مجلة أفراسيا

تأمُّل في العقل المُستعمَر

تأمُّل في العقل المُستعمَر

افراسيانت - الميادين - زاهي وهبي - العدو الحقيقي كامن في آلة هيمنة مقنعة، لكن الكراهية تحتاج إلى هدف واضح وسهل. هذا هو سرّ تحويل المشاهد العربي من متضامن إلى متفرج، ثم إلى مصفّق. 

 


ليس أخطر على الضمير من تصفيق يخرج من جسدٍ يُذبح. وهذه هي المعضلة التي تقف أمام عيوننا عارية، عربي يُصفّق لطائرة تغتال عربياً، ومُشاهد يهلل لدمٍ ينزف من قريبه البعيد. هذا المشهد المؤلم لا يقتصر على انشطار سياسي، لأنه يكشف عمّا هو أعمق، عن شرخ في بنية الوعي، وزلزال في طبقات النفس الجمعي، وانقلاب في علاقة الإنسان العربي بالألم والحقيقة والآخر.


الاستعمار لا ينتهي حين يرحل


قبل نصف قرن، كتب فرانز فانون في "معذبو الأرض" أن الاستعمار لا يكتفي باحتلال الجغرافيا، بل يغرس في المستعمَرين صورة مشوهة للذات "تجعلهم يحلمون حلم المستعمِر. الاستعمار يخلق عقلاً ينظر إلى العالم من ثقب المدفع نفسه الذي أُطلق نحوه".


اليوم نرى هذه المقولة تتجسّد في أبشع صورها. عربي يردّد سردية الاحتلال عن "حق الدفاع عن النفس"، وعربي آخر يعتبر أن مقاومة الاحتلال هي تطرف وإرهاب. هذا الواقع ليس ناجماً عن الجهل فقط، إنّما هو هندسة للوعي على مقاس القوى الاستعمارية المهيمنة على معظم أدوات صناعة الرأي وتشكيل الموقف.


ثنائية الضحية والجلاد المقلوبة


يقول الفيلسوف الألماني، ثيودور أدورنو، إن: "الفاشية الحقيقية هي تحويل الغضب العادل ضد الظلم إلى كراهية تجاه الضعيف". هذا ما نراه بلغته الناصعة. غضب عربي مشروع من وضعه المزري، تُحوّله آلات الدعاية إلى كراهية للآخر القريب، الشيعي، والسنّي، والدرزي، والمسيحي، والفلسطيني، واللبناني، والكردي…وسواها من هويات وتصنيفات.


ذلك أن العدو الحقيقي كامن في آلة هيمنة مقنعة، لكن الكراهية تحتاج إلى هدف واضح وسهل. هذا هو سرّ تحويل المشاهد العربي من متضامن إلى متفرج، ثم إلى مصفّق.


ويرى الفيلسوف الفرنسي، رينيه جيرار، في نظريته عن "آلية الكبش الفدائي"، أن المجتمعات في أزماتها تبحث عن ضحية لتُسقط عليها كل شرورها، فتستعيد بذلك تماسكها الوهمي. وما يحدث في بعض الأوساط العربية ليس إلا تطبيقاً عملياً لهذه الآلية، جعل المناهض للاستعمار وللاحتلال هو الكبش الفادي الذي يُلقى عليه اللوم، بينما يُبرأ الجلاد الحقيقي.


مفارقة الألم المُستعار


لعل أخطر ما في هذه الظاهرة هو تحوّل الوجع إلى سلعة إعلامية. حين يصفّق إنسان لموت إنسان آخر، فهذا يعني أن الألم قد تجرّد من إنسانيته، وصار مجرد حدث خارجي. في بعض النظريات الفلسفية عن "الوجه" والمسؤولية تجاه الآخر، يؤكد أن الوجه الإنساني المتألم هو الذي يصدر إلينا الأمر الأخلاقي الأول "لا تقتل". لكن حين يُحجب الوجه – بالتلفزيون، أو بالخطاب الطائفي، أو بالتطبيع المعرفي – ويتحول الضحايا إلى مجرد أعداد عابرة في نشرات الأخبار، فإن الأخلاق تسقط، ويصبح التصفيق ممكناً بل مرحّباً به.


هذا هو "انعدام الوجه"، أن ترى الجثة ولا ترى الوجه. أن تسمع الرقم ولا تشعر بالروح. أن تشمت بالضحية لأنها من طائفة أخرى، أو لأنها تنتمي إلى مشروع سياسي مختلف. هنا يتوقف السؤال الفلسفي عن الأخلاق ليبدأ سؤال آخر، كيف يعيد الإنسان اكتشاف وجه الآخر؟


اللغة حين تقتل


إلى جانب آلة القتل المادية، هناك آلة لغوية لا تقل فتكاً. حين يُقال "الضاحية الجنوبية" بدل "أحياء سكنية مكتظة بالمدنيين"، وحين يُقال "عملية استهداف" بدل "قصف الأطفال"، وحين يُقال "حق إسرائيل في الدفاع" بدل "احتلال يقتل ويدمر". هنا تكمن معركة الوعي الحقيقية. هذه الظاهرة يُطلق عليها المفكرون مصطلح "مصانع الموافقة" أي أن تُلبّس الفظائع ثياباً لغوية جميلة، حتى يوافق عليها الرأي العام.


الطامة أن بعض النخب العربية أصبحت حرفياً "مترجماً" عن هذه اللغة، تعيد صياغة الخطاب الغربي - الإسرائيلي باللغة العربية، باسم "الموضوعية" أو "الواقعية". وهذا ليس تطبيعاً سياسياً فحسب، بل تطبيعاً وجودياً بحيث يصبح قبول أنماط التفكير التي أنتجها الاستعمار والاحتلال كأنها بديهيات طبيعية.


نزع التباس الوعي


ليس المخرَج من هذه المحنة بالخطب والمواعظ. نحن بحاجة إلى نزع التباس الوعي العربي قبل كل شيء. كيف ننزع التباسه؟ بفضح آليات إنتاج الكراهية، وتعرية الخطاب الذي يجعل الضحية متّهماً، وكتابة تاريخ لا يكون سردية طائفية بل جردة حساب مع الاستعمار وأعوانه. كما يقول المفكر التونسي، هشام جعيط، "العرب لا يحتاجون إلى إعادة اكتشاف الذات فقط، بل إلى إعادة اختراعها".


لن نخرج من هذه المتاهة بخطب حماسية، وإنما بفعل تراكمي نقدي، أكاديمي، إعلامي، تربوي. كل تصفيقة كاذبة يوماً ما ستعود صدىً يوقظ من نام. وكل شهيد سيبقى شهيداً مهما صفّق الناعقون شماتةً به. والمهمة الآن، لمن بقي فيهم قلق الحياة وأرق الضمير، هي ألا يصمتوا، وألا يصدّقوا أن هذا التصفيق يمثل كل العرب. فهو لا يمثل إلا قطاعاً من الأنفس المقلوبة، التي أضاعت بوصلتها. ونحن أمام خيار واحد، إمّا أن نستنبط ونخترع الوسائل التي ترينا الحقيقة كما هي، وإما نبقى في كهف أفلاطون العربي، نُصفّق للظلال.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12496182
Please fill the required field.