مختارات

الليبرالية الأوروبية تختنق..!

الليبرالية الأوروبية تختنق..!

افراسيانت - خليل حيدر  - ينقل عن د.الببلاوي في حديثه عن الليبرالية الى القرن العشرين وبداية الحرب العالمية الأولى 1918-1914، ويتحدث عمّا حدث لليبرالية في هذا القرن، فيقول: «مع قيام الحرب العالمية الأولى بدأ تراجع الليبرالية المستمر على المستوى الفكري، وظهرت اتجاهات التدخل الحكومي، ولم يعد للفردية وحقوق الأفراد وحرياتهم القدر نفسه من القدسية والاحترام.

ومن هنا أصبح من الممكن، باسم الحرية الفردية ذاتها، ان تُفرض على الفرد - ولمصلحته - أمور لم يكن ليدركها لقصور في ظروفه المادية أو النفسية.ويضيف د.الببلاوي ساخراً من التوجه الشمولي الذي أخذ في الطغيان السياسي على أوروبا، «فالعقل والعقلانية أمور موضوعية يتفق عليها الجميع وبالتالي يجب خضوع الأفراد لمنطقها اعمالاً لحرياتهم حتى على الرغم من انفهم! ومن الواضح ان الانتقال من هذا المفهوم الجديد للحرية «الايجابية» الى نوع من المجتمعات الأبوية ومزيد من التدخل في حياة الأفراد وحرياتهم لم يعد يتطلب أكثر من خطوة صغيرة».


كانت مرحلة ما بين الحربين 1939-1918 عصر الديكتاتورية والأنظمة العقائدية والفردية في أوروبا.وهكذا بدأت تظهر أفكار تنافس الفردية وتعارضها، وظهرت، تيّارات فكرية تتجاوز الفرد، وتقدس العرق أو الطبقة.فقامت الأفكار الفاشية تدعو الى تغليب القوميات، وراحت الأفكار الاشتراكية تدعو لسيطرة طبقة العمال، «وهكذا بدأت تتوارى الفردية وراء أفكار شمولية لا ترى سوى العِرْق - ألمانيا وايطاليا، أو الطبقة - روسيا.وكان قيام النظام البلشفي في روسيا 1917 ثم الفاشي في ايطاليا 1923 والنازي في ألمانيا 1933 مؤذناً بأفول الليبرالية وتراجعها.وجاءت الأزمة المالية العالمية 1929 كاشفة عن قصور الراسمالية واقتصاد السوق.


ومن هنا أصبح تدخل الدولة قاعدة عامة.وانتهى أو انحصر دور الأفراد وحرياتهم في معظم دول وسط أوروبا وشرقها.ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية وسيطرة الأحزاب العمالية والاشتراكية على معظم دول أوروبا الغربية تأكدت المذاهب التدخلية مع استمرار بعض تقاليد الحكم الليبرالي على حياء في الديموقراطيات الغربية.


ومع استقلال المستعمرات وظهور بلدان «العالم الثالث»، ومعظمها يفتقد التقاليد الديموقراطية، سادتها حكومات قويّة لم تلبث ان تحولت في معظمها الى أشكال من الحكم الفردي أو الشمولي.«وهكذا بدأ النصف الثاني من هذا القرن وقد غلبت النظم الشمولية معظم المعمورة تدعمها أيديولوجيات جاهزة ونماذج فعّالة للحكم البوليسي.ولم يعد غريباً ان يسود الاعتقاد بأنّ عصر الليبرالية قد ولى الى الأبد، وأن الظاهرة الليبرالية ليست انسانية أو عالمية بقدر ما هي خاصة بعدد محدود من الدول الغربية الصناعية وربما اليابان.وظل وضع الهند محيراً يثير الدهشة أكثر مما يدعو الى الاهتمام».


في هذا الجو الغامر من تقهقر الليبرالية، بدأت تظهر بعض الأصوات المنفردة التي تدعو الى الليبرالية.ومنها كتابات «فون هايك» Hayekعن الحريّة ودولة القانون والحاجة الى اللامركزية، كرد فعل لما أظهرت النظم الماركسية، وكذلك للخلاص من سلبيات أشكال تدخل الدولة في الاقتصاد ضمن الأنظمة الراسمالية.


وخلص «فون هايك» الى ان الفردية أساس الكفاءة الاقتصادية ومن الذين أضافوا للفكر الليبرالي الى جانب «هايك»، كل من «راولز» في كتابه «نظرية العدالة»، و«جيمس بوكنان» بنظرية في «الاختيار العام» الذي شكك في قرارات البيروقراطية والجهاز الوظيفي ومدى اتفاقها مع المصلحة العامة.فقد أوضح «بوكتان» ان الموظف العام يبحث عن تحقيق مصالحه، وكثيراً ما لا يتأثر بالأعباء العامة.فالدولة كما يراها «ليست كياناً ميتافيزيقياً وانما هي مجموعة من الهيئات والمؤسسات ولكل منها مصالحه الفئوية ونظرته الخاصة، وليس من الصحيح ان كلاً منهم يبحث عن المصلحة العامة، بل ان فكرة المصلحة العامة تتأثر وتتغير من هيئة لأخرى في الحكومة نفسها، وكثيراً ما يسود التنافس والتناقض بين أجهزة الدولة نفسها».


ويرى بوكنان كذلك، «أن انعدام الكفاءة في ادارة المصالح العامة انما يرجع الى سبب رئيسي وهو ان التكاليف والأعباء التي تترتب على قرارات الموظفين لا تؤثر فيهم مباشرة، وانما يتحملها الاقتصاد القومي في مجموعه».


وهكذا أوضحت نظرية «الاختيار العام» صعوبة الارتكان الى أجهزة الدولة وحدها لتحقيق الصالح العام.


ولعلّ أهم ما تتميز به الليبرالية، في اعترافها بحقوق الأفراد وحرياتهم، يقول الببلاوي، هو قدرتها على التسامح والتعايش مع مختلف القيم والآراء والمعتقدات، مما أعطاها نضجاً وعمقاً في عدم الانسياق وراء المطلقات.فنجد ان «أوروبا التي عرفت أشد وأقسى أنواع الحروب الدينية في القرن السادس عشر هي نفسها التي استطاعت ان تتعايش مع حريّة العقيدة للجميع من دون تعصب في القرون التالية.وبالمثل فان أوروبا الغربية، أوروبا القرن العشرين التي عرفت أبشع الحروب للصراع بين القوميات، هي نفسها التي تسعى الآن لنوع من الوحدة الاقتصادية والسياسية بعد ان خففت من غلواء القومية كما سبق وخففت من غلواء الدين».


وأخيراً فان هذه الليبرالية الجديدة، تواجه عداء مزدوجاً من اليمين واليسار.«فاليسار يتهمها بأنها تدعو للفردية وتنسى المجموع، واليمين يأخذ عليها تجاهل الأوضاع والمزايا التاريخية المستقرة لقومية أو دين أو جنس».في حين لا تعترف الليبرالية بالفرد الا باعتباره انساناً بصرف النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو طبقته، وهو أمر لا يسهل قبوله دائماً».


تطالب الليبرالية بضرورة عدم الخلط بين «الدولة» و«المجتمع»، وعلى أهمية تحقيق التوازن بين «حقوق الفرد» و«مصالح المجتمع».ويناقش د.الببلاوي هذه العلاقات المتداخلة فيقول ليس صحيحاً ان الفكر الليبرالي بنزعته الفردية يهمل مصالح المجتمع، بل هو يهتم وبالقوّة نفهسا بحماية المصلحة الاجتماعية وتوفير مظلّة واقية للضعيف والفقير.


ثمة انطباع شائع، يخلط بين الدولة والمجتمع «والحقيقة ان الدولة ليست هي المجتمع.بل الدولة مجموعة من أجهزة السلطة تساندها أجهزة متعددة من المؤسسات الادارية والنظم القانونية.ولذلك فقد كانت كافة الثورات والانتفاضات الشعبية موجهة الى أجهزة الدولة ومؤسساتها».


«ان النظم الليبرالية وهي تسعى الى تحقيق التوازن بين حقوق الأفراد ومصالح المجتمع وسلطات الدولة، فانها لاتدعي انها تحقق المجتمع المثالي او انها تنجح في الوصول الى فكرة الكمال، بل ان جوهر النظم الديموقراطية الليبرالية هو الاعتراف بالقصور المستمر، وفكرة المجتمع المثالي او المدينة الفاضلة على الأرض، هي في جوهرها نقيض للفكر الديموقراطي الليبرالي»..فعلى الرغم من ان كلاً منها يتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد في المجتمع الا ان القانون يهتم فقط بتنظيم ما هو موجود وكائن، في حين ان الأخلاق تسعى الى المثال، الى «ما ينبغي ان يكون»، مع الحرص على حماية المثل العليا والقيم النبيلة.


وبينما القانون مسؤولية الدولة، فان الأخلاق هي مسؤولية المجتمع عن طريق الضمير الاجتماعي والردع المعنوي.وفيما يتوخى القانون النظام والاستقرار والفاعلية، نرى الأخلاق تسعى نحو الكمال.


ولا شك ان المجتمع يحتاج الى الأمرين معاً.ولهذا حاول الكثير من أصحاب النوايا الطيبة دمج القانون مع مبادئ الأخلاق.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12495872
Please fill the required field.