افراسيانت - يضع الهجوم الأوكراني الأكبر بالمسيّرات على قلب العاصمة الروسية موسكو إستراتيجية كييف لضرب العمق في ميزان الجدوى العسكرية، وسط رهانات أوكرانية وغربية على إطلاق "حرب استنزاف طاقية واقتصادية" تكسر سردية "الحصن المنيع" وتجبر الكرملين على تجميد القتال.
وعلى الجانب الآخر، تبرز رؤية روسية تفند الفاعلية الميدانية لهذه الضربات، وتدرجها بالكامل في إطار "الاستعراض السياسي" الموجه للحلفاء الغربيين بهدف جلب الدعم والتمويل.
جاء هذا الهجوم بالتزامن مع قمة "روسيا-آسيان" في قازان، مستهدفا مصفاة نفط كبرى في موسكو ومسببا إجلاء في أكبر المطارات، ليمثل المرة الثانية هذا الشهر التي تضرب فيها أوكرانيا العمق الروسي أثناء قمة دولية، بعد استهداف سانت بطرسبرغ سابقا.
إستراتيجية كييف
ويقول الدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف -خلال حديثه لبرنامج "ما وراء الخبر"- إن لكييف حقا معنويا في تدمير منشآت تكرير النفط الروسية بالمثل، فضلا عن تحقيق ضربة اقتصادية ونفسية حاسمة ترتكز على محورين:
• تفنيد الكفاءة الدفاعية:
• تشير المزاعم الاوكرانية ان المسيّرات الأوكرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي العسكري نجحت في اختراق منظومات الدفاع الجوي الروسي داخل موسكو، مما يُسقط ترويج موسكو بأنها "حصن منيع" ويثير التساؤلات حول جودة هذه المنظومات التي وصفها بـ"الخردة".
• الإنهاك الاقتصادي:
• تزعم اوكرانيا انها تمكنت خلال شهرين من تدمير 50% من القدرات التصديرية للنفط الروسي، واستهداف 17 منشأة تكرير خلال شهر واحد، وسط مخطط لتدمير كافة المنشآت خلال عام، مما سيتسبب في نقص النفط واضطرار روسيا لاستيراد الوقود مستقبلا.
وتدعم مديرة مركز روسيا أوروبا آسيا للدراسات تيريزا فالون هذه الرؤية معتبرة استهداف البنية التحتية للطاقة إستراتيجية ذكية لقطع التمويل عن آلة الحرب الروسية ونقل المعركة إلى داخل روسيا لتدفيعها الثمن، فضلا عن كونه ردا على هجوم روسي عنيف ضرب كييف بـ600 مسيّرة و70 صاروخا ودمر موقعا لليونسكو.
وتزعم فالون أن روسيا غرقت في "مستنقع" طويل ، وأن غيوم الدخان الأسود في سماء موسكو تبدد الرواية الرسمية وتثير ارتباك وقلق المدنيين الذين يدركون عبرها عدم كفاءة الدفاع الجوي.
الرواية الروسية
في المقابل، يرفض الكاتب والمحلل السياسي الروسي يفغيني سيدروف اعتبار الهجوم إخفاقا أمنيا، ويفند الرواية الأوكرانية والغربية عبر عدة معطيات ميدانية:
• محدودية الأثر: الدفاعات الجوية لم تُخترق كليا، إذ لم يصل سوى 5 إلى 6 مسيّرات فقط من أصل 100 أو 200 مسيّرة أوكرانية. والحريق شمل مساحة لا تتعدى واحدا من الألف من مساحة موسكو وتم إخماده في دقائق، كما عادت المصفاة ومحطات الوقود للعمل طبيعيا دون أي طوابير.
• أرقام مضللة: نفى سيدروف أرقام الخسائر البشرية الغربية (مليون ونصف المليون)، مؤكدا أن عمليات تبادل الجثث والقتلى تثبت أن خسائر الأوكرانيين أكبر بكثير من الروس.
• الاستعراض الدبلوماسي: ترى موسكو أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أراد بالتزامن مع انتهاء قمة مجموعة السبع في فرنسا استعراض قدرته على ضرب العمق لإقناع الغرب بتقديم المزيد من الأسلحة والأموال، رغم الانزعاج الأوروبي من قضايا الفساد التي تغرق فيها قيادة كييف.آفاق التسوية.
وبموجب الموقف الرسمي الذي أعلنه وزير الخارجية سيرغي لافروف، ستتعامل موسكو مع هذا الواقع – وفق سيدروف – عبر شن ضربات انتقامية واسعة النطاق على أهداف حيوية في أوكرانيا، بالتوازي مع تعزيز المنظومات الدفاعية لتقليل الخروقات.
أما على مسار التسوية السياسية، فتبرز القراءات المتباينة لآفاق الحل، إذ تجزم تيريزا فالون بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير مهتم بأي مفاوضات للسلام ويصر على استمرار الحرب حتى الانتصار.
في المقابل، ينفي سيدروف رفض موسكو إنهاء الحرب، مؤكدا تمسكها بشرطها الأساسي لبدء المفاوضات، وهو انسحاب القوات الأوكرانية من المساحة المتبقية تحت سيطرتها في إقليم دونيتسك (نحو 15%)، معولا على وساطة وضغوط جدية من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإجبار كييف على القبول بالشروط الروسية والعودة إلى المسار التفاوضي في فترة منظورة.
هذا وقد تصاعدت في الأشهر الأخيرة وتيرة تبادل الهجمات بالطائرات المسيّرة عبر الحدود بين روسيا وأوكرانيا، في ظل استمرار الحرب الدائرة بينهما منذ أكثر من 4 سنوات وسط تعثر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.
بالتزامن مع تواصل تبادل الاتهامات بين كييف وموسكو بشأن مسارات الحرب , أكد زيلينسكي، في رسالة صوتية وجهها للصحفيين :
"نحن لا نريد هذه الحرب، ولم نرغب فيها أبدا، والجميع يعلم ذلك، وشركاؤنا يعلمون ذلك.. لكن إذا احترقت أوكرانيا، فستحترق موسكو".
وفي سياق متصل، شدد زيلينسكي، الذي من المقرر أن يحضر اجتماعا لحلفاء أوكرانيا العسكريين في بروكسل ، على ضرورة تزويد بلاده بأنظمة دفاع جوي ضمن برنامج تابع لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإنشاء نظام صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية.
كما دعا أوروبا والولايات المتحدة إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات على قطاعي الدفاع والطاقة الروسيين، مطالبا الروس بـ"الاستفاقة وممارسة الضغط على زعيمهم" فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب.
اتهامات روسية بـ"التضليل"
في المقابل، وفي تعليقه على التحركات السياسية الدولية، اتهم مستشار الكرملين للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف القادة الأوروبيين بمحاولة "شحن" الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بـ"أفكار مضرة" وتزويده بمعلومات مضللة حول الوضع في أوكرانيا خلال قمة مجموعة السبع التي عُقدت هذا الأسبوع.
ورغم ذلك، أشار أوشاكوف في تصريحات للتلفزيون الحكومي الروسي إلى أن ترمب "زعيم قوي يتمسك بأفكاره"، مؤكدا أن موسكو لا تزال تنتظر زيارة مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، رغم عدم تحديد موعد لذلك حتى الان.
وحول تأكيدات زيلينسكي وحلفائه الأوروبيين لترمب بأن حظوظ أوكرانيا تحسنت في ساحة المعركة بفضل التوغلات بالطائرات المسيرة داخل العمق الروسي، وصف أوشاكوف هذه الادعاءات بأنها "غير صحيحة على الإطلاق"، مشددا على أن موسكو تراقب تطورات المواقف السياسية الغربية في ظل التفاؤل الحذر، الذي أبداه قادة مجموعة السبع بشأن إمكانية التوصل لاتفاق سلام.
تأتي هذه التطورات الميدانية والسياسية في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير/شباط 2022، والتي دخلت مراحلها الأكثر تعقيدا مع تحولها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

