افراسيانت - وليد القططي - كان تداخل الرياضة والحضارة واضحاً في "مونديال 2026" من خلال استغلال الغرب الأميركي للمونديال للترويج لثقافة الشذوذ الجنسي بأشكالها المختلفة، وأهمها "المثلية الجنسية"، في جهد مباشر لعولمة الرذيلة وتطبيع الشذوذ.
نشر عالم الاجتماع البولندي، زيجمونت باومان (1925-2017م)، كتابه "الحداثة السائلة" عام 2000، وتُرجم إلى العربية عام 2016. يوضح الكتاب نظرية باومان في التحوّل الحضاري الذي حدث في الغرب من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة، وهو التحوّل الذي حدث بسبب تغوّل الرأسمالية الاستهلاكية وتفكك المؤسسات الاجتماعية، ما أدى إلى حالة من التغيير والسيولة في البُنى الاجتماعية، والضوابط الأخلاقية، والمعايير القيمية، ومن ذلك: ميوعة الهوية، ونسبية الأخلاق، وتفكيك المعيارية... وما يترتب عليها من غياب مفاهيم الخطيئة والانحراف والشذوذ كثوابت، وإعادة تسميتها، في إطار ثقافة الحداثة السائلة، تحت مُسمّيات براقة، مثل: الاختلاف والتنوّع، والحرية الفردية، وحقوق الإنسان.
لم يكتفِ الغرب، في إطار الحداثة السائلة، حسب نظرية باومان، بإعادة تعريف الرذيلة والشذوذ، بل دمجهما في مفهوم العولمة، لتصبح العولمة، إضافة إلى إزالة الحدود أمام السلع والخدمات ورأس المال والتكنولوجيا، إزالةً للحدود أمام القيم والأخلاق، وكذلك الرذيلة والشذوذ.
ويعني ذلك عولمة الثقافة الغربية على جانبي الأطلسي، الأوروبي والأميركي، بصفتها الثقافة المهيمنة، وهذا يتضمن، بالضرورة، "عولمة الرذيلة"، بما فيها رذيلة الشذوذ الجنسي بأشكالها القبيحة المختلفة ومُسمّياتها التجميلية المتنوّعة.
ويعني هذا أيضاً "تطبيع الشذوذ"، بجعله سلوكاً طبيعياً وأخلاقياً واجتماعياً، بعد أن كان انحرافاً عن الفطرة البشرية والقيم الأخلاقية والمعايير الاجتماعية. والجدل الذي حدث في كأس العالم لكرة القدم حول مباراة مصر وإيران في "سياتل" بالولايات المتحدة، والمطالبة بأن تكون جزءاً من الفعاليات السنوية لدعم الشواذ "مجتمع الميم"، في إطار "احتفالات الفخر"، يؤكد نظرية "الحداثة السائلة".
وقد رفض الفريقان، المصري والإيراني، المشاركة في هذه الفعاليات، باعتبارهما يمثلان دولتين مسلمتين تحرّمان وتجرّمان الشذوذ الجنسي، قبل أن تتدخّل "الفيفا"، المسؤولة عن تنظيم "المونديال"، وتسمح بالفعاليات من دون إلزام الفريقين بالمشاركة فيها، كحل وسط للجدل الذي يتخذ البوابة الرياضية ليتسلل منها نحو الملعب الحضاري، لنشر الثقافة الغربية وتعزيز السيطرة الاستعمارية من البوابة الرياضية.
تسلل الثقافة الغربية "التغريب"، كذراع للسيطرة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة عبر البوابة الرياضية، لم يكن وليد دورة كأس العالم لكرة القدم الحالية "مونديال 2026"، أو الدورات السابقة فقط؛ فقد رافقت الرياضة الحديثة، وخاصة كرة القدم، بنشأتها الغربية، وبالتحديد البريطانية، المشروع الاستعماري الغربي منذ البداية، عندما جلبت الدول الأوروبية الاستعمارية، خاصة بريطانيا وفرنسا، كرة القدم معها إلى دول الشرق والجنوب العربي والإسلامي، ووظفتها كأداة للسيطرة الاستعمارية، بتشكيل المجتمعات الشرقية وفق النموذج الغربي في مرحلة الاستعمار المباشر.
فمارست كرة القدم، إضافة إلى الجيوش والمستوطنين والشركات، نخبةٌ متغربة من الشعوب المستعمرة، تشرّبت مع الرياضة ثقافة الغرب المستعمر، لتكون ذراعاً للسيطرة والتوجيه في خدمة الاستعمار... ومع ذلك، فإن كرة القدم سلاح ذو حدين؛ فمع صعود حركات التحرر الوطني، أصبحت الأندية، وعصبها كرة القدم، جزءاً من النضال الوطني لحركات التحرر الوطنية. وفي عهد الاستقلال والدولة الوطنية، ساهمت كرة القدم في التعبير عن: الهوية الوطنية، والوحدة الوطنية، والفخر الوطني.
ولكن لم تُنهِ الدولة الوطنية علاقة الرياضة بالسيطرة الاستعمارية الغربية، خاصة في عهد الاستعمار غير المباشر بأذرعه السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها، وبالتحديد بعد ظهور "العولمة"، أو بالأحرى "الأمركة"، كشكل جديد للاستعمار بزعامة الولايات المتحدة، والذي يعني فرض نمط الحياة والثقافة الغربية وفق النموذج الأميركي، لتصبح سائدة في العالم، بأدوات ووسائل القوة الخشنة والناعمة، ومنها المؤسسات والمنظمات الدولية، مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا"، ودورات مباريات كأس العالم "المونديال".
إذ يستطيع الغرب، بزعامة أميركا، بما لديه من قوة وتفوّق وسيطرة، أن يتحكم في الإمبراطورية الاقتصادية والثقافية للفيفا والمونديال، فيحتكر النموذج الحضاري، والثقافة المقبولة، والأخلاق المطلوبة، والقيم المنشودة... تحت عناوين جذابة، مثل: التعايش الإنساني، والتقارب الحضاري، والتنوع الثقافي، في تداخل واضح بين الرياضة والحضارة.
كان تداخل الرياضة والحضارة واضحاً في "مونديال 2026" من خلال استغلال الغرب الأميركي للمونديال للترويج لثقافة الشذوذ الجنسي بأشكالها المختلفة، وأهمها "المثلية الجنسية"، في جهد مباشر لعولمة الرذيلة وتطبيع الشذوذ. فبعد أن كان الشذوذ يُنظر إليه في الغرب، وفي العالم كله، كجريمة جنائية يُعاقب عليها القانون بالإعدام أو الحبس، وانحراف أخلاقي يُعاقب عليه المجتمع بالنبذ والعزل، ومرض عقلي أو نفسي يُودع صاحبه في المستشفيات المتخصصة... تحوّل الغرب، بموجب "الثقافة السائلة"، إلى إلغاء التجريم القانوني، والعزل الاجتماعي، والإيداع في المستشفيات... وصولاً إلى الاعتراف بحقوق الشواذ كجزء من حقوق الإنسان، ومنها حق الزواج المثلي وما يترتب عليه من حقوق مدنية ومالية، وحق التبني وما يترتب عليه من حقوق الأسرة، وحق الحماية من التمييز وجرائم الكراهية، وانتهاءً بإعادة تعريف الأسرة وأدوار الأب والأم فيها، وإدراج العلاقات الجنسية الشاذة في إطار حقوق: الحرية الفردية، واختيار الهوية، وحق الاختلاف.
إن جدل الرياضة والحضارة، وما أنتجه من عولمة الرذيلة وتطبيع الشذوذ في إطار الحضارة الغربية المهيمنة، لن ينتهي إلا بتقديم الأصل الحضاري للبديل الغربي، الذي يرفض التبعية للغرب بكل أشكالها، خاصة التبعية الثقافية، كما عبّر عنها المفكر الجزائري، مالك بن نبي، في كتابه "شروط النهضة"، وذلك بالتخلّص من "القابلية للاستعمار" واستعادة الأمة للفاعلية والعمل، وكما عبّر عنها المفكر الإيراني، علي شريعتي، في كتابه "النباهة والاستحمار"، بالتخلص من "الاستحمار" واستعادة الوعي واليقظة. وهو الأصل الحضاري الذي يتبنى: تفاعل الحضارات بدلاً من تصادم الحضارات، وتدافع الحضارات بدلاً من تطاحن الحضارات، وتعارف الشعوب والأمم بدلاً من تنافر الشعوب والأمم، وتلاقح الثقافات بدلاً من تناقض الثقافات، ومراكمة الإنجازات الإنسانية بدلاً من إلغاء الإنجازات الإنسانية.

