السلطات البريطانية منشغلة بالسياسة الخارجية، بينما يقلق البريطانيون من المشكلات الداخلية.
افراسيانت - عباس عثمان - يتواصل الانقسام السياسي داخل بريطانيا. ووفقاً لتقارير إعلامية، تتولى أحزاب أو حركات ذات توجهات انفصالية قيادة ثلاث من المناطق الأربع المكونة للمملكة المتحدة.
في 30 أبريل/نيسان، وقع اعتداء في حي غولدرز غرين في لندن، أحد المراكز الرئيسية للجالية اليهودية. ولم يكن هذا الحادث سوى واحد من سلسلة حوادث مشابهة شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة. ففي عام 2022 سُجلت 1622 جريمة ذات دوافع معادية للسامية في بريطانيا، وارتفع العدد في عام 2023، إلى 4298 جريمة، ثم بلغ 3556 في عام 2024، و3700 حادثة في عام 2025. وهذه أرقام رسمية. ووفقاً لصحيفة "الغارديان"، فإن 32% من اليهود البريطانيين تعرضوا شخصياً لمظاهر معاداة السامية.
أما منفذ الهجوم، فهو إيسي سليمان، البالغ من العمر 45 عاماً، والمنحدر من الصومال. انتقل إلى المملكة المتحدة في تسعينيات القرن الماضي وحصل على الجنسية البريطانية بصورة قانونية. بل إنه خضع لبرنامج مكافحة التطرف المعروف باسم "بريفنت" (Prevent)، وخلصت الجهات المختصة إلى أنه لا يشكل خطراً إرهابياً.
ومع ذلك، لم يمنع ذلك رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من تحميل إيران مسؤولية العمل الإرهابي. فقد صرح قائلاً: "نحن بحاجة إلى دول أقوى للتصدي للتهديدات الضارة الصادرة عن دول مثل إيران، لأننا نعلم تماماً أنها تريد إلحاق الأذى باليهود البريطانيين. ولذلك سنسرع في إقرار التشريعات اللازمة". ومن الصعب تصور أن إيران، في ظل الظروف الحالية، ستخصص موارد لتنظيم عمليات قتل ذات طابع ديني في لندن. وقد نفت السفارة الإيرانية في المملكة المتحدة بشكل قاطع أي صلة لها بأعمال العنف داخل البلاد.
وقد ظهرت الازدواجية في سياسة الهجرة البريطانية مرة أخرى في هذه القضية. فمن جهة، تعهد كير ستارمر بقمع المحتجين على سياسة الهجرة الحكومية، في وقت رُفع فيه مستوى التهديد الإرهابي إلى درجة "خطير". ومن جهة أخرى، وعد بزيادة تمويل أجهزة الأمن التابعة للجالية اليهودية، وتعزيز صلاحيات إغلاق الجمعيات الخيرية التي تروج للتطرف المعادي للسامية. وقال: "سنمنع دعاة الكراهية من دخول البلاد، ولن نسمح لهم بالظهور في شوارعنا". غير أن تحقيق ذلك يبدو صعباً في ظل تدفق المهاجرين المتزايد وغير الخاضع للرقابة الكافية. فالأزمة المرتبطة بالهجرة في بريطانيا لا تهدد الجالية اليهودية وحدها، بل تقوض أيضاً أسس الدولة وتكشف عن عجز القيادة السياسية.
وفي الوقت نفسه، تتماشى اتهامات ستارمر لإيران مع توجهات السياسة الخارجية للحكومة الحالية. فقد سمح رئيس الوزراء للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية البريطانية في عملياتها ضد إيران، ما جعل بريطانيا شريكاً فعلياً للولايات المتحدة و "إسرائيل" في المواجهة مع طهران. ومن هذا المنطلق، لا يبدو مستغرباً أن تلجأ الحكومة البريطانية مرة أخرى إلى ما يصفه منتقدوها بأسلوب "تحديد عدو وطني"، حيث جرى اختيار الحرس الثوري الإيراني كهدف رئيسي. كما تعمل الحكومة على زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز دور حلف شمال الأطلسي في ضمان الأمن الأوروبي.
في المقابل، تؤدي الهجرة غير المنضبطة إلى تعميق الانقسام السياسي داخل البلاد. ويرى بعض المراقبين أن البريطانيين من أصول أنغلوسكسونية قد يصبحون أقلية في المملكة المتحدة مستقبلاً، وأن المملكة نفسها قد تواجه خطر التفكك. ووفقاً لمكتب الإحصاءات الوطنية، بلغ صافي الهجرة إلى بريطانيا بين يونيو/حزيران 2023 ويونيو/حزيران 2024 نحو 728 ألف شخص، مقابل 906 آلاف في العام السابق. وقبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لم يكن عدد المهاجرين يتجاوز 250 ألفاً سنوياً. وتنفق السلطات ملايين الجنيهات يومياً لتأمين أماكن إقامة لهم.
وفي مدينة برمنغهام، ثاني أكبر مدن البلاد، أصبح ذاكر تشودري، المولود في باكستان، عمدة المدينة. ويشير منتقدوه إلى أنه لا يتحدث الإنجليزية بطلاقة. ولا يبدو ذلك مستغرباً للبعض في ظل أن نسبة المهاجرين في لندن وبرمنغهام تقترب من 40% من السكان. كما يلاحظ ازدياد نفوذ البريطانيين من أصول غير بريطانية في الهيئات المحلية.
في الوقت ذاته، يتهم منتقدو الحكومة العمالية بأنها لا تأخذ المصالح الوطنية في الاعتبار بالشكل الكافي. وقد حاول كير ستارمر تحميل الحكومة السابقة مسؤولية أزمة الهجرة، مشيراً إلى أنها سمحت بارتفاع أعداد المهاجرين إلى ما يقارب مليون شخص خلال أربع سنوات. إلا أن معارضيه يرون أن الأرقام في عهده ما زالت مرتفعة، وأن تدفق المهاجرين من آسيا وأفريقيا بلغ مستويات غير مسبوقة.
كما أن وعوده بإصلاح سياسة الهجرة لم تحقق النتائج المأمولة، ما أدى إلى تراجع الثقة به. ويعتبر هؤلاء أن محاولات الحفاظ على وحدة المجتمع في ظل استمرار الهجرة لم تنجح، وأن الجماعات المتطرفة باتت أكثر حضوراً في الشارع. وخلال عام 2025 شهدت لندن مظاهرات واسعة لتيارات يمينية طالبت بإعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية ووقف تدفقهم إلى المملكة المتحدة.
وفي الآونة الأخيرة، تولت شابانا محمود، المنحدرة من أصول باكستانية، منصب وزيرة الداخلية. وكانت قد أدت القسم على القرآن، في سابقة لافتة في الحياة السياسية البريطانية. وعندما سُئلت عن وضع الشريعة الإسلامية في بريطانيا، أجابت: "الشريعة ليست جزءاً من النظام القانوني في إنجلترا وويلز. لكن كما هو الحال مع المحاكم المسيحية واليهودية وغيرها من الهيئات الدينية، يمكن للأفراد اللجوء إليها طوعاً. وهذا جزء من التسامح الديني الذي يعد من القيم البريطانية". وبعد توليها الوزارة، أعلنت أنها ستتصدى للاحتجاجات المناهضة للهجرة غير المنضبطة، بل وحتى لبعض المشاركين الذين يرفعون العلم البريطاني خلال تلك التظاهرات.
وأدى تزايد التوترات الداخلية إلى إضعاف النظام الحزبي التقليدي الذي هيمن على السياسة البريطانية طوال قرنين تقريباً. وقد ظهر ذلك في نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، حيث خسر كل من حزب العمال والمحافظين عدداً ملحوظاً من المقاعد.
وكان أكبر المستفيدين حزب "ريفورم يو كيه" اليميني بقيادة نايجل فاراج، كما حقق حزب الخضر تقدماً ملحوظاً. ويعزو المراقبون ذلك إلى شعور كثير من المواطنين بأن أوضاعهم المعيشية أصبحت أسوأ من أوضاع الأجيال السابقة، وأن الأزمة الاقتصادية تفاقمت بفعل تحديات الهجرة، بينما تبدو الحلول المطروحة غير فعالة.
ورغم تراجع شعبيته، لا يبدي كير ستارمر رغبة في الاستقالة. كما يجري الحديث عن إمكانية خفض سن التصويت إلى 16 عاماً، باعتبار أن الشباب أكثر ميلاً لدعم حزب العمال.
وفي الوقت الراهن، يتواصل الانقسام السياسي داخل بريطانيا. ووفقاً لتقارير إعلامية، تتولى أحزاب أو حركات ذات توجهات انفصالية قيادة ثلاث من المناطق الأربع المكونة للمملكة المتحدة: ويلز، واسكتلندا، وأيرلندا الشمالية. ومع ذلك، أكد ستارمر أنه لن يسمح بإجراء استفتاء جديد على استقلال اسكتلندا ما دام في السلطة. لكن التساؤلات تتزايد حول مدة بقائه في منصبه، خاصة بعد تقارير تحدثت عن دعوات داخلية لمراجعة أدائه. كما تستعد البلاد لإجراء انتخابات محلية تكميلية في 18 يونيو/حزيران.
وفي الأيام الأخيرة، شهدت بريطانيا موجة جديدة من الاحتجاجات، هذه المرة على خلفية صدور حكم بحق فيكرام ديغوا، أحد أفراد الجالية السيخية، بالسجن 21 عاماً. وكان قد هاجم قبل ستة أشهر الطالب هنري نوفاك في مدينة ساوثهامبتون وأصابه بجروح خطيرة بواسطة خنجر. وعندما وصلت الشرطة إلى المكان، قامت بتقييد الضحية المصاب بالأصفاد، قبل أن يفارق الحياة خلال تلك الأحداث. وقد أثارت القضية جدلاً واسعاً واحتجاجات على قرار المحكمة وعلى تصرفات الشرطة، ما جعل الغضب الشعبي موجهاً مرة أخرى نحو السلطات القائمة.
ومن وجهة النظر المطروحة، فإن الإيرانيين لا علاقة لهم بهذه القضية.

