبقى تذكيرًا بليغًا بأن الشريان الذي تعيش عليه المنطقة لا يمكن أن يظل رهينة توافقات لا تُشارك فيها المنطقة كطرف محوري.


“ما حكّ جلدك مثل ظفرك” ليست دعوةً إلى الحرب ولا إلى العزلة، بل دعوة إلى الجدية في بناء الذات، والوضوح في تعريف المصلحة، والشجاعة في عدم الاعتماد على أحد لحماية ما يمكن حمايته ذاتيًا.


دول المنطقة أمام خيار تاريخي لا تمليه الشعارات بل تمليه الوقائع التي عاشتها على مدى الأشهر الأربعة الماضية: إما الاستمرار في التعامل مع الشراكة الأميركية كضمانة أمنية كافية بحد ذاتها، وإما التحول إلى مرحلة تصبح فيها هذه الشراكة عنصرًا في معادلة أمن أوسع وأعمق يبنيها الخليج بظفره هو. والمثل لا يوصي بأحد الخيارين، بل يشير بهدوء الحكيم إلى أيهما أجدى.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12496006
Please fill the required field.