افراسيانت - د. معاذ القرالة - في مساء يوم يُروَّج له بـ"يوم التحرير"، يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإعلان حزمة جمركية ضخمة على الواردات، واصفاً إياها بتحرير أمريكا من "احتلال" اقتصادي عالمي. لكن ما يبدو كخطاب انتصاري قد يكون إعلان حرب تجارية تهدد النظام الاقتصادي العالمي، بل وتُذكِّر بفصل آخر من تاريخ أمريكا المليء بالصدمات: "صدمة نيكسون" عام 1971، التي خلَّفت وراءها إرثاً من الكساد والتضخم. فهل تُكرر واشنطن السيناريو ذاته بأدوات أكثر شراسة؟
صدمة نيكسون: حين انهار نظام الذهب...
في أغسطس 1971، لم تكن السفن الحربية الفرنسية القادمة لاسترداد ودائع الذهب من نيويورك سوى جزء من مشهد انهيار نظام "بريتون وودز". مع تزايد الضغوط – حرب فيتنام المُكلفة، ونهوض اقتصادات ألمانيا واليابان، وطلب دول أوروبية استعادة ذهبها – أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون تعليق تحويل الدولار إلى ذهب، وفرض جمارك بنسبة 10% على الواردات. رغم نجاحه سياسياً، تحولت الصدمة إلى كابوس اقتصادي: كساد استمر ثلاث سنوات وتضخم مزمن طوال عقد السبعينات.
اليوم، يُحاكي ترمب سلفه بإجراءات جمركية أوسع، لكن الخطر هذه المرة لا يقتصر على أمريكا وحدها. فالعالم لم يَعُد يدور حول محور واحد، والاقتصادات الصاعدة – خاصة الصين – تمتلك أدوات موازنة لم تكن متاحة قبل نصف قرن.
خطة ترمب الجهنمية: الجمارك مجرد البداية...
يرى الخبير الاقتصادي يانِس فاروفاكِس أن إستراتيجية ترمب لا تقتصر على فرض رسوم حمائية، بل هي خطة متعددة الطبقات تهدف لإعادة هيكلة النظام التجاري العالمي لصالح واشنطن. فمن خلال تحصيل عوائد الجمارك – التي تُدار مباشرة من البيت الأبيض دون تدخل الكونغرس – يخلق ترمب رافعة ضغط مالية وسياسية. الخطوات التالية قد تشمل:
1. تفكيك التكتلات الدولية: بتفضيل المفاوضات الثنائية – التي يُتقنها – على المنصات متعددة الأطراف، سيدفع الدول للتنافس على "صفقات" فردية مع أمريكا.
2. ضرب احتياطيات الدولار: سيضغط على الدول الآسيوية (مثل الصين واليابان) لبيع جزء من احتياطياتها من الدولار، مما يُعيد توازن الميزان التجاري لصالح أمريكا.
3. تجفيف الاستثمارات الأوروبية: عبر إغراء الشركات الألمانية وغيرها بنقل صناعاتها إلى أمريكا عبر حوافز ضريبية أو تهديدات جمركية.
4. تسليح الدبلوماسية الاقتصادية: زيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية كشرط لتجنب الجمارك، كما حدث مع السعودية سابقاً.
الهدف واضح: مَن يقبل "صفقة ترمب" تُحسَّن شروطه، ومَن يرفض يدفع الثمن. لكن هل الخطة قابلة للنجاح؟
أسافين الفشل: من يدفع الثمن؟...
حتى لو نجح ترمب في تقليص العجز التجاري، فإن الانتصار قد يكون قصير الأمد:
- داخلياً: انحسار الاستثمارات الأجنبية في وول ستريت سيُضعف الاقتصاد، ما يضطر ترمب لاختيار بين خيانة النخبة المالية (التي تحتاج تدفق رؤوس الأموال) أو قاعدة أنصاره من الطبقة العاملة (التي وعدها بالوظائف).
- خارجياً: قد ترد الصين بضربة استباقية عبر تعويم اليوان كبديل للدولار، بينما قد تتحالف أوروبا لإنشاء نظام مالي موازٍ بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
الأكثر خطورة هو تآكل النظام الاقتصادي الليبرالي الذي قادته أمريكا ذات يوم. فبينما تنخر واشنطن في مبادئ السوق الحرة والعملة القوية، تفتح الباب أمام فوضى اقتصادية لا تُبقي ولا تذر.
العبث بأسس النظام العالمي...
لسنوات، قوضت أمريكا بقيادة ترمب أركان النظام الذي ساعدت في بنائه: من الانسحاب من الاتفاقيات الدولية إلى مهاجمة حلفاء الناتو. اليوم، تُهاجم الفلسفة الاقتصادية الغربية ذاتها – حرية التبادل التجاري، سيادة العرض والطلب – لتحل محلها فلسفة "الصفقة القذرة" القائمة على الابتزاز المالي.
العواقب لن تقتصر على ارتفاع أسعار السلع أو تراجع النمو، بل قد تشهد ولادة نظام عالمي جديد تُسيطر عليه القوة الخام بدلاً من القواعد المُتفق عليها. وفي هذا المشهد، لن يكون المواطن الأمريكي – أو سكان الكوكب – سوى ضحايا لمعركة لم يختاروا خوضها.
الدرس من صدمة نيكسون لم يُستوعَب: حين تطلق القوى العظمى العنان لمصالحها الضيقة على حساب النظام العالمي، فالنتيجة ليست "تحريراً"، بل فوضى يدفع الجميع ثمنها.