رأي

مفاوضات التهدئة… المرونة الفلسطينية تصطدم بخطط "الاستنزاف والسحق البطيء"

مفاوضات التهدئة… المرونة الفلسطينية تصطدم بخطط "الاستنزاف والسحق البطيء"

افراسيانت ـ القدس العربي - اشرف الهور - لم تختلف الأحوال في قطاع غزة عما كانت عليه خلال الفترة السابقة، ولم تشفع جولة مفاوضات وقف إطلاق النار في تهدئة الأوضاع الساخنة، بل زادت سوءا بسبب الهجمات الإسرائيلية الخطيرة على القطاع، والتي تخللها إغلاق شامل لمعابر غزة، أدت إلى زيادة خطورة الوضع الإنساني، بعد أن أثرت بشكل أخطر على كمية المساعدات الغذائية والطبية المتوفرة بشكل شحيح في القطاع المنكوب.


تصعد ميداني


ولم تشفع جولة المفاوضات الخاصة باتفاق التهدئة التي استضافتها مصر بحضور ثلاثي الوساطة، مع عدد من الفصائل الفلسطينية في مقدمتها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في تهدئة الميدان، حيث أبقت قوات الاحتلال على سياستها العدوانية، بل أنها تعمدت في أيام المفاوضات تصعيد الهجمات الدامية.


وفي اليوم الأول للمفاوضات التي انطلقت السبت، ارتكبت مجزرة خطيرة حين هاجمت منطقة نزوح من الخيام غرب مدينة غزة، أدت إلى ارتقاء تسعة شهداء وإصابة عدد آخر كبير من المواطنين بجراح مختلفة، وقد كان من بين الضحايا أطفال ونساء، ولتقتل اثنين من المواطنين في غارة على حي الزيتون جنوب شرق المدينة، وتستمر في هذا المسلسل من القتل، لترتكب في اليوم الثاني مجازر عدة، أولها كانت حين استهدفت نقطة شرطية غرب مدينة خان يونس، أسفرت عن ارتقاء خمسة شهداء، لتواصل بعدها سياسة القتل، وفي غارة دامية أخرى استهدفت غرب مدينة غزة، ارتقى أربعة شهداء بينهم امرأة.


وعلى ذات الحال استمرت عمليات القتل في اليوم الثالث للمفاوضات، وفي غارات على مناطق عدة شمال ووسط وجنوب القطاع، قتل وأصيب عدد من المواطنين، فيما بثت هذه الغارات الذعر في صفوف المواطنين الذين باتوا يترقبون القصف في كل مكان، في ظل التحليق المكثف للطيران الحربي فوق أجواء القطاع، خاصة وأن هجمات عدة ضربت القطاع خلال أيام الأسبوع الماضي، علاوة على عمليات القصف اليومي وإطلاق النار الذي يستهدف المناطق الواقعة خلف «الخط الأصفر»، والمناطق المحيطة بهذا الخط الذي تحتل بموجبه إسرائيل أغلب مناطق القطاع.


وأظهرت قوات الاحتلال أنها تنفذ سياسة جديدة تقوم على تصعيد القتل والتدمير في غزة، بعد أن هدد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مؤخرا بتوسيع نطاق السيطرة على غزة، لتصل إلى 70 في المئة من مساحة القطاع.


خطط السحق والاستنزاف


كشف عن ذلك تقرير إسرائيلي أكد أن الجيش الإسرائيلي ينفّذ خطة استراتيجية جديدة في قطاع غزة، تقوم على «الاستنزاف الممنهج والسحق البطيء»، تزامناً مع تحذيرات واسعة من انفجار «قنبلة موقوتة» داخل القطاع نتيجة حشر أكثر من مليوني مواطن في معازل وتجمعات ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشرية.


هذا التقرير الذي نشره المحلل العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي، نقلاً عن قيادة الجيش الإسرائيلي في القطاع، أوضح أن الجيش، شيد 40 موقعاً ومعسكراً ثابتاً ومحصناً بالخرسانة المسلحة في مختلف أنحاء القطاع، لا سيما في الشمال والوسط، بهدف تأمين تموضع دائم للقوات وحمايتها من القذائف والالتفافات، وحصر تحركات المواطنين خلف ما يسمى «الخط الأصفر» عند محور طريق صلاح الدين المدمر.


