مهجّرو القدس .. تغييب بالصمت .. وطمس لذاكرة المكان

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 


افراسيانت - علا التميمي - في الوقت الذي تفاوض فيه السلطة الفلسطينية لتسليم ما بقي من أراض فلسطينية في الضفة للجانب الإسرائيلي، تمارس السلطة سياسة الصمت المطبق تجاه أفعال التهويد والتدمير الممنهج والمدروس التي يمارسها الإسرائيليون في القدس المحتلة. مخطط يهدف إلى طرد الفلسطينيين المقيمين في المدينة واستبدال مستوطنين بهم، تنفذه إسرائيل بحذر وعناية، في ظل جو مواتٍ من التغطية الإعلامية التي توفّرها حكومة الضفة. والعاقبة الأسوأ لهذا المشروع، إن نجح، ستكون إخراج القدس من ذاكرة الشعب الفلسطيني بعد مدة من الزمن، لتتحول إلى المدينة الحلم التي وعد اليهود بها في التوراة.


القدس المحتلة | في مقاله «المحذوفون من السرد التاريخي»، يقول بشارة دوماني إﻥ ﺍﻟﻬﻮﺱ باﻷﺭﺽ ﻭمستلزمات ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ تطلبا تغييب ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ بالصمت، عندما تعلق ﺫلك بتركيب ﺍﻟﺴﺮﺩياﺕ ﺍﻟﺘﺎﺭيخية. ﻭهذا ﺍﻟﺼﻤت ﻻ يعود، ﺑﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺤﺎﻝ، ﺇﻟﻰ نقص ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ بشأن ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ، بل هو باﻷﺣﺮﻯ، ﺟﺰء ﻣﻦ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺇنتاﺝ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ نفسها. ﺇﻥ هذا الحذف الاستطرﺍﺩﻱ، ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ خفوت تأثيره بمرﻭﺭ ﺍﻟﺰﻣﻦ، تغلغل ﻋﻤﻴﻘﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺎباﺕ ﺍﻷكاﺩﻳﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮﺍء خلال ﺍلقرﻥ ﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ، ﻭﻗﺪ ﺍنتهى به ﺍﻷﻣﺮ، منذ ﻋﺸﺮﻳﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ، ﺇﻟﻰ ﺗﻀﻴﻴﻖ ﻣﺠﺎﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺎﺕ ﺇﻟﻰ حد كبير، ﻭﺍنشغاﻟﻬﺎ باﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﺮسمي بشأﻥ البلد.


بالتوازي مع تغييب السكان من السرديات التاريخية والكتابات الأكاديمية من ناحية نظرية – معرفية، تجعل بلدية القدس والقوانين الإسرائيلية المتخصصة في مصادرة الأراضي وتهجير السكان وضبط التوازن الديموغرافي في القدس لمصلحة المستوطنين، وانشغال السلطة الفلسطينية بالمفاوضات، من هذا التغييب المتعمد تغيباً ذا طابع عملاتي، محولاً بذلك سكان القدس البالغ عددهم حتى العام الجاري 284,000 شخص، في عداد مهجري الحاضر والمستقبل، الذين لا نراهم أو نسمع عنهم في الرواية الفلسطينية الرسمية حينما تقرر إدانة أو شجب سياسة الاستيلاء على المكان في القدس.


أخيراً، في 31 أكتوبر 2013 وزعت طواقم مشتركة من بلدية الاحتلال في القدس المحتلة والقوات الإسرائيلية عشرات إخطارات الهدم الإدارية في حيي رأس خميس وشحادة، بمحاذاة مخيم شعفاط شمال القدس المحتلة، حيث علقت بلدية الاحتلال أوامر هدم إدارية على 200 مبنى سكني، ويضم كل مبنى ما بين 20 إلى 40 شقة سكنية، تؤوي نحو 15 إلى 16 ألف نسمة.


تأتي تلك الإخطارات بمثابة هدية عرفان ومحبة من رئيس بلدية القدس نير بركات لـ«وجهاء بيت حنينا» اللذين استقبلوه قبل عشرة أيام من توزيع تلك الإخطارات. في المقابل، وفي اليوم نفسه، نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية في موقعها الإلكتروني، تصريحات رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو بشأن موافقة الحكومة الإسرائيلية على بناء 1500 وحدة سكنية في حي رمات شلومو خلف الخط الأخضر بالقدس الشرقية، فضلاً عن إضافة غرف إلى البيوت القائمة في الحي الاستيطاني ومشروعين سياحيين جديدين، أحدهما قرب أسوار البلدة القديمة من القدس المحتلة، والثاني في منطقة الشيخ جراح وسط المدينة.


في هذا السياق، يشير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن إجمالي الخسائر التي تكبدها الفلسطينيون جراء عمليات الهدم لمبانيهم في القدس قد وصلت إلى نحو ثلاثة ملايين دولار، وهي لا تشمل مبالغ المخالفات المالية الطائلة التي تفرض على ما يسمى «مخالفات البناء». بالإضافة إلى أن سلطات الاحتلال تصدّق شهرياً على ما يزيد على 3000 وحدة سكنية في المستوطنات الإسرائيلية.


