افراسيانت - زاهي وهبي - كنا ننتظر الأسرى الجدد كأنهم رسل، ونبأ الفائز بالكأس كأنه بشرى خلاص. لم نكن سذّجاً. كنا نعرف أن الكرة لا تحرر أرضاً، ولا توقف قنبلة. لكننا كنا نعرف أيضاً أنها تمنحنا ما هو أثمن من لحظات انتظار الحرية:
كرةٌ من سيرة متشظية
في مثل هذه الأيام من عام 1982، وقبل أن يشتدَّ عودي، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد بدأ لتوه غزو لبنان، وكنت واحداً من آلاف الشباب الذين اقتُلعوا من تفاصيلهم الصغيرة ليُلقوا في غياهب المعتقل. أولاً إلى معسكر عتليت، المطلّ على السهل الساحلي لبلدة عتليت الفلسطينية، محاطاً بسفوح جبل الكرمل من الشرق والبحر من الغرب. في خيام تحيط بها الأسلاك الشائكة والسواتر الترابية والمجنزرات، كانت رائحة الملح تتسلل من البحر المتواري خلف هضبة. فتذكرنا بأن ثمة عالماً مفتوحاً هناك، خلف كل هذا الحصار.
ثم إلى معسكر أنصار في جنوب لبنان، تلك "المدينة" العابرة "العامرة" بالخيام والمجنزرات وأبراج المراقبة والسياج الشائك، التي كان يُعاد "بناؤها" كل صباح، كأنها كابوس يُستأنف مع كل فتحة عين.
هناك، بين الصمت والبرد والجوع، اكتشفنا مفارقة لافتة، لم يكن التعذيب هو أكثر ما يحزُّ في نفسي، بل الحرمان من الحياة نفسها. الحرمان من تفاصيل نعتبرها في حياتنا اليومية بمثابة تحصيل حاصل، لكنها في الحقيقة جوهر الحياة: أن تصحو على وجوه من تُحب، أن تأكل وتشرب وترتدي وتسمع ما تشاء، أن يمضي نهارك مثلما تقرر أنت لا سواك... إلى آخر تلك اليوميات التي تشكل نسيج كينونتنا.
ومما حُرمنا منه خلف الأسلاك الشائكة حينها، متابعة مباريات كأس العالم التي كانت تقام آنذاك في إسبانيا. ولم يكن هذا حال قلّة منا، بل حال معظم الأسرى والمعتقلين. فلعبة كرة القدم ساحرة إلى حد أنك تتذكرها وأنت معصوب العينين، ومكبل اليدين، وتحت سوط الجلاد.
كنا نصنع الكرة من مِزق الأغطية وملابس الأسر الموحدة، نصنعها من بقايا ما تبقى لنا، ونرسم الملاعب بأصابعنا على التراب، ذلك التراب الذي كانت له رائحة تذكّرنا بأن للأرض ذاكرة لا يمحوها الأسمنت ولا الاحتلال. كنا نختلف على النتائج، ونراهن على أهداف لا سقف لها، وتعلو صيحاتنا فتختلط بصوت احتكاك القماش بالقماش، كحفيف أجنحة فراشة في قفص. كنا بذلك نقيم عالماً موازياً، عالم القواعد النظيفة، حيث الحكم هو الأمل، وحيداً.
رسالة من الحياة
وما كنا ندركه آنذاك، ونحن نصنع من العدم ملعباً، أننا إنما كنا نعيد إنتاج الحياة نفسها بشكلها الأول، البكر. وما كنا ندركه أيضاً أننا نُجيب، بفعلنا ذاك، عن سؤالٍ ظلّ معلقاً في الفراغ: لماذا الكرة تحديداً، من دون غيرها من الألعاب، هي التي تحمل هذا السحر؟ هل لأنها تُلعب بالقدم، تلك الأداة الأقل "إنسانية" مقارنة باليد، فتصبح تحدياً مضاعفاً للإنسان، دليلاً على قدرته على ترويض المستحيل؟ أم لأنها مستديرة كالأرض، وكالحلم، وكالدورة الكونية التي لا تتوقف حتى حين يتوقف كل شيء؟
لعل سحر كرة القدم الحقيقي يكمن في كونها مرآةً مصغّرة للحياة، أو هي الحياة نفسها وقد اختزلتْ في 90 دقيقة. وفيها ذلك الصراع الأزلي الذي يخوضه الإنسان منذ أن تطأ قدماه الأرض وحتى يواريه التراب. صراعٌ بينك وبين ذاتك، بينك وبين خصمك، وبين حلمك وعجزك.
هي حكاية السعي الدؤوب نحو هدفٍ يظل أحياناً بعيداً كالسراب، لكنك تركض نحوه، تركض لأن في الركض ذاته معنى. فيها هجومٌ كتلك الأيام التي تقتحم خلالها الحياة بقوة الشباب وعنفوان الرجاء، وفيها دفاعٌ كشيخوخة الروح حين تتقوقع على ما تبقى من ذكريات، تحمي مرماك من ضربات القدر.
وفيها، كما في الحياة، فرحُ الانتصار العابر، وحزن الانكسار الذي يطوي القلب طيّ السجلّ القديم. ترى فيها الفرد جوهراً، اللاعب الذي يراوغ وحده، فتبدو كأنها قصيدةً لبطولة شخصية، لكن سرعان ما تكتشف أنها سيمفونية جماعية لا تكتمل إلا بتناغم الفريق، تماماً كحياتنا التي لا نحياها وحدنا رغم كل أوهام العزلة. وهناك، على المدرجات، يقف الناس، هؤلاء المتفرجون الذين هم نحن، شهودُ الحياة على الحياة، يصفقون حيناً ويصفرون أحياناً، يلهثون خلف كرةٍ هي قدرٌ يجري على عشب أخضر.
كما أن للملعب قوانينه وسلطته، ممثلةً في حَكَمٍ قد يصيب وقد يخطئ، لكنه يبقى ضرورياً، تماماً كحاجتنا لنظامٍ ما، لأخلاقٍ ما، تحكم الفوضى. بل إن الكرة، في وجهٍ من وجوهها، تشبه الحرب نفسها: التخطيط والكرّ والفرّ، الانتصار والهزيمة، الأرض التي تُكتسب والأرض التي تُفقد... لكنها حربٌ بلا إزهاق أرواح، حربٌ لا تقتل سوى الوقت، وتُبقي على الحلم واقفاً على قدمين، حتى لو كانت إحداهما من خِرَق.
هذا بالضبط ما كنا نبحث عنه خلف الأسلاك الشائكة، حياةً لا ينهيها رصاص، ومباراة لا يُطلق فيها حكم النهاية صافرة الموت. كان ألبير كامو، حارس المرمى الذي صار فيلسوفاً، محقاً حين كتب: "كل ما أعرفه عن الأخلاق والالتزام بالواجب، أدين به لكرة القدم". كنا هناك، في المعتقل، نتعلم الدرس نفسه، أن تنهض رغم الجرح، وأن تواصل الركض رغم كل شيء.
يومها لم يأتنا خبر الفائز بكأس العالم من سجّان، لأن السجّان كان يحجب الأنفاس قبل الأخبار. بل جاءنا الخبر على ألسنة أسرى جدد وصلوا لتوّهم من عالم لم ندرك قيمته الحقيقية إلا حين حرمنا منه، عالم اسمه: الحرية. يخبروننا كأنهم يفشون سراً خطيراً: "إيطاليا هي التي فازت". لحظة عجيبة تلك، يتوقف فيها الزمن للحظة، وتصير الكلمة رسالة من كوكب آخر. أذكر أنني تساءلت يومها، بين الصمت والفرح: هل حقاً فرحنا لفوز إيطاليا، أم أن الخبر نفسه هو فوز لنا، ودليل على أننا ما نزال على قيد الحياة؟
بلى، الفرحة الداخلية العظمى كون الخبر نفسه، كل خبر، كان بمثابة رسالة من الحياة: نحن لسنا وحدنا، والعالم لا يزال يدور، وهناك من يركض وراء كرة في مكان ما، بينما نحن "نركض" نفسياً خلف وقت يغدو بطيئاً كسلحفاة حين تنتفي منه الحرية.
حين اشتروا الحلم
الآن، بعد 44 عاماً، يتكرر المشهد، لكن بشكل أكثر مأساوية. وكأن ثمة دورة لا تتوقف: أطفال 1982 صاروا آباء 2026، والكرة التي كنا نصنعها من مزق الأغطية في معتقل "أنصار" تُصنع اليوم من خيام اللجوء. كأن التاريخ يعيد نفسه، لكن بحنجرة أكثر بحة، وبشاشات أوضح.
العالم كله مشغول بالمونديال، فيما الاحتلال "يلعب" مونديالاً دموياً في وطننا الصغير جغرافياً، الكبير بجوهره ومعناه: يسوي المدن والبلدات بالأرض، يزرع الرصاص في صدور الأبرياء، ويحيل الهواء إلى شظايا.
في المونديال الحقيقي، الجماهير تصفر للحكم حين يخطئ. أما في مونديال الاحتلال، فلا حكم، ولا جماهير، ولا قواعد. الجلاد يلعب وحده، ويعلن نفسه فائزاً قبل أن تبدأ المباراة. والأبشع أن الحدود بين المونديالين اضمحلت: الإعلام يغطي الأهداف والقنابل بالحماسة ذاتها، وتقنية "الفار" صارت تشبه مسيرات الاستطلاع، والرعاة هم أنفسهم مصنعو الأسلحة أحياناً. كأن العالم صار مونديالاً واحداً مشوهاً، نصنع فيه الكرة بأيدينا ثم نرميها تحت أقدام من يدمروننا، ونصفق.
أنت حي، وأنت قادر على أن تفرح
مع ذلك، فإن سحر الكرة لا مفرّ منه. حتى أهلنا المهجرين من بيوتهم وبلداتهم، الذين نزحوا في وسائل النقل أو على ظهور الذكريات، يجلسون الآن في أماكن لجوئهم أمام شاشات صغيرة، يتابعون هذه اللعبة الساحرة. يقتنصون من الحياة الظالمة لحظات متعة تشبه قبس ضوء في نفق أسود، لا يطعم جائعاً، ولا يبني بيتاً، ولا يرد طفلاً قُتل بدم بارد، لكنه يقول بصمت "أنت حي، وأنت قادر على أن تفرح. وهذا، في زمن الجلادين، هو انتصار صغير لا يعترف به أحد".
أتذكر كرة مزق الأغطية في "عتليت" و"أنصار"، وأفكر كم كان إدواردو غاليانو محقاً حين قال إن: "الملعب هو المكان الوحيد الذي لا يزال فيه الفقراء قادرين على إذلال الأغنياء، بقدم واحدة فقط".
كانت مقولته صادقة في زمنها، لكن الأغنياء اليوم لم يعودوا يلعبون بالكرة فقط. لقد اشتروا الكرة، والملعب، والحكم، والجمهور، وحتى حلم الفقراء.
العولمة المتوحشة حولت اللعبة الساحرة إلى سلعة تباع بالدقيقة، وإلى إعلان متحرك، وإلى سوق أسهم لا تبالي إن كانت الكرة تبكي أم تفرح. لكن مع ذلك، ما زال بعض الفقراء في الخيام والمخيمات والأزقة المحاصرة يرفعون أعلام فرقهم، ويصرخون كأنهم يذلون أحداً. يذلون اليأس. وهو، جدير بالإذلال كل حين.
في تلك الليالي، وأنا أتخيل الكرة تتدحرج نحو حارس مرمى وهمي عند أطراف المعتقل، كانت تخطر لي مقولة محمود درويش "أحياناً، أتمنى لو أن الكرة مستديرة بما يكفي لتدحرج جندياً عن حارس مرمى فلسطيني". حارس مرمى وهمي، في ملعب من تراب، في معتقل لا يشبه العالم. لكن الكرة المستديرة كحلم كانت تكفي.
ولم يكن درويش شاعراً فقط، بل كان قارئاً عميقاً لسحر الكرة، ذلك السحر الذي يجعل المستحيلات ممكنة، حتى ولو للحظة واحدة، وما من مرة زرته في مكان إقامته العمّانية إلا ووجدته يتابع مباراة كرة قدم تبثها قناة تلفزيونية.
نحن الآن في زمنين، زمن المونديال المباح، وزمن المونديال المحرّم. الأول يلعب بالقدم، والثاني بالحديد والنار. الأول يُحكم بفارق الأهداف، والثاني بفارق الأرواح. لكن السؤال الذي يلح عليّ كلما شاهدت طفلاً أمام خيمة يركل كرة بالية نحو هدف وهمي، كما كنا نصنع الكرة من العدم في "عتليت" و"أنصار"، يصنعها اليوم أطفال الخيام من الهواء والرجاء. هل يمكن أن تكون الكرة ذاتها سلاحاً؟ هل يمكن أن تنتصر لحظة فرح صغيرة على كل هذا الرصاص؟
أعتقد أن الإجابة تكمن في ذاكرة "عتليت"و"أنصار". هناك، كنا ننتظر الأسرى الجدد كأنهم رسل، ونبأ الفائز بالكأس كأنه بشرى خلاص. لم نكن سذّجاً. كنا نعرف أن الكرة لا تحرر أرضاً، ولا توقف قنبلة. لكننا كنا نعرف أيضاً أنها تمنحنا ما هو أثمن من لحظات انتظار الحرية: لحظة نسيان الجلاد. وتلك اللحظة، في عالم مزدحم بالسلاح والقهر، تستحق أن تُسمى انتصاراً.
أراقب الكرة، وهي تدور في فضاء الشاشة الصغيرة، وأتساءل: لو كانت الكرة نفسها تستطيع أن تشهد، هل كانت ستركل الجلاد أولاً، أم كانت ستمرّر نفسها إلى طفل في خيمة؟
أعتقد أنها ستفعل كلاهما. فهي، في النهاية، ساحرة.