وبحسب اعترافات قادة الميدان في الجيش، فإن التكتيك الحالي يعتمد على استغلال التفوق الجوي المطلق وشبكات التجسس التكنولوجية والبشرية لتنفيذ عمليات اغتيال وتصفية ممنهجة لصفوف القيادة العسكرية والسياسية وجهاز الشرطة لإحداث فراغ سلطوي وإداري في القطاع، وكان آخرها اغتيال القائدين محمد عودة وعز الدين حداد.


وحذر التقرير العبري من أن الخطر الحقيقي طويل الأمد على إسرائيل لا يكمن في حماس التي تقاتل من أجل البقاء، بل في الكارثة الإنسانية المتفاقمة لـ 2.1 مليون مواطن فلسطيني محشورين في تجمعات ضيقة لا تتعدى 36 في المئة من مساحة القطاع (نحو 120 كم مربع فقط في المواصي والمناطق الوسطى والجنوبية)، مؤكداً أن انفجار الأوضاع الصحية أو تفشي الأوبئة، إلى جانب توقف المطابخ والعيادات الدولية عن العمل جراء نقص التمويل وإغلاق المضائق المائية، يقرّب القطاع من قطيعة كاملة وكارثة إنسانية ستتحمل إسرائيل مسؤوليتها أمام المجتمع الدولي.


وتلا ذلك أن كشفت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن الجيش يستعد لاستئناف القتال في قطاع غزة على نطاق واسع، وأن رئيس أركان الجيش الجنرال إيال زامير وافق على خطط عملياتية في إطار مناقشات استئناف العمليات البرية في غزة، ونقلت عن مصادر إسرائيلية تأكيدها أن الحكومة لم توافق بعد على توسيع القتال في القطاع الفلسطيني المحاصر، غير أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حث الجيش على الاستعداد.


رفض مقترحات التهدئة


ويدلل ذلك على قرار إسرائيل رفض تهدئة الميدان خلال مفاوضات التهدئة التي جرت الأسبوع الماضي، وسعي حكومة الاحتلال إلى استمرار التصعيد، خاصة وأنها لم تلتفت لدعوات الوسطاء الذين طالبوا بوقف التصعيد خلال فترة المفاوضات التي استضافتها العاصمة المصرية القاهرة، كما أنها لم تهتم بطرح الفصائل حول «سلاح المقاومة» واستمرارها في طل «نزع السلاح»، وتقديمها لمقترح جديد من شأنه ان يعيد المفاوضات إلى المربع الأول، بعدما طلبت علاوة عن «نزع السلاح» تحول فصائل المقاومة إلى أحزاب سياسية.


وفي هذا السياق، فإن المحادثات التي استضافتها القاهرة، ورغم ما قدمته الفصائل المشاركة من مرونة، إلا أنها اصطدمت بالمواقف الإسرائيلية المتعنتة، فيما تواصل إسرائيل سياستها العدوانية، خاصة وأنها لا تزال ترفض الالتزام ببنود اتفاق المرحلة الأولى، وتسعى إلى فرض شرط «نزع سلاح المقاومة». هذا وقد أكد مصدر مطلع في حركة المقاومة الإسلامية «حماس» لـ«القدس العربي»، أن وفد الحركة عقد جلسات في القاهرة مع الوسطاء، بحثت بشكل معمق طرق وقف العدوان على غزة، وتنفيذ استحقاقات التهدئة، وشدد في ذات الوقت أن الحركة قدمت إلى هذه المفاوضات، وهي ترفض بقوة مناقشة «سلاح المقاومة»، حيث أبلغت بالأمر كل من ثلاثي الوساطة، وكذلك الممثل السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف.


