أفراسيانت - رواية "عليّ" قصة رجل مستقيم في اليوم السابع
 
     
السبت، 17 تشرين2/نوفمبر 2018 15:21
 

FacebookTwitterRSS Feed
 

 
 
 

 
 


افراسيانت - اعتقلت قوات عسكرية إسرائيلية، فجر وصباح اليوم الاثنين، 13 مواطنا من عدة مناطق في الضفة الغربية.


وأفاد متحدث عسكري، بأن غالبية المعتقلين في الضفة "مطلوبون" لأجهزة الأمن وتم نقلهم للتحقيق معهم من قبل ضباط جهاز "الشاباك".

 

 

 

 

 

 

 



 


غزة - افراسيانت - أصيب مواطن اليوم السبت، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، شرق مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة.


وأفادت وكالة الأنباء الرسمية نقلاً عن المستشفى الأوروبي جنوب القطاع، بأن جنود الاحتلال المتمركزين خلف السواتر الترابية شرق بلدة خزاعة شرق خان يونس، أطلقوا الرصاص الحي صوب أحد المواطنين لدى اقترابه من السياج الحدودي شرق البلدة، ما أدى إلى إصابته برصاصة في البطن، ووصفت حالته بالمستقرة.


واستشهدت مساء أمس الجمعة، المواطنة المسعفة رزان أشرف النجار (21 عامًا) جراء إصابتها برصاص الاحتلال، خلال عملها بإنقاذ وإسعاف الجرحى والمصابين المشاركين في الجمعة العاشرة لمسيرات العودة شرق خان يونس، إضافة إلى إصابة 100 آخرين بينهم 40 بالرصاص الحي والرصاص المتفجر على امتداد الشريط الحدودي شرق القطاع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 


افراسيانت - أعلنت هيئة كسر الحصار عن قطاع غزة أن السلطات الإسرائيلية أفرجت عن ركاب "سفينة الحرية" الفلسطينية جميعا باستثناء قبطانها.


وكتب المتحدث باسم الهيئة أدهم أبو سلمية في تغريدة على حسابه في موقع "تويتر": "السلطات الإسرائيلية أفرجت عن جميع ركاب سفينة الحرية باستثناء قبطانها ونائبه وأحد المصابين"، مضيفا أن الهيئة تتابع مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر أوضاع المحتجزين الثلاثة".


ثم عاد أبو سلمية ليؤكد في تغريدة أخرى أن السلطات الإسرائيلية أفرجت عن الراكبين الآخرين وهم الجريح المقعد رائد خليل ديب، ومساعد القبطان محمد العامودي، فيما لا يزال قبطان السفينة سهيل العامودي معتقلا لدى الجانب الإسرائيلي.


وكانت السفينة الفلسطينية قد أبحرت من ميناء غزة صباح أمس الثلاثاء، باتجاه ميناء ليماسول في قبرص، وكسرت حاجز الـ 9 أميال المفروض من قبل إسرائيل كحد أقصى يمكن للغزيين الوصول إليه، قبل أن تعترضها البحرية الإسرائيلية وتعيدها أدراجها وتحتجز كل من كانوا عليها.
 

 

 

 

 

 

 

 


افراسيانت - قالت وزارة الصحة في قطاع غزة، إن مواطناً استُشهد، وأصيب آخر بجروح حرجة، جراء قصف مدفعي إسرائيلي استهدف نقطة رصد للمقاومة شرق خان يونس، صباح اليوم الأحد.


وقال جيش الاحتلال الاسرائيلي في بيان، إن القصف استهدف مقاومين اثنين حاولا التسلل من السياج الحدودي.


وكان الجيش الاسرائيلي قد أغار بالطائرات الليلة الماضية على عدة أهداف غرب رفح، ردا على تسلل عدد من الشبان لموقع عسكري اسرائيلي بعد تجاوزهم السياج الفاصل قرب المغازي.
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


افراسيانت - قتل 5 أشخاص وجرح 4 آخرون على الأقل في تفجير انتحاري استهدف مقر الاستخبارات الأفغانية في العاصمة كابل صباح اليوم، حسبما أكدت الشرطة الأفغانية.


