التلاعب الأمريكي بهيئة الأمم المتحدة ووكالاتها

طباعة
تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 


افراسيانت - علي محمد فخرو - منذ حوالي ثلاثة عقود من الزمن، انسحبت أمريكا من عضوية منظمة اليونسكو بسبب عدم رضاها عن أحد القرارات، فوجدت المنظمة نفسها في وضع مالي صعب. غير أن اليابان ساهمت بتخفيف تلك الضائقة من خلال زيادة نسبة اشتراكها المالي.


لكن منظمة اليونسكو أضاعت كرامتها وعزّة نفس أعضائها، إذ ظلّ مديرها العام يذهب إلى واشنطن مترجّياً عودة أمريكا، وشبه معتذر وواعدا بأن لا تتخذ المنظمة مستقبلاً أية قرارات، أو مواقف تزعج أو تحرج أمريكا.


في اجتماع للمجلس التنفيذي للمنظمة، قدّم المدير العام، بتفاخر واعتزاز بإنجازه، تقريراً عن زيارته لأمريكا وجلوسه أمام لجنة من لجان الكونغرس الأمريكي لشرح ملابسات الأمر، ودعوته أمريكا للعودة إلى عضويتها المهمة في اليونسكو وأنه شخصياً متفائل ومؤمّل عودتها.


وكعضو في المجلس، وكممثل لبلدي البحرين، قلت منتقدا بشدة ما قام به المدير العام ووصفت ما قام به بأنه خضوع من قبل الإدارة، وبالتالي من قبل كل الدول الأعضاء، للابتزاز الأمريكي، وأن الذي كان يجب أن يأتي إلى باريس ليطلب العودة والاعتذار عن ممارسة الابتزاز هو، الحكومة الأمريكية، وأن المنظمة يجب أن تحترم كرامتها وتعتز بأهميتها العالمية، وبالتالي تطلب الدول الانضمام إليها لا أن تترجى هي هذه الدولة أو تلك، مهما كبرت أو صغرت، ومهما كانت مقتدرة مالياً، أن تتفضل وتنظم إليها. ما أشبه الليلة بالبارحة. بالأمس احتقرت أمريكا اليونسكو، واليوم تحتقر جميع دول هيئة الأمم المتحدة، عندما يقف رئيسها بغطرسة وقلة احترام، ويصرح منذ بضعة أيام، بأن أمريكا أخذت مؤخراً مكان هيئة الأمم بالنسبة لحل المشاكل الدولية المستعصية، وأصبحت هي المرجعية وهي جهة اتخاذ القرار. وفي هذا الكلام استهزاء وفيه ابتزاز. هل ننتظر رد فعل من قبل هيئة الأمم المتحدة على صدور إهانة علنية من قبل أحد أعضائها؟

نعم، ننتظر، وبشرط أن يحفظ كرامة أعضاء الهيئة وكرامة إدارتها، بعد مناقشة الأمر في الجمعية العمومية وإشعار أمريكا بأن هذه الإهانات والابتزازات من قبلها للهيئة، أو لوكالاتها، مثل الأونروا لن تقبل بعد الآن وأن عليها، عندما تكون لديها ملاحظات، أن تأتي، مثل غيرها، وتناقش الأمور في الجمعية العمومية، أو مجلس الأمن، وتقبل بقرارات الأغلبية كما يفرضها، كون هيئة الأمم المتحدة هيئة تشاركية ديمقراطية، ليست تابعة لنزوات هذه الدولة أو تلك.


لقد آن الأوان أن تدرك أمريكا أن المنظمات الدولية قادرة على أن تعيش من دون أمريكا، بينما أمريكا لن تستطيع العيش معزولة عن المجتمع الدولي ومؤسساته.


لا يكفي أن أمريكا تعطل الكثير من قرارات مجلس الأمن، خدمة للصهيونية العالمية، ولكل من يأتمر بأمرها كخادم مطيع، حتى تجاوز الأمر، القول على لسان رئيسها، بأنها أخذت مكان الهيئة في حل المشاكل الدولية. وبالتالي فإن الرئيس الأمريكي يبشرنا بحلول العصر الأمريكي وأفول العصر الأممي المحكوم بالاحترام المتبادل وبالمصالح المتوازنة وبمبادئ العدالة والحوار والأخذ والعطاء لصالح جميع الفرقاء.


مطلوب من عقلاء نظام الحكم في أمريكا أن يدركوا أن مثل هذه المواقف والتصريحات الأمريكية، ستضرّ بمكانة وسمعة أمريكا قبل أن تمس تركيبة المجتمع العالمي، الذي يسعى العقلاء لأن يصبح أكثر تعقلاً وتوازناً لمصلحة الجميع، وليس أن يبقى ألعوبة في يد أمريكا، مهما ملكت من قوة عسكرية ومن مال وفير. وأيضاً آن الأوان أن تدرك أمريكا أنها عضو مساو للأعضاء الآخرين في المؤسسات الدولية وليست لها ميزات الصدارة والمكانة الخاصة، وأن استضافتها لمقر هيئة الأمم في نيويورك مشروط بقيم وسلوكيات تحترم استقلالية المنظمة وتكوينها الديمقراطي، وإلا فلتحترم الجمعية العمومية نفسها ولتقرر نقل مقرها إلى دولة لا تمارس الاستهزاء والابتزاز والهيمنة الطفولية، فكرامة مؤسسات المجتمع الدولي هي فوق كل النرجسيات الأمريكية التي لا تتوقف ولا تخجل.