مختارات

حين صار الحقد حساباً وهمياً: في فلسفة المتصيّد الرقمي

حين صار الحقد حساباً وهمياً: في فلسفة المتصيّد الرقمي

افراسيانت - زينب برجاوي - لم يعد المتصيّد الرقمي محتاجاً إلى جهد كبير كي يزوّر صورة أو يصنع خبراً أو يضاعف الحسابات أو ينتج سيلاً من التعليقات. ما كان يتطلّب جهاز دعاية صار ممكناً بضغطة زر. 


لم تعد الكراهية تحتاج إلى وجه. في الأزمنة القديمة، كان الحاقد يخرج إلى الساحة، يوقّع باسمه، يصرخ، يهدّد، ويتورّط بجسده في خصومته. أما اليوم، فيكفيه اسم مستعار، صورة حيوان أو بطل كرتوني أو علم صغير، وهاتف مضاء في آخر الليل. من هناك، من خلف شاشة باردة، يستطيع أن يجرّ العالم إلى معركة لا يعرف أحد من بدأها ولا من سيوقفها.


هذا هو المتصيّد الرقمي: ليس مجرّد شخص سيّئ المزاج على الإنترنت، ولا مستخدماً ساخراً يعلّق بنكتة ثقيلة. المتصيّد الرقمي، في صورته الأكثر خطورة، هو الحقد وقد وجد وسيطاً مثالياً: سرعة بلا مسؤولية، حضور بلا جسد، كلام بلا توقيع، وعدوان بلا كلفة مباشرة. إنه المواطن السريّ في جمهورية الضغينة الرقمية.


في البداية، بدا الأمر طريفاً. شبكات التواصل فتحت المجال أمام السخرية الشعبية، أمام النكتة الخاطفة، أمام تفكيك الخطاب الرسمي واللغة المتخشّبة. صار في وسع أيّ شخص أن يسخر من سياسي متعالٍ، أو مؤسسة متغطرسة، أو خطاب أخلاقي منافق. كانت الميمات، في أحسن حالاتها، شكلاً من أشكال الديمقراطية الضاحكة: صورة واحدة تقوّض بياناً طويلاً، وتعليق ذكي يهزم دعاية ثقيلة.


لكنّ الضحك، كما يعرف كلّ من تأمّل طويلاً في طبيعته، ليس بريئاً تماماً. نحن لا نضحك دائماً لأننا سعداء؛ نضحك أحياناً لأنّ الآخر تعثّر، لأنّ صورة أحدهم انكسرت، لأنّ هيبةً ما سقطت. في الضحك شيء من العدوان. وفي الميم شيء من الشماتة. وفي النكتة، أحياناً، رغبة دفينة في إنزال الآخر عن المنبر الذي صعد إليه. من هنا يبدأ الفرق بين السخرية التي تحرّر، والسخرية التي تلوّث.


المتصيّد الرقمي لا يريد أن يناقش. إنه لا يدخل إلى الفضاء العامّ بحثاً عن حقيقة، بل عن جرح. يراقب الكلمات كما يراقب الصياد حركة الطُعم. ينتظر العبارة الناقصة، الهفوة الصغيرة، الصورة غير الموفّقة، التردّد، الخطأ النحوي، التعليق الغامض. ثم ينقضّ. ليس هدفه أن يصحّح، بل أن يفضح. وليس أن يفهم، بل أن يجعل صاحب الكلام يندم على الكلام.


لذلك، فإنّ المتصيّد الرقمي كائن تفاعلي لا فعّال. الفاعل ينتج، يكتب، يقترح، يخاطر، يعلن موقفاً. أما المتصيّد الرقمي فينتظر الفعل كي يهاجمه. هو لا يبني بيتاً، بل يرمي حجراً على نافذة البيت. لا يكتب كتاباً، بل يضع نجمة واحدة ويغادر. لا يخوض تجربة، بل يحاكم تجربة الآخرين. قوته كلّها مستعارة من ضعف غيره، أو من لحظة ارتباك ينجح في تضخيمها وتحويلها إلى فضيحة.