وأضافت الشرطة أن حصيلة الضحايا مرشحة للارتفاع.


وأفادت مصادر إعلامية بوقوع انفجار آخر قرب موقع الهجوم الأول وبعد وقت وجيز، أسفر عن إصابة عدد من المدنيين، بينهم صحفيون ورجال طوارئ وصلوا إلى المكان لمساعدة الضحايا.

 

 

 

 

 

 

 

 


افراسيانت - القدس 21 حزيران 2018 - ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية المقدسية اليوم الخميس رواية "عليّ- قصة رجل مستقيم"  للروائي الفلسطيني حسين ياسين وذلك  في المسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي.


صدرت الرواية التي تقع في ٣٤٧ صفحة ويحمل غلافها الأوّل لوحة للفنّان سليمان منصور عن دار الرعاة للدراسات والنشر في رام الله وجسور الثقافية للنشر والتوزيع في عمّان. صدرت الطبعة الأولى للرواية منتصف عام 2017 والطبعة الثانية بداية عام 2018.


بدأت الحديث الكاتبة رفيقة عثمان التي أدارت الندوة، فقالت:


احداث الرواية مستوحاة من الواقع، لقصّة حقيقيّة حدثت في سنوات 1936-1939؛ ويمكن تصنيفها أدبيَّا تحت عنوان النص الأدبي للسيرة الغيريَّة، أي تأريخيّة؛ أحداثها حصلت بتلك الفترة؛ وأراد الروائي أن يلقي الضوء على شخصيّة بطوليّة، وإبرازها للقرّاء؛ لأنّ الكاتب وجد فيها نموذجا أسطوريّا يُحتذى به، من حيث التضحيات والمحاربة مع المظلومين لاستحقاق العدالة والمساواة والنصر؛ كما استشهد الكاتب حسين ياسين في نهاية الرواية، بأنّ شخصيّة عليّ المناضل هي شخصيّة حقيقيّة لرجل فلسطيني، وليست من وحي الخيال، شخصيّة عليّ لم تحظ بالشهرة التي يستحقّها. وجد الكاتب أهميَّة لتخليدها الشخصيّة، وسرد الأحداث عنها. تتمحور الرواية حول حياة "علي" وهو رجل فلسطيني الجنسيّة، في زمن الانتداب البريطاني، كان شابّا مشاكسا مناهضا للانتداب، وثائرا وطنيّا، ممّا استدعى الشرطة البريطانيّة الى سجنه، ومن ثمّ نفيه الى اسبانيا. اختار عليّ أن يحارب الظلم، وتحقيق العدالة عن طريق انتسابه لجمعيّة الفكر القومي؛ في الحزب الشيوعي، حارب مع المحاربين، حتَّى قُتل ودُفن في اسبانيا مع المحاربين من دول مختلفة. - اتسم أسلوب الكاتب بالتشويق واستخدام أسلوب الكتابة الرجوع إلى الوراء- فلاش باك- Flash back- للرواية، خاصّة في النصف الأوّل من الرواية، عندما تحدّث الكاتب عن السيرة الذَاتيّة لبطل الرواية، وعن الأماكن التي أحبّها من فلسطين، مع استرجاع ذكريات الطفولة الشقيّة، ووصف الأماكن، والمواقع في وطنه بصورة بهيّة؛ كما واسترجع الشخصيّات التي أحاطت به، وكانت لها تأثير على مشاعره. - هذا الأسلوب يعتبر أسلوبا مميّزا في سرد الأحداث؛ واستخدم لغة