كذلك فإن الجدار يعزل نهائياً نحو 37 تجمعاً يسكنها ما يزيد على ثلاثمئة ألف نسمة، بحيث تتركز أغلب التجمعات في القدس بواقع 24 تجمعاً يسكنها ما يزيد على ربع مليون نسمة، وقد حرم الجدار أكثر من 50 ألفاً من حملة هوية القدس، الوصولَ والإقامة في القدس.


إن الغياب الواضح، وربما المتعمد، لأي رواية رسمية من قبل السلطة الفلسطينية حول سياسة الاستيلاء على المكان وتغيير الجغرافيا، إنما يخدم الخطاب الصهيوني حول القدس، الذي يختلط فيه التاريخ الديني للمدينة بالتاريخ الدنيوي (كما تسميه أستاذة علم الجريمة والعمل الاجتماعي في الجامعة العبرية نادرة شلهوب)، وذلك لتبرير رسم حدود جغرافية جديدة للمدينة وبناء معايير ديموغرافية مصطنعة، لتشكل بذلك دعامة أساسية في السياسة الصهيونية نحو المدينة وسكانها، حيث ألغت السلطات الإسرائيلية إقامة نحو 14,000 فلسطيني في القدس في الفترة بين 1967 ومنتصف عام 2010 لضمان التفوق الديموغرافي للمستوطنين الذين يبلغ عددهم 200,000 نسمة.


استمرار عمليات التهجير والهدم والمصادرة وبناء الوحدات الاستيطانية بنحو مكثف وممنهج ما هي إلا محاولة لمداراة قلق الجغرافيا التوراتية وفلسطين المتخيلة التي تسكن الهاجس الصهيوني، ليس فقط حول القدس، بل حول فلسطين بأكملها. فالوجود الفلسطيني في القدس هو بمثابة زعزعة لأطروحات الجغرافيا التوراتية، وتشكيك حيّ في المزاعم التاريخية المتوارثة في أن فلسطين هي الجغرافيا الممثلة للنصوص التوراتية. الاستيطان وهدم المنازل وتشريد السكان في هذه الحالة، وكما يقول إدوارد سعيد يختلق جغرافيا وذاكرة للمكان لتلبية حاجات الغزو والسيطرة. سياسة إعادة اختراع وإنشاء فضاء جغرافي جديد يدعى العاصمة «أورشليم»، مع اهتمام ضئيل بالجغرافيا الواقعية وسكانها (رسم خرائط وغزو وضم أراض في ما أطلق عليه الروائي «جوزيف كونراد» الأماكن المظلمة على وجه الأرض، والأكثر ازدحاماً بالسكان مثل الهند وفلسطين)، ما هي إلا الصيغة العمليّة الأكثر وضوحاً لما تقوم به الجرافات الإسرائيلية على جانبي المدينة، ففي الجانب الشرقي تهدم الجرافات 100 بيت فلسطيني، لتعود في اليوم التالي لحفر أساسات بناء ألف وحدة استيطانية جديدة.


تغييب مهجري القدس عن الرواية الرسمية الفلسطينية يسهل من مهمة الحركة الصهيونية في الاستمرار بإعادة تشكيل جغرافية فلسطين، ومواءمتها مع الأطروحات الجغرافية التوراتية، التي روجت لعملية مصادرة 35 بالمئة من أراضي القدس الشرقية لتطوير المستوطنات الإسرائيلية، وهدم أكثر من 2,000 منزل تقريباً في القدس منذ عام 1967.


«بدهم يقتلونا بالحيا»


يقول أبو سامر أحد السكان المقدسيين الذي هدم بيته في تشرين الأول من عام 2011 عن الجنود الإسرائيليين، إنهم حتى عندما هدموا بيته الذي تعب كثيراً في تجميع المال لبنائه، تدخلوا ليضايقوه ويمنعوه من الجلوس على حجر سقط منه. «بدهم يقتلونا بالحيا.. يا مستورة هدوا البيت على يللي فيو، وأنا انهدّ حيلي. قعدت على حجر من هالحجارة، وصار الجندي يصيح: «تزوز ميكان... تزوز ميكان... ماهر... زوز»، يعني تحرك زيح... قلتله هادا إلي البيت هدتوه... كمان الحجر ممنوع نقعد عليه».


شهادة أبو سامر ليست الأولى ولا الأخيرة من نوعها؛ فهي تختصر الآلاف من الحكايات التي وثقت، والتي لم توثق في أحيان كثيرة عن بيوت هدمت وشرد أصحابها وأصبحوا يعيشون في الكهوف، كما في حالة خالد زيد الحسيني وأسرته الذين اضطروا إلى الانتقال للعيش في كهف، بعد أن هدمت الجرافات الإسرائيلية بيته في القدس الشرقية.


في الكهف القريب من حي سلوان في القدس المحتلة، تملأ رائحة القمامة المكان، وتنتشر بعض قطع الأثاث، يقول الحسيني وهو يحمل أصغر بناته الست التي تبلغ من العمر ثمانية أشهر: «كنا نائمين واستيقظنا في الساعة السادسة صباحاً على صوت جرافات بلدية القدس القادمة إلى منزلنا». وأضاف: «أعطونا خمس دقائق فقط للخروج قبل هدم المكان».

 

 

©2021 Afrasia Net - All Rights Reserved Developed by : SoftPages Technology