وأكد طاهر النونو المستشار الإعلامي لرئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، إحراز «تقدم ملموس» في مباحثات القاهرة خلال الأيام الماضية، وقال لـ«القدس العربي»، إن فد حماس والفصائل «أعد صياغة مشتركة لرد وطني موحد ومسؤول حول بنود خريطة الطريق التي قُدمت للحركة وللفصائل من الوسطاء لاستكمال تطبيق خطة الرئيس دونالد ترامب بشأن غزة»، لافتا إلى أن وفد «حماس» وممثلي الفصائل المشاركة «أبدوا إيجابية ومسؤولية عالية في الحوار بهدف الوصول إلى اتفاق مقبول من الجميع، ويحمي شعبنا الفلسطيني، ويوفر له حياة كريمة ومستقبلا أفضل».


وجاء ذلك بعد أن قدمت الفصائل مقترحا يقوم على «حصر» السلاح لا «نزعه» كما تريد إسرائيل، ويبقيه في يد السلطة الشرعية التي تحكم غزة.


موقف الفصائل


ويدور الحديث أيضا أن حركة «حماس» طلبت ألا يجري القفز للمرحلة الثانية، من دون آلية واضحة تسبقها تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، التي يفترض أن تشمل إغاثة سكان غزة، وهو أمر تماطل إسرائيل في تنفيذه، بحيث لا تسمح بدخول المساعدات اللازمة، علاوة على عدم تقيدها بالاتفاق، حيث قامت بتوسيع السيطرة على مناطق جديدة في قطاع غزة، على وقع استمرار الهجمات الدامية.


وتخشى فصائل المقاومة من «فوضى كبيرة»، بسبب مقترح «تسليم السلاح»، تهدد السلم الأهلي، وتفجر خلافات داخل مجتمع قطاع غزة، في حال لم يكن ضمن مقترح شامل يعطي الشعب الفلسطيني حقوقه، ويضمن وجود قوة فلسطينية تحافظ على الأمن وتستطيع ضبطه بشكل كامل، وضمانات بعدم عودة الهجمات الإسرائيلية.


وتجدر الإشارة إلى أن المرحلة الثانية من الاتفاق، تشمل انسحابات إسرائيلية من قطاع غزة، حيث تسيطر حاليا قوات الاحتلال على 60 في المئة من مساحة قطاع غزة، إلى جانب بند يطلب بـ«سحب سلاح المقاومة»، وإبقاء السلاح في أيدي القوة الأمنية التابعة للجنة الوطنية لإدارة غزة.


وكان حازم قاسم المتحدث باسم حركة «حماس» قال إن حركته والفصائل الفلسطينية تعاملت بإيجابية ومرونة مع المقترحات التي طرحها الوسطاء خلال اللقاءات التي عُقدت في القاهرة، والمرتبطة بآليات تنفيذ خطة إنهاء الحرب في قطاع غزة وإدارة المرحلة المقبلة، وإن «المشاورات التي جرت بمشاركة الوسطاء من مصر وقطر وتركيا أفضت إلى مقاربات»، وقد وصف تلك المقاربات بـ«المقبولة» من مختلف الأطراف المشاركة في الاجتماعات، وطالب الوسطاء والدول الضامنة بممارسة ضغوط على الاحتلال الإسرائيلي، من أجل وقف خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار، والالتزام ببنود الاتفاق المبرمة.


وقال «تنفيذ أي خطة سياسية لإنهاء الحرب يتطلب استكمال ما تبقى من المرحلة الأولى من الاتفاق، ووقف الانتهاكات المتواصلة، إلى جانب التعاطي مع مقترحات المرحلة الثانية بصورة تضمن استمرار مسار التهدئة»، مؤكدا أن الخروقات الإسرائيلية للاتفاق أسفرت عن استشهاد نحو ألف فلسطيني منذ بدء سريان وقف إطلاق النار.


تشديد الحصار


لكن على الأرض، كانت إسرائيل تواصل سياستها التي تريد من خلالها خنق غزة، فبالإضافة إلى الهجمات العسكرية، كانت سلطات الاحتلال تشدد إجراءات الحصار على غزة، وبزعم التصعيد الإقليمي أغلقت معابر قطاع غزة بالكامل، من دون أن تسمح بمرور أي مساعدات غذائية أو طبية للسكان المحاصرين على مدار يومين، رغم التقارير الدولية التي تؤكد حاجة القطاع لفتح المزيد من المعابر وإدخال كميات مساعدات أكبر.


ولذلك قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، والذي أدان زيادة الهجمات الإسرائيلية، إن الهجمات الإسرائيلية في غزة «تنتهك مبادئ القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالتمييز والتناسب واتخاذ الاحتیاطات أثناء الهجمات»، وأكد أن واقع غزة لم يتغير رغم الاتفاق، وأن الحصار الإسرائيلي على غزة يحرم الفلسطينيين من الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك المأوى الملائم والأدوية الأساسية والمواد الغذائية.


أما فرحان حق نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، فقد شدد على أهمية المساعدات الإنسانية لبقاء ورفاه المدنيين في غزة، مؤكدا أن الاحتياجات الإنسانية في غزة لا تزال هائلة، وشدد على ضرورة ضمان الوصول الإنساني المستدام بدون عوائق، وأكد أن الأمم المتحدة وشركاءها يعملون على مدار الساعة للحفاظ على تدفق الإمدادات بشكل مستمر ومضمون، رغم القيود، كما أشار إلى استمرار تعرض المدنيين والبنية التحتية المدنية في غزة للقصف الجوي الإسرائيلي، وإطلاق القذائف والنيران ما أدى إلى وقوع ضحايا ودمار وفق التقارير.


وفي السياق قال منسق الأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة رامز الأكبروف، إن الأضرار البيئية أثرت على صحة السكان في غزة وسبل عيشهم ورفاههم، وزادت الضغط على النظم البيئية الهشة والموارد الطبيعية، وحذر من أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي، فضلا عن التلوث وتراكم المخلفات، لها عواقب وخيمة على المجتمعات، وقد تكون لها آثار طويلة الأمد.


أما مركز غزة لحقوق الإنسان في غزة، فأكد إن قرار الاحتلال الإسرائيلي إغلاق معابر القطاع، بما فيها معبرا كرم أبو سالم ورفح، بذريعة الهجمات الصاروخية الإيرانية، «يمثل توظيفاً فاضحاً للتصعيد الإقليمي وامتداداً لسياسة العقاب الجماعي المفروضة على أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع»، وأوضح أن إغلاق المعابر «يعمد إلى معاقبة المدنيين في غزة على أحداث لا علاقة لهم بها وتحويلهم إلى رهائن للتطورات السياسية والأمنية في المنطقة»، وأشار المركز إلى أن قرار الإغلاق يأتي في ظل استمرار خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار، لافتاً إلى أن إدخال المساعدات ما زال بدون المستويات المتفق عليها، إذ لم تتجاوز كمية الوقود المدخلة 14.7 في المئة من الكميات المقررة، فيما بلغت نسبة الشاحنات التي دخلت القطاع 36.2 في المئة فقط من العدد المتفق عليه، موضحا أن الأسبوع الماضي شهد دخول 1186 شاحنة فقط من أصل 4200 شاحنة كان يفترض دخولها، بما يعادل 28.2 في المئة من الاحتياجات المقررة، محذراً من أن أي إغلاق جديد للمعابر ينذر بتفاقم الكارثة الإنسانية وإعادة شبح المجاعة إلى القطاع.


ونبه إلى أن إغلاق المعابر لا يقتصر على تأخير المساعدات، بل يهدد حياة المرضى ويعمّق أزمة الغذاء ويزيد من انهيار المنظومة الصحية، خاصة مع وجود أكثر من 20 ألف مريض بحاجة إلى السفر العاجل لتلقي العلاج، وطالب مركز غزة لحقوق الإنسان بالفتح الفوري وغير المشروط لجميع معابر القطاع، واستئناف إدخال المساعدات الإنسانية والتجارية والوقود، والسماح بحرية السفر والتنقل، داعياً المجتمع الدولي إلى إلزام الاحتلال بعدم استخدام التطورات الإقليمية ذريعة لتعطيل التزاماته الإنسانية تجاه سكان غزة، كما دعا إلى المضي في تحقيقات دولية مستقلة بشأن جرائم الإبادة الجماعية والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون الدولي.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12496356
Please fill the required field.