فصحى ذات السهل الممتنع؛ تتناسب مع سرد الاحداث ووقعها في السياق؛ كما واستخدم عبارات باللهجة العامّيّة أحيانا ممّا أضفى جمالا وتشويقا، للانسجام مع الأحداث المرويّة، وفقا للمُتحدّثين وتنسجم مع شخصيّات الرواية. - تبدو الرواية محبكة من ناحية القالب الفني، من تسلسل الأحداث، وتحريك الشخصيّات المحوريّة، والتركيز على شخصيّة البطل "علي"، ممّا زاد التشويق للرواية، استعمال الوصف الجميل، والمحسّنات البديعيّة؛ وتوظيف الأماكن الجغرافيّة الفلسطينيّة، ومواقعها بصورة دقيقة ومتقنة؛ إلا أنني أرى المبالغة في ذكر الأماكن بكثرة وزجّها بكثافة داخل النص. - استخدم الروائي ضمير "الأنا"، حيث سرد الروائي أحداث الرواية على لسان بطل الرواية، ممّا أضفى مصداقيّة وتشويقا، للاستمتاع بالقراءة؛ إلا أن شخصيّة الراوي اختفت أي شخصيَّة البطل علي، بعد استشهاده بالحرب، وانتدب عنه الراوي أحد المحاربين أصدقاء البطل صفحة 317- 318؛ إلا أن صوت الروائي ظهر وتدخَّل في نهاية الرواية، متحدّثا بصوت الغائب، عن البطل "علي" صفحة 326- 347. اختار الروائي هذا الصوت؛ ليثبت للقارئ حول حقيقة وجود شخصيّة علي البطل؛ شعاره " إنَّني متطوّع عربي، جئت لأدافع عن الحريَّة في مدريد.. وعن دمشق في وادي الحجارة.. وعن القدس في قرطبة.. وعن بغداد في طليطلة.. وعن القاهرة في قادس.. وعن تطوان في بورغوس.. جئنا إلى هنا كي نحسّن شروط حياتنا. حياة جميع البشريّة، لنحارب الفاشيّة وننتصر عليها.". - يبدو أنَّ الروائي اجتهد ، وبحث وقرأ، واستقصى حول شخصيّة علي، المكنّى تحت اسم مستعار "ابراهيموف" في الأرشيف السوفياتي، وتحقَّق من وجوده بهذا الكون، كما تحقّق من مكان ضريحه في مدينة البسيط في أسبانيا. - نجح الروائي حسين ياسين، في تقديم شخصيّة بطوليّة، كانت مطمورة في بطن التاريخ، ونفض الغبار عن مكنوناتها، لدرجة تجعل القارئ متماهيا مع شخصيّة البطل، وخلق حب الاستطلاع لدى القرّاء للبحث عن هذه الشخصيّة، وتكريمها بما تستحق بل أكثر. - السؤال الذي يطرح نفسه، ويظلّ محط تفكير قارئي الرواية، وخاصّة العرب والفلسطينيين على حد التعبير؛ هل فعلا نرى الفلسطيني بشخصيّة علي البطل، محاربا ومضحيّا لأجل تحرير العدالة المنشودة لفلسطين؛ وللأمة العربيّة؟ خاصّة التضحية في اسبانيا، التي خرج منها العرب مهزومين (الموركسيون)، المسلمون الذين تمَّ مطاردتهم وتعذيبهم، وتنصّرهم، وملاحقتهم، وطردهم بعد سقوط الأندلس عام 1492، وتمّت ملاحقتهم من محاكم التفتيش، وحكمهم دام قرابة الثماني مئة عاما؟ ألا يوجد تضارب في هذا الطرح حول موقع البطولة؟


وقالت نزهة أبو غوش:


ماذا أراد الكاتب ياسين أن يقول في روايته؟


شرّع الكاتب الفلسطيني، حسين ياسين روايته على أبواب التّاريخ الفلسطيني منذ عام ألف وتسع مئة وستة وثلاثين؛ حتى نهاية١٩٣٩. نبش في أعماق التّاريخ عن أبطال فلسطينيين غيّبهم التّاريخ، أبطال اشتركوا في النّضال في حرب أُمميّة ضد الفاشيّة. ساروا طواعية نحو اسبانيا ليحاربوا هناك مع الانسانيّة. في روايته أراد أن يقول الكاتب لقارئه في كلّ مكان في هذا العالم إِنّ ( إِنسانيّتنا) كعرب وكفلسطينيين واضحة وضوح الشّمس، قال بأنّنا تطوّعنا للحرب الانسانيّة، ولسنا ارهابيين كما تدّعون. قال إِنّنا شعب في داخله قناعات عميقة بالحريّة والعدالة؛ ومن أجلها ضحّينا بأرواحنا على أرض اسبانيا. حاربنا الفاشيّة الايطاليّة، والنّازيّة الألمانيّة؛ وانتصرنا. من خلال أحداث الرّواية، أنار لي الكاتب كقارئة متلهّفة لتلك الأحداث مفاهيم كنّت أجهلها، أو فهمتها بشكل سطحيّ؛ تلك هي مفهوم "الرّفيق" الرّفيق السّياسي، الرّفيق الاجتماعي، الرّفيق الصّديق والانتماء لحزب الدولة الاشتراكيّة السّوفييتيّة الفتيّة، يحملون هدفا واحدا وفكرا نضاليّا واحدا، يعمل الفرد؛ من أجل الكلّ، ويعمل الكلّ من أجل الفرد؛ يحاربون عدوّهم، البرجوازية العالميّة. فهمت لماذا تجمّع شبابنا الفلسطينيّ بعد زمن الثّلاثينيّات حول تلك الفئة؟ ولماذا صار الانتماء للاشتراكيّة هدفهم؛ حيث كانت قناعتهم قويّة بأنّهم يستندون إِلى (حائط قويّ)؛ من أجل الوصول إِلى حريّتهم واستقلالهم من المحتلّ الانجليزيّ في ذلك الوقت. حرّك الكاتب ياسين شخصيّاته الرّوائيّة بشكل سلس حتى أدخلنا من خلالها إِلى عالم الحرب، وعالم الحبّ، وعالم النّضال والثّورة؛ من أجل العدالة والانسانيّة. شخصّيّة عليّ بطل الرّواية، هي الشّخصية المحوريّة في الرّواية، تحرّكت منذ أوّل فقرة، حتى آخر فقرة في الرّوايّة. عرف الكاتب كيف يقنع القارئ بتلك الشّخصيّة الفلسطينيّة الحقيقيّة، لقد أعطاها الكثير من خياله وعاطفته الجيّاشة. جعلنا نعيش معه الحبّ والكره والخذلان. عشنا الحرب الأهلية الاسبانيّة البشعة، وغرقنا بدماء الأبرياء. حزنا وبكينا. أدخلتنا لغة الكاتب ووصفه الدّقيق لواقعة الحرب الاسبانيّة (الانسانيّة) إِلى صميم المعركة. لدى الكاتب حسين ياسين القدرة على اقناع القارئ بفلسفته، وقناعاته من خلال شخصيّاته، وخاصّة شخصيّة البطل: عندما سأله المسؤول في اتّحاد النقابة الفرنسي: - لماذا لا تناضل في وطنك ضدّ المستعمر البريطاني؟ أجاب: " كلّ ساحة للنّضال هي ساحة شرف. الآن ساحة النّضال في اسبانيا" ص 244. ("أُكتبوا على قبري: مات انسانا" تلك وصيّتي ) ص231. كانت قناعته بأنّ الانتقام العادل هو فعل إِنسانيّ، " قال والدي: "إِنّ ديّة الشّهيد وطنٌ حرّ" رأى بأنّ الثّائر دائما أخلاقه عدالة وإِنسانيّة؛ لذلك كان بطله إِنسانا ثائرا ضد الظّلم، وضدّ الاحتلال. عشنا معه الحراك الشّعبي في فلسطين كلّها. عشنا الغضب والثّورة، في يافا والقدس وعكّا وباقي فلسطين؛ إِثر اعدام الشّهداء الثّلاثة – محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزّير- في سجن عكّا عام 1930م. إِنّ التحاق عليّ بطل روايتنا والمشاركة في الحرب الاسبانيّة تبدو للوهلة الأولى وكأنّها هروب أو تهرّب من مسؤوليّته تجاه الوطن، لكنّه عبّر عن نفسه وبكلّ خطوة من خطواته بأنّ خيطا متينا يربطه بوطنه الأُمّ فلسطين. يقول ردًا على زميل مقاتل معه في صفحة 262: "تذكّر ما جئنا الى هنا كي نموت، في بلادنا متّسع لقبورنا، بل جئنا لنحسّن ظروفنا". المرأة كانت حاضرة في الرّواية بصورتها الأحسن دائمًا، فهي الصّديقة والرّفيقة والحبيبة، والأُم. فهو رغم ابتعاد والدته عنه مرغمة، وصفها بالأُمّ العميقة الاحساس والمشاعر، ووصف مشاعره نحوها بكلمات تثير عاطفة القارئ، وقال بأنّ للأُمّ سطوة رهيبة على المشاعر والرّوح، لا نعرف تفسيرها. لغة الرّواية سلسة متينة وعميقة. رغم كبر حجم الرّواية – 347- فلم نجد هناك حشوا لغويّا ولا تكرارا، وكلّ جملة أو عبارة خدمت النّصّ الأدبي بشكل متقن، وأعطت الأحداث والمواقف حقّها؛ سواء كانت أحداث ومواقف حرب أو حبّ أو مواقف أُخرى غيرها. يقول الرّاوي – مثلا - في صفحة 191 بعد بلوغه حوالي الثلاثين من عمره، ولأوّل مرّة يرى والدته: " أقف أمام أُمّي، وقد استضاءت عتمة عمري، أتنشّق للمرّة الأولى عبيرا صامتا من أُنوثة قديمة خصبة حنونة لكنّها مقهورة." كثرت في لغته الاستعارات والتّشبيهات وفي كثير من الفقرات تشابهت باللغة الشّعريّة المحبّبة. استطاع الكاتب حسين ياسين أن يدمج في روايته ( عليّ)الأحداث الواقعيّة بالخيال، بطريقة ابداعيّة لم يستطع القارئ أن يفصل ما بينها بسهولة. البناء الفنّي للرواية: قسّم الكاتب روايته إلى عدّة فصول تحت عناوين مختلفة ثمّ فصول فرعيّة مرقّمة ترقيما تسلسليّا أتاحت سهولة تتبّع قراءة الرّواية. اعتمد الكاتب على راوٍ واحد وهو بطل الرّواية نفسه – عليّ- الّذي استطاع أن يعبّر عن دواخله النّفسيّة ومكنوناته وأعماقه الفلسفيّة بشكل واضح تماما؛ ربّما كان هذا على حساب كشف بواطن وأعماق الشّخصيّات الأُخرى في الرّواية. أسلوب الاسترجاع الّذي استخدمه الكاتب أتاح له أن يعبّر عن الماضي بالوقت الحاضر وأن يدمج ما بين الأحداث ويقارن أحيانا ما بينها، حيث استطاع مثلا أن يتحدّث عن فلسطين وجغرافيّتها وتاريخها وحربها مع المحتلّ الانجليزي؛ وجمالها الخلّاب وهو وسط الحرب الاسبانيّة وحربه ضدّ الفاشيّة.


وكتب سامي قرة:


ثمّة روايات نقرأها ولا نلبث بعد الانتهاء من قراءتها أن ننتقل من عالم الخيال الذي نختبره في الرواية إلى عالم الواقع الذي نعيشه وكأن شيئًا لم يكن؛ وعلى العكس من ذلك، هنالك روايات تترك فينا أثرًا عاطفيًا