رأي

سيناريو تفكيك الدول.. العراق وليبيا مثالًا 

سيناريو تفكيك الدول.. العراق وليبيا مثالًا 

دول موحدة على الخريطة، مجزأة في الواقع.. من الدولة الجامعة إلى مراكز النفوذ


افراسيانت - تفكك الدولة بعد سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة بناء مؤسسات أقوى، بل قد يفتح فراغًا أمنيًا وسياسيًا يضعف قدرة الدولة على الاحتكار. العراق وليبيا مثالان بارزان، حيث أدى انهيار النظام إلى صعود قوى محلية مسلحة، وانتشار الفساد، وتحول النفط إلى محور صراع، ما جعل إصلاح الدولة أصعب من إسقاط النظام نفسه.


ثمة أسئلة لا تطرح مع سقوط الأنظمة، بل تطرح بعد سقوطها. اللحظة التي ينتهي فيها حكم شخص أو حزب أو منظومة سياسية لا تعني بالضرورة أن الدولة التي كانت قائمة تحته ستخرج من الأزمة أقوى وأكثر تماسكًا. أحيانًا يحدث العكس تمامًا: يسقط النظام، فتسقط معه أجزاء من المؤسسات، ويتسع الفراغ، وتظهر قوى جديدة لا تنظر إلى الدولة باعتبارها الإطار الجامع للمجتمع، بل باعتبارها ساحة ينبغي السيطرة عليها أو تقاسمها.


من هنا تبدو المقارنة بين العراق وليبيا جديرة بالتأمل، لا لأن التجربتين متطابقتان، فهما مختلفتان في التاريخ والتركيبة الاجتماعية والسياسية، وإنما لأنهما تكشفان عن مشكلة واحدة: ماذا يحدث عندما يؤدي انهيار النظام السياسي إلى إضعاف مؤسسات الدولة بدل إعادة بنائها؟


في العراق، أدى سقوط نظام صدام حسين عام 2003 إلى فتح مرحلة جديدة جرى خلالها تفكيك عدد من مؤسسات النظام السابق، وفي مقدمتها الجيش، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس توازنات طائفية وقومية.

وفي ليبيا، أدى سقوط معمر القذافي عام 2011 إلى انهيار منظومة السلطة المركزية من دون أن تنجح القوى السياسية الجديدة في بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة قادرة على ملء الفراغ. وهكذا اتخذ التفكك في العراق طابعًا طائفيًا وقوميًا أكثر وضوحًا، بينما اتخذ في ليبيا طابعًا جهويًا ومدينيًا وقبليًا ومسلحًا.


لكن النتيجة المحتملة في الحالتين كانت متشابهة في جانب أساسي: إضعاف قدرة الدولة على احتكار القوة واتخاذ القرار وتوزيع الموارد بصورة مستقرة، وتحول الجماعات الاجتماعية والسياسية والأمنية إلى مراكز نفوذ قادرة على منافسة مؤسسات الدولة نفسها.


وهنا تبرز قضية كثيرًا ما تُختزل في النقاشات السياسية: هل كان ما حدث مجرد نتيجة طبيعية لأخطاء داخلية وخارجية تراكمت بعد سقوط النظامين، أم أن وراء هذه التحولات تصورات أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟


في هذا السياق، يظهر اسم برنارد لويس، المؤرخ والمفكر الذي كان له تأثير كبير في الدراسات الأميركية للشرق الأوسط، وارتبط لاحقًا بالتيارات المحافظة والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة. وقد تحولت أفكاره، خصوصًا في بعض الأدبيات السياسية والإعلامية، إلى جزء من رواية واسعة تتحدث عن مشروع لتقسيم المنطقة إلى كيانات طائفية وعرقية.


"تفكك الدولة بعد سقوط الأنظمة لا يعني فقط انهيار الحكم بل يفتح فراغًا مؤسسيًا وأمنيًا حيث تصعد قوى محلية تنافس الدولة وتضعف قدرتها على الاحتكار"

________________

 

لكن التعامل الجاد مع هذه المسألة يقتضي التمييز بين ما هو موثق وما تحول إلى سردية سياسية. فلا توجد، وفق الأدلة التاريخية المتاحة، وثيقة أصلية قاطعة تثبت وجود “خطة برنارد لويس” رسمية لتقسيم العراق وليبيا وغيرهما وفق الخرائط التي انتشرت على نطاق واسع.