في عمق هذه الظاهرة يقيم شعور قديم اسمه الضغينة. الضغينة ليست غضباً عابراً. الغضب قد يكون نبيلاً حين يواجه ظلماً واضحاً. أما الضغينة فهي غضب فشل في أن يصير فعلاً، فاستحال سمّاً داخلياً. صاحب الضغينة لا يقول فقط: لقد أُهنت. يقول: لا بدّ أن يكون أحدهم مسؤولاً عن حياتي الناقصة. لا بدّ أنّ شخصاً ما سرق المكان الذي كان يجب أن يكون لي. ومن هنا، يصبح نجاح الآخر إهانة شخصية، وظهوره استفزازاً، وفرحه اعتداءً.


بهذا المعنى، لا يكره المتصيّد الرقمي الآخر لأنه يجهله فقط، بل لأنه يراه أكثر مما ينبغي. يراقبه، يتبعه، يحفظ منشوراته، يعود إلى صوره القديمة، يبحث عن تناقضاته، يفرح بسقوطه. إنه شكل معاصر من الغيرة: رؤية بلا محبة، متابعة بلا إعجاب، قرب بلا ألفة. في الشبكات الاجتماعية، صار "المتابع" قابلاً لأن يتحوّل في أيّ لحظة إلى مطارِد. المسافة بين المتابعة والملاحقة لم تعد كبيرة كما نظن.


المشكلة أنّ المنصات نفسها لا تقف خارج هذه اللعبة. اقتصادها قائم على الانتباه، والانتباه يتغذّى من الاستفزاز. المنشور الهادئ يموت سريعاً، أما المنشور الغاضب فيتحوّل إلى عاصفة. الخوارزمية لا تسأل إن كان الكلام صحيحاً أو عادلاً أو مسؤولاً؛ تسأل فقط: هل أثار تفاعلاً؟ هل دفع الناس إلى الردّ؟ هل أبقاهم أكثر أمام الشاشة؟ وهكذا يصبح الغضب مادة خاماً، وتصبح الضغينة مورداً اقتصادياً، ويصبح المتصيّد الرقمي عاملاً مجانياً في مصنع الانتباه.


من هنا نفهم لماذا لم يعد المتصيّد الرقمي ظاهرة فردية فقط، بل صار أسلوباً سياسياً. في زمن سابق، كانت الدعاية تحاول أن تقنع. أما اليوم، فكثير من الدعاية لا يريد إقناعك بقدر ما يريد إنهاكك. لا يهم أن تصدّق الكذبة كلها؛ يكفي أن تشكّ في الحقيقة. لا يهم أن تؤمن بالرواية البديلة؛ يكفي أن تقول: كلهم يكذبون. عندها ينهار المجال العامّ، لا لأنّ الناس اختاروا الزيف بوعي، بل لأنهم تعبوا من التمييز بين الصدق والكذب.


السياسة، حين تتعلّم من المتصيّد الرقمي، تكفّ عن كونها صراع برامج وتصبح إدارة استفزاز. الزعيم لا يحتاج إلى حجة متماسكة؛ يحتاج إلى جملة جارحة تتصدّر الأخبار. الحزب لا يحتاج إلى تصوّر للمستقبل؛ يحتاج إلى جيش حسابات يهاجم الخصوم، ويشكّك في الصحافيين، ويحوّل كلّ نقاش إلى حفلة اتهام. وعندما تصبح الفضيحة اليومية هي الإيقاع الطبيعي للحياة العامّة، تفقد الفضيحة معناها. يصير كلّ شيء صادماً، وبالتالي لا يعود شيء صادماً.


الأخطر أنّ المتصيّد الرقمي لا يكتفي بتشويه الأشخاص؛ إنه يشوّه اللغة نفسها. يحوّل النقاش إلى محاكمة، والاختلاف إلى خيانة، والخطأ إلى جريمة، والاعتذار إلى دليل إدانة. في عالم المتصيّدين الرقميين، لا أحد يتعلّم، لأنّ كلّ تراجع يُقرأ كضعف. ولا أحد يشرح، لأنّ الشرح يُستعمل ضده. ولا أحد يخطئ كبشر، بل يخطئ كعدو يجب إسقاطه. هكذا تفقد اللغة وظيفتها الأولى: أن تكون جسراً بين العقول، وتتحوّل إلى كمين.


ومع الذكاء الاصطناعي، تدخل الظاهرة طوراً جديداً. لم يعد المتصيّد الرقمي محتاجاً إلى جهد كبير كي يزوّر صورة أو يصنع خبراً أو يضاعف الحسابات أو ينتج سيلاً من التعليقات. ما كان يتطلّب جهاز دعاية صار ممكناً بضغطة زر. وإذا كان المتصيّد الرقمي القديم يطعن الحقيقة بسكين صغيرة، فإنّ المتصيّد الرقمي الجديد يستطيع أن يغرقها في بحر من النسخ المشكوك فيها. عندئذ لا يعود السؤال: هل هذه الصورة صحيحة؟ بل: هل بقي للصورة معنى كدليل؟


غير أنّ مواجهة المتصيّد الرقمي لا تكون بأن نصير مثله. أسوأ انتصار له أن يفرض علينا لغته، أن يجعلنا نردّ بالإهانة على الإهانة، وبالتشهير على التشهير، وبالضغينة على الضغينة. فهو لا يريد بالضرورة أن يهزمنا في الحجة، بل أن يجرّنا إلى منطقته النفسية: منطقة الصراخ، التشنّج، الردّ الفوري، والرغبة في الإيذاء. حين نفعل ذلك، يكون قد ربح حتى لو خسر النقاش.


ما العمل إذاً؟ ليس الحلّ في الصمت المطلق، لأنّ الصمت أحياناً يترك المجال للسمّ كي ينتشر. وليس في الرقابة العمياء، لأنها قد تتحوّل إلى أداة لخنق النقد والسخرية المشروعة. الحلّ الأول أخلاقي قبل أن يكون تقنياً: أن نعيد الاعتبار إلى المسؤولية في الكلام. أن نتذكّر أنّ الشاشة لا تلغي أثر الكلمة، وأنّ الاسم المستعار لا يعفي صاحبه من المعنى، وأنّ الإنسان الذي نهاجمه ليس مجرّد صورة ملف شخصي.


أما الحلّ الثاني فهو تربوي وسياسي: أن نتعلّم كيف نميّز بين النقد والتبخيس، بين السخرية والتحقير، بين المساءلة والتشهير، بين الغضب العادل والحقد الذي يتنكّر في صورة عدالة. الفضاء العامّ لا يعيش من الإجماع، بل من الاختلاف. لكنه يموت حين يتحوّل كلّ اختلاف إلى رغبة في الإلغاء.


لقد وعدتنا الشبكات بأن تجعل العالم قرية كونيّة. لكنها كشفت، في جانب مظلم منها، أنّ القرية قد تكون أيضاً ساحة نميمة كبرى، وأنّ القرب لا ينتج بالضرورة تعاطفاً، بل قد ينتج مراقبة وحسداً وفضائح. ومع ذلك، لا يزال ممكناً أن نستعيد شيئاً من المعنى. أن نضحك من دون أن نسحق. أن نختلف من دون أن نطارد. أن ننقد من دون أن نلغي. أن نستخدم سرعة العالم الرقمي من دون أن نسلّم أرواحنا لخفّته الأخلاقية.


المتصيّد الرقمي ابن عصره، لكنه ليس قدرنا. إنه يذكّرنا فقط بأنّ التكنولوجيا لا تخلق أخلاقاً من تلقاء نفسها. إنها تضخّم ما فينا: ذكاءنا وحماقتنا، شجاعتنا وجبننا، سخريتنا وحنقنا. وما لم نتعلّم كيف نحب أنفسنا بطريقة أقل مرضاً، سنواصل كراهية الآخرين تحت أسماء مستعارة، ونحسب أننا نعلّق على منشور، فيما نحن في الحقيقة نكتب سيرة ضغينتنا. 


* صحافية لبنانية

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12495916
Please fill the required field.