
افراسيانت - مريم مشتاوي - لا تدخل السنة الجديدة إلى الخيام كما تدخل إلى المدن. لا تطرق باباً، لأن الأبواب قماش. ولا تحمل ساعة صفر، لأن الوقت هنا مكسور منذ زمن.
في آخر ليلة من العام، لا يعد أطفال الخيام الثواني، يعدون الثقوب في سقف النايلون، ويعرفون اتجاه الريح من ارتجاف القماش، ويقيسون البرد بعدد الطبقات التي تلتصق بأجسادهم الصغيرة. السنة الجديدة لا تأتي مع الألعاب النارية، تأتي مع مطر يتسلل من أعلى الخيمة، مع رمل يتحول إلى وحل، مع ماء يقرر أن يحتل الأرض والفرش والأحلام واحدة.
الأطفال هنا لا يسألون كم بقي على رأس السنة. يسألون إن كانت ستصمد الخيمة هذه الليلة. في المخيم، لا شجرة ميلاد ولا زينة ولا عدا تنازلياً. هناك حبال غسيل تهتز مهزومة، وأحذية موضوعة قرب المدخل تحسباً للفرار المفاجئ، ووجوه صغيرة تعلمت باكراً أن الخوف لا يحتاج لغة. هو رعشات وطرقات قلب موجعة ودموع عالقة.
طفلة تقف أمام خيمتها، شعرها تطارده الريح، عيناها أوسع من عمرها، تمد يدها وكأنها تشير إلى شيء لم يعد موجوداً. تتكلم عن الماء الذي غمر خيمتهم ليلاً، عن نوم انقطع، عن أم بقيت واقفة حتى الفجر تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لا تبكي الطفلة، لأنها تعلم أن البكاء ترف حين يكون الخوف أكبر من الدموع.
الأطفال في الخيام يستقبلون السنة الجديدة بلا أرقام. لا يقولون: عام مضى وعام أتى. يقولون: ليلة أخرى نجونا منها.
الألعاب هنا ليست هدايا مغلفة، هي حجارة صغيرة، علب فارغة، قطعة قماش تتحول إلى دمية، ظل على جدار الخيمة يصبح مسرحاً. يضحكون أحياناً، ليس لأنهم سعداء، لأن الضحك مقاومة، ولأن الطفولة تعرف كيف تختبئ ربما كي لا تكسر تماماً.
في المدن، يكتب الناس أمنياتهم على الورق. في الخيام، تقال الأمنيات همساً حتى لا تسمعها الحرب.
طفل يتمنى أن ينام دون أن يوقظه صوت الريح. طفلة تتمنى حذاء لا يتبلل. أم تتمنى ليلة بلا مطر. أب يتمنى صباحاً لا يبدأ بإحصاء الخسائر. السنة الجديدة هنا تمر فوق الخيام كما مر ما قبلها، وتترك آثار أقدامها في الوحل، شاهدة على أعوام لا تقاس بالتقويم، تقاس بكم مرة انهار السقف، وكم مرة عادوا ليبنوه بأيد مرتجفة.
في تلك الليلة، حين يهدأ المطر قليلاً، تضع الأم رأس طفلها على صدرها، لا لتنام، لتطمئن أنه ما زال يتنفس، وأن السنة الجديدة لم تأخذه معها.
ومع ذلك، حين يطلع الفجر الأول من العام، يخرج الأطفال من الخيام. ينظرون إلى السماء، كأنهم يسألونها سؤالاً قديماً. هل هناك مكان آخر لنا؟ ثم يعودون للعب، لأن الحياة، مهما ضاقت، تصر على أن تجد شقاً صغيراً لتدخل منه.
تمنياتنا للعالم
في بداية كل عام، يكتب العالم لائحة أمنياته. السلام، العدالة، الحب، نهاية الحروب. كلمات جميلة، سهلة، مكررة، كأنها طقوس لا تغيّر شيئاً.
نحن نتمنى للعالم أن يتوقف قليلاً، أن ينظر طويلاً إلى الخيام، لا كخبر عاجل، كحياة كاملة تجري هناك. نتمنى أن يفهم أن الأطفال لا يولدون مشاريع حزن، وأن الطفولة ليست صورة مؤثرة ثم تنسى.
نتمنى عالماً لا يحتاج الطفل فيه إلى شرح مأساته أمام كاميرا.
نتمنى أن يصبح الأمان حقاً لا منحة، والنوم في سرير دافئ أمراً عادياً لا حلماً.
نتمنى للإنسانية ذاكرة أطول، ذاكرة لا تمسح الوجوه بعد انتهاء النشرة الإخبارية، ولا تتعود على الألم حتى يفقد معناه. نتمنى أن يتعلم العالم أن الاعتياد على الظلم شكل آخر من أشكال المشاركة فيه.
نتمنى لغة جديدة، أقل نفاقاً، أقل تبريراً، أقل قدرة على تجميل الخراب. لغة تقول الأشياء كما هي… هناك أطفال لا يستقبلون السنة الجديدة، هناك أطفال يقاتلون ليبقوا أحياء حتى الصباح.
نتمنى أن يكبر أطفال الخيام في أماكن لا تحتاج إلى شجاعة كي تعيش فيها.
أن تصبح قصصهم دروساً في التاريخ لا أخباراً متكررة. أن يذهبوا إلى مدارس حقيقية، لا مدارس مؤقتة اسمها الصبر.
نتمنى للعالم أن يفهم أن السلام لا يقاس بعدد المؤتمرات، يقاس بعدد الأطفال الذين ينامون دون خوف. وأن العدالة لا تختصر ببيانات، تختبر في التفاصيل الصغيرة: في خيمة لم تغرق، في سقف لم يسقط، في يد صغيرة بقيت دافئة. في هذا العام الجديد، نتمنى أن يصبح السؤال الأساسي: كيف نحمي الطفولة. لا كيف نتعايش مع صورها المكسورة.
وأخيراً، نتمنى شيئاً بسيطاً، واضحاً، إنسانياً. نتمنى أن يستقبل أطفال الخيام العام القادم في مكان لا يحتاجون فيه إلى تمني النجاة، لأن النجاة ستكون أمراً مفروغاً منه، مثل الضوء، مثل الهواء، مثل حقهم الطبيعي في أن يكونوا أطفالاً فقط.