وهذا لا يعني أن أفكاره لم تكن مؤثرة أو أن تصوره لأزمة الدولة في الشرق الأوسط لا يستحق الدراسة. ففي كتاباته ومقالاته ناقش لويس ضعف الدولة القومية في المنطقة، وصعود الهويات المحلية والطائفية والإثنية، واحتمالات تحول بعض الدول إلى نماذج أقرب إلى “اللبننة” أو “البلقنة” السياسية.


ولهذا فإن السؤال الأكثر جدية ليس ما إذا كانت هناك خريطة سرية وضعت في مكتب ما، وإنما كيف تفاعلت الأفكار الإستراتيجية مع السياسات الدولية والأخطاء العسكرية والسياسية والصراعات المحلية لتنتج، في بعض الحالات، واقعًا اقترب من بعض السيناريوهات التي كانت تلك الأدبيات تناقشها.


العراق كان الاختبار الأكثر وضوحًا. فالغزو الأميركي عام 2003 لم يسقط نظام صدام حسين فقط، بل فتح الباب أمام إعادة بناء الدولة من الصفر تقريبًا. وكانت قرارات اجتثاث حزب البعث وحل الجيش ومؤسسات أمنية أخرى من أكثر القرارات تأثيرًا في المرحلة التي تلت سقوط النظام. فقد أدت هذه الإجراءات إلى خلق فراغ مؤسسي وأمني واسع في لحظة كانت البلاد فيها تحتاج إلى مؤسسات قادرة على حفظ النظام ومنع الانهيار.


ثم جاءت عملية بناء النظام السياسي الجديد وفق توازنات المكونات. أصبح التمثيل الطائفي والقومي جزءًا أساسيًا من آلية توزيع السلطة، ومع الوقت ترسخت المحاصصة بوصفها واحدة من قواعد اللعبة السياسية. ولم يعد المواطن يرى الدولة دائمًا باعتبارها المؤسسة التي تضمن له حقوقه بمعزل عن هويته، بل وجد نفسه في كثير من الأحيان مضطرًا إلى البحث عن الحماية والتمثيل داخل حزب أو طائفة أو قومية أو شبكة سياسية.


ومن هنا بدأت الحلقة الأخطر. عندما تضعف الدولة، تصعد القوى التي تستطيع توفير الأمن أو الخدمات أو الحماية. وعندما تتعدد القوى المسلحة، تتراجع قدرة الدولة على احتكار السلاح. وعندما تتراجع قدرة الدولة، يصبح الفساد أكثر قدرة على التغلغل في مؤسساتها. وعندما يصبح الحصول على الوظيفة أو العقد أو الخدمة مرتبطًا بالولاء السياسي أو الطائفي، تتراجع ثقة المواطن بالدولة أكثر فأكثر.


وهنا يصبح الفساد أكثر من مجرد سرقة للمال العام. يصبح آلية لإعادة إنتاج الضعف.


هذه النقطة بالذات مهمة عند النظر إلى ليبيا. فالفساد في الدول الهشة لا يعمل منفصلًا عن السياسة والأمن. عندما يصبح المال العام جزءًا من شبكة النفوذ، وعندما ترتبط الوظائف والعقود والحماية بالولاءات السياسية أو المحلية، تتحول الدولة نفسها إلى مصدر للمكاسب التي تتنافس عليها الجماعات. وبذلك لا يعود الفساد نتيجة للفوضى فحسب، بل يصبح أحد أسباب استمرارها.


"العراق وليبيا مثالان مختلفان في التركيبة لكنهما يشتركان في النتيجة: مؤسسات ضعيفة وسلاح منتشر وموارد تتحول إلى جوائز للصراع بدل أن تكون أدوات للتنمية"

________________


في ليبيا، لم يكن التفكك طائفيًا كما حدث في العراق، لأن التركيبة الاجتماعية الليبية مختلفة. لكن غياب الطائفية لا يعني غياب أدوات التفكك. فالقبيلة، والمدينة، والمنطقة، والمجموعة المسلحة، ومركز النفوذ المحلي، كلها يمكن أن تتحول إلى بدائل عن الدولة عندما تفشل الدولة في بناء مؤسسات جامعة.


وهنا ينبغي الحذر من تحميل القبائل أو المدن مسؤولية الأزمة. فالقبيلة مكوّن اجتماعي أصيل في ليبيا، والمدن جزء أساسي من تاريخها السياسي والاقتصادي. المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء الاجتماعي من عنصر من عناصر المجتمع إلى مصدر للسلطة السياسية والأمنية البديلة عن الدولة؛ عندما تصبح المدينة أقوى من المؤسسة، والقبيلة أقوى من القانون، والمجموعة المسلحة أقوى من الجيش، عندها يتحول التنوع الطبيعي للمجتمع إلى تفكك سياسي.


وهذا ما يجعل المقارنة بين العراق وليبيا مفيدة، رغم اختلاف الأدوات. العراق عرف التفكك من خلال الطائفة والقومية، بينما عرفته ليبيا من خلال الجهوية والقبلية والمدينية وتعدد مراكز القوة المسلحة. لكن الآلية العامة يمكن أن تتقاطع: يسقط النظام، تضعف المؤسسات، يظهر الفراغ، تصعد القوى المحلية، ينتشر السلاح، تبدأ المنافسة على الموارد، يتوسع الفساد، تتدخل القوى الخارجية، ثم يصبح إصلاح الدولة أصعب من إسقاط النظام نفسه.


ليست هذه بالضرورة خطة واحدة، ولا تثبت وجود مشروع مركزي لتفكيك البلدين، لكنها تكشف آلية سياسية يمكن أن تنتج دولة ضعيفة حتى من دون وجود جهة واحدة تدير العملية بأكملها.


ويزداد الخطر في العراق وليبيا لأن النفط يمثل عنصرًا محوريًا في اقتصاد البلدين. ففي الدولة المستقرة يمكن أن تكون الثروة النفطية مصدرًا لتمويل المؤسسات والتنمية والخدمات. أما في الدولة المنقسمة، فإن النفط يمكن أن يتحول إلى جائزة للصراع.


من يسيطر على الموارد يستطيع التأثير في توزيع الثروة. ومن يملك النفوذ على المؤسسات المالية يستطيع التأثير في الإنفاق. ومن يسيطر على المنشآت النفطية أو طرق التصدير يمتلك ورقة ضغط سياسية. ومن يملك السلاح يستطيع حماية مصالحه. وهكذا يتكون اقتصاد سياسي تصبح فيه الثروة جزءًا من معادلة القوة.


وهنا يمكن فهم واحدة من أخطر حلقات الدولة الهشة: الفوضى لا تعني دائمًا غياب المستفيدين. أحيانًا تنتج الفوضى مستفيدين من استمرارها، وعندما تتشكل مصالح اقتصادية حول الانقسام، يصبح السلام نفسه تهديدًا لبعض هذه المصالح.


ولذلك قد لا يكون الخطر الأكبر على ليبيا هو تقسيمها رسميًا إلى دول أو كيانات مستقلة. قد يكون الخطر أكثر تعقيدًا: أن تبقى ليبيا موحدة على الخريطة، لكنها مجزأة في الواقع. دولة لها حكومة، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على الأرض؛ لها مؤسسات، لكنها منقسمة أو متنافسة؛ لها جيش، لكن إلى جانبه مجموعات مسلحة؛ لها ثروة نفطية، لكنها تتحول إلى مصدر للتجاذب؛ ولها مواطنون يحملون الجنسية نفسها، لكنهم يجدون أنفسهم في أنظمة مختلفة من النفوذ والحماية والولاء.


الفساد في الدول الهشة ليس مجرد سرقة، بل آلية لإعادة إنتاج الضعف، حيث تتحول الوظائف والعقود إلى أدوات نفوذ مرتبطة بالولاءات الطائفية أو الجهوية.


هذه ليست “بلقنة” بالمعنى التقليدي، وإنما يمكن وصفها بأنها تفكك وظيفي للدولة مع بقاء حدودها الرسمية.


وهنا يعود السؤال حول المؤامرة. ربما يكون من السهل سياسيًا القول إن كل ما حدث كان جزءًا من مخطط خارجي، كما أن من السهل بالقدر نفسه القول إن كل شيء كان مجرد نتيجة لأخطاء داخلية. لكن الواقع عادة أكثر تعقيدًا من الخيارين.


قد لا تكون هناك غرفة عمليات واحدة قررت تقسيم العراق أو ليبيا، لكن ذلك لا يمنع أن تتفاعل مصالح دولية مع صراعات محلية، وأفكار استراتيجية مع أخطاء سياسية، وقوى مسلحة مع اقتصاديات حرب، لتنتج في النهاية نتائج لم يكن طرف واحد قادرًا على التحكم فيها بالكامل.


وفي السياسة الدولية، قد تكون النتائج أحيانًا أهم من النوايا.


لهذا فإن دراسة ما حدث في العراق وليبيا يجب ألا تتوقف عند سؤال “من خطط؟”، بل يجب أن تنتقل إلى سؤال أكثر فائدة: ما السياسات التي أضعفت الدولة؟ ومن استفاد من ذلك؟ ولماذا فشلت القوى التي جاءت بعد سقوط النظام في إعادة بناء المؤسسات قبل أن تتسع مساحة السلاح والفساد والتدخل الخارجي؟


العراق يقدم في هذا السياق درسًا شديد الوضوح لليبيا: إسقاط النظام ليس هو نفسه بناء الدولة.


يمكن إسقاط حاكم في أشهر، لكن بناء مؤسسة عسكرية وطنية يحتاج سنوات. ويمكن تشكيل حكومة خلال أيام، لكن بناء دولة قانون يحتاج عقودًا. ويمكن تغيير الدستور، لكن إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة تحتاج إلى ممارسة طويلة تثبت أن القانون أقوى من الجماعة، وأن الوظيفة العامة ليست مكافأة سياسية، وأن الثروة الوطنية لا تنتمي إلى حزب أو منطقة أو مدينة.


ولهذا فإن مكافحة الفساد ليست ملفًا إداريًا ثانويًا في الحالة الليبية، بل جزء من معركة بناء الدولة. فإذا استمر اقتصاد الحرب، وبقي السلاح خارج المؤسسات، واستمرت شبكات المصالح في التحكم بالموارد والعقود، فإن أي اتفاق سياسي سيظل هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار حقيقي.


المعركة الحقيقية في ليبيا، إذن، ليست بين الشرق والغرب، ولا بين مدينة وأخرى، ولا بين حكومة وحكومة. إنها أعمق من ذلك بكثير: هل تكون الدولة هي الإطار الذي يستوعب الجميع، أم تصبح الجماعات بدائل عن الدولة؟ هل تكون المواطنة أساس الحقوق، أم يصبح الانتماء المحلي والسياسي طريقًا إلى الموارد؟ هل يكون القانون أقوى من السلاح، أم يصبح السلاح وسيلة لتحديد من يملك الحق في الدولة؟ وهل تتحول الثروة النفطية إلى أساس للتنمية، أم إلى وقود لصراع لا ينتهي؟


"الثروة النفطية في العراق وليبيا يمكن أن تموّل المؤسسات في الدول المستقرة لكنها في الدول المنقسمة تتحول إلى محور صراع يزيد من تفكك الدولة واستمرار الأزمة"

________________


إذا انتصرت الدولة، تستطيع ليبيا أن تستوعب قبائلها ومدنها ومناطقها وتنوعها الاجتماعي داخل مشروع وطني واحد. أما إذا استمرت الجماعات في منافسة الدولة على السلطة والسلاح والموارد، فإن الانقسام سيبقى قائمًا حتى لو بقيت ليبيا موحدة رسميًا.


ولهذا فإن مستقبل ليبيا لن تحدده فقط الانتخابات المقبلة، ولا أسماء الحكومات، ولا الترتيبات المؤقتة التي تتغير من مرحلة إلى أخرى. سيحدده السؤال الأعمق: هل تستطيع ليبيا بناء دولة يشعر المواطن فيها أن القانون يحميه، وأن الثروة ملك للمجتمع، وأن الجيش مؤسسة وطنية، وأن القبيلة والمدينة والجهة مكونات للمجتمع وليست بدائل عن الدولة؟


هنا تحديدًا يكمن الفارق بين دولة تتجاوز أزمتها ودولة تتعايش معها.


فربما لا يكون أخطر ما يمكن أن يحدث لليبيا أن تُقسّم رسميًا. الأخطر أن تبقى موحدة في الخرائط، بينما تتوزع وظائفها ومؤسساتها ومواردها ونفوذها بين قوى متعددة. عندها يصبح التفكك أقل وضوحًا، لكنه أكثر رسوخًا.


وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل يتكرر سيناريو العراق في ليبيا؟ فالتاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا. السؤال الأهم هو: هل تتكرر الآلية التي تجعل سقوط النظام مقدمة لسقوط الدولة؟


إذا استطاعت ليبيا أن تكسر هذه الآلية، فإن اختلافها عن العراق يمكن أن يصبح مصدر قوة، لا مصدر ضعف. أما إذا بقي السلاح والفساد واقتصاد الحرب أقوى من المؤسسات، فقد لا تحتاج البلاد إلى أن تُقسّم كي تصبح دولة مجزأة.


يكفي أن تبقى موحدة على الخريطة، ومجزأة في الواقع.

________________

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12592252
Please fill the required field.