ملفات خاصة

المسيحيون في مواجهة التطرف الإسرائيلي.. مناخ من الخوف والكراهية والاستقطاب

مستوطنون يعتدون على المسيحيون اثناء احتفالاتهم بالاعياد

المسيحيون في مواجهة التطرف الإسرائيلي.. مناخ من الخوف والكراهية والاستقطاب ينتشر في أنحاء إسرائيل
 

المسيحيون في القدس تحت الضغط


افراسيانت - أعاد الاعتداء العنيف وغير المبرر الذي تعرّضت له راهبة فرنسية في القدس قبل أسابيع قليلة تسليط الضوء على تنامي مظاهر العداء الموجّهة ضد المجتمعات المسيحية في إسرائيل.


ففي الثامن والعشرين من أبريل انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو يوثق لحظة اندفاع رجل نحو راهبة ودفعها بعنف في الشارع، في فعل كاد يؤدي إلى ارتطام رأسها بحجر. 


ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث واصل المعتدي ركلها بعد سقوطها أرضا قبل أن يتدخل أحد المارة ويضع حدا للهجوم.


وكشفت التحقيقات لاحقا أن المشتبه به مستوطن إسرائيلي يبلغ من العمر 36 عاما ويقيم في الضفة الغربية المحتلة، وكان يرتدي الكيباه اليهودية والشرابات الطقسية أثناء ارتكابه الاعتداء.


وقوبلت الحادثة بإدانات واسعة النطاق شملت مسؤولين حكوميين إسرائيليين إلى جانب انتقادات صدرت من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. كما وصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية الهجوم بأنه عمل مشين ومخز يتعارض بصورة مباشرة مع مبادئ الاحترام والتعايش والحرية الدينية التي تؤكد الوزارة أن إسرائيل قامت عليها. ليتبين ان كل هذه الادانات ليست سوى مزاعم .


ويقول جيوفاني ليغورانو، الصحافي المقيم في إيطاليا، في تقرير نشرته “فورين بوليسي”، إن أهمية الحادث لا تكمن فقط في طبيعته العنيفة، بل في كونه أعاد إلى الواجهة نقاشا أوسع حول ما يعتبره كثيرون نمطا متصاعدا من الأعمال العدائية ضد المسيحيين داخل إسرائيل. ويرى منتقدون أن هذه الأفعال غالبا ما تُعامل باعتبارها حوادث فردية معزولة، في حين أنها قد تعكس مشكلة أعمق تتعلق بالتطرف الديني وثقافة الإفلات من العقاب.


ومن هذا المنطلق لا تقتصر تداعيات هذه الهجمات على المجتمعات المسيحية وحدها، بل تمتد لتطال صورة إسرائيل الدولية وعلاقاتها مع أوروبا والعالم المسيحي الأوسع.


ويبدو أن الاعتداءات اللفظية والجسدية ضد المسيحيين، إضافة إلى تدنيس الرموز الكنسية والمواقع الدينية، تضع المزيد من الضغوط على التوازن الديني الدقيق الذي تشكل تاريخيا في الأراضي المقدسة بفعل مكانتها لدى اليهودية والمسيحية والإسلام. إلا أن هذا التوازن يواجه تحديات متزايدة مع صعود الحركات القومية اليهودية والمتطرفة، خصوصا في البلدة القديمة بالقدس حيث يعيش رجال الدين والمصلون من مختلف الأديان على مقربة من بعضهم البعض ويمارسون شعائرهم الدينية في فضاء واحد شديد الحساسية.


المسيحيون يشكلون نحو 2 في المئة فقط من سكان فلسطين المحتلة البالغ عددهم 10.2 مليون نسمة، ويُشكل العرب نحو 79 في المئة من المسيحيين في البلاد. كما يشير مركز روسينغ للتربية والحوار بين الأديان ومقره القدس، إلى وجود نحو 2700 رجل دين مسيحي يقيمون حاليا في إسرائيل، معظمهم لا يحملون الجنسية الإسرائيلية.


وتشير المعطيات إلى أن الأعمال العدائية ضد المسيحيين شهدت تصاعدا ملحوظا منذ هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023. وقد وثّق مركز بيانات الحرية الدينية، وهو منظمة يهودية إسرائيلية تطوعية تدير خطا ساخنا للمسيحيين، 181 حادثة عدائية خلال عام 2025 مقارنة بـ107 حوادث خلال عام 2024. وتضمنت هذه الوقائع البصق والتحرش اللفظي والتخريب والاعتداءات الجسدية والإساءة عبر الإنترنت وأشكالا أخرى متعددة من العداء.


وتؤكد يسكا هاراني، مؤسسة مركز بيانات الحرية الدينية ومديرته، أن عددا كبيرا من هذه الحوادث لا يتم الإبلاغ عنه أصلا، ممّا يعني أن الأرقام المعلنة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة. كما أوضحت أن الشكاوى التي تقدمها المنظمة إلى السلطات الإسرائيلية لا تلقى في معظم الأحيان ردا يُذكر.


وتذهب هاراني إلى أبعد من ذلك عندما تعتبر أن ضعف تطبيق القانون يمنح فعليا إشارة تسمح باستمرار هذا السلوك، بل وترقى في بعض الأحيان إلى مستوى التشجيع الضمني له. وترى أن عدم توقيف المتورطين في أفعال مثل البصق، أو عدم ملاحقتهم قضائيا، يفتح الباب أمام تصاعد حوادث أكثر خطورة في المستقبل، متسائلة عن الحد الذي يجب أن تبلغه هذه الاعتداءات قبل أن تُتخذ إجراءات فعالة لوقفها.


ويُرجع محللون ومنظمات دينية وعلمانية هذا التصاعد إلى طبيعة حكومة الائتلاف الحاكم في إسرائيل، التي يعتبرون أنها تشجع القومية الدينية وتسهم في خلق شعور لدى بعض المتطرفين اليهود بأنهم بمنأى عن المساءلة. كما يشير هؤلاء إلى مناخ أوسع من الخوف والكراهية والاستقطاب انتشر في أنحاء البلاد منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة.


ويرى جوزيف سيفرز، الأستاذ الفخري في المعهد البابوي للكتاب المقدس في روما، أن بعض المعتقدات المسيانية المنتشرة في أوساط معينة داخل إسرائيل قد تسهم في تغذية المواقف العدائية تجاه من يُنظر إليهم بوصفهم “آخرين”. ووفق هذا التصور، فإن غياب أية علاقة بين المسيحيين وحماس أو حزب الله لا يمنع بعض الأفراد من تبرير مواقف عدائية تجاه أشخاص لا يعتبرونهم جزءا من “شعبهم”.


وتعزز نتائج استطلاع أجراه مركز روسينغ خلال عام 2025 هذه المخاوف، حيث أظهر أن زيادة مستوى التدين بين اليهود الإسرائيليين المشاركين في الاستطلاع ارتبطت بارتفاع مشاعر النفور من المسيحية وتراجع مستويات الانفتاح والرغبة في التعلم والتسامح تجاهها.


وترى هانا بيندكوفسكي، مديرة برنامج مركز القدس للعلاقات اليهودية – المسيحية التابع لمركز روسينغ، أن إسرائيل شهدت خلال السنوات الأخيرة تناميا في الشعور بالعزلة على المستويين الحكومي والمجتمعي. وتوضح أن انشغال الأجهزة الأمنية بالحرب وبالتوترات المستمرة بين المستوطنين والفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة أدى إلى تراجع الاهتمام بحماية الأقليات، وهو ما قد يمنح أصحاب التوجهات القومية شعورا أكبر بالحرية في التصرف بعدوانية.


ورغم أن بعض المسيحيين رأوا في سرعة اعتقال منفذ الهجوم الأخير مؤشرا إيجابيا قد يدل على تحسن محتمل في التعاطي مع هذه الجرائم، فإن إبراهيم فلتس، الكاهن الفرنسيسكاني ورئيس مدارس حراسة الأراضي المقدسة، يؤكد أن المطلوب يتجاوز الإجراءات الفردية إلى جهود أكثر جدية لترسيخ التعايش السلمي داخل الأراضي المقدسة.


ويشير فلتس إلى أن السلطات الإسرائيلية تستمع عموما إلى مخاوف المسيحيين وتتدخل عند الحاجة، لكنه يرى في نفس الوقت أن الإرادة السياسية القوية والصادقة لحل النزاع في الأراضي المقدسة ما زالت غائبة، وهو ما يسهم في استمرار الظروف التي تعقّد التعايش بين مختلف المكونات. كما يعتبر أن التدخل الدولي الفعّال لا يزال أقل من المطلوب لمواجهة التدهور المستمر في أوضاع الشرق الأوسط.


ورغم محدودية تأثير المسيحيين السياسي المباشر داخل إسرائيل، فإن الديانة نفسها لا تزال تمتلك وزنا دبلوماسيا وأخلاقيا عالميا كبيرا عبر شبكاتها ومؤسساتها المنتشرة حول العالم. كما أن الحج والسياحة المسيحية يشكلان قطاعا اقتصاديا مهمّا بالنسبة إلى إسرائيل، الأمر الذي يجعل الاعتداءات على المسيحيين عاملا قد يؤثر سلبا في تدفق الزوار والحجاج.


ويزداد هذا القلق مع تنامي الاهتمام الأوروبي بهذه الحوادث. ففي مارس الماضي، انتقدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الشرطة الإسرائيلية بعد منع الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا من دخول كنيسة القيامة للاحتفال بأحد الشعانين، الذي يمثل بداية أسبوع الآلام لدى المسيحيين. كما بقيت المواقع المقدسة في القدس مغلقة أمام المصلين منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران. ووفقا للمتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، فقد أبلغت واشنطن إسرائيل قلقها حيال تلك الحادثة.


وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه علاقات إسرائيل مع أوروبا تراجعا ملحوظا نتيجة سلوكها خلال الحرب على غزة. وقد دعا بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى تعليق الاتفاقية التي تنظم العلاقات بين التكتل وإسرائيل، إلا أن هذه الدعوات لم تنجح حتى الآن في حشد التأييد الكافي لتحويلها إلى قرار عملي.


لقد أدى هجوم أبريل إلى زيادة التدقيق في ما يعتبره كثيرون اتجاها آخذا في التفاقم، كما يبدو أن السلطات الإسرائيلية باتت أكثر إدراكا لضرورة التعامل بجدية مع مخاوف المسيحيين ومخاوف المجتمع الدولي على حد سواء.

ومع ذلك، فإن تشديد تطبيق القانون وحده لن يكون كافيا لمعالجة المشكلة. فالتحدي يتطلب أيضا مبادرات تعليمية حقيقية ومراجعة مجتمعية عميقة داخل مجتمع يعاني مستويات مرتفعة من الاستقطاب ويحمل إرثا ثقيلا من الصراعات والخوف المتراكم عبر السنوات. ومن دون هذه الجهود ستظل الانقسامات بين المجموعات المختلفة مرشحة للتعمق، وستستمر دوائر العنف في إعادة إنتاج نفسها، فيما تتسع فجوات الثقة وتتزايد مظاهر التشرذم داخل المجتمع. 

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12496424
Please fill the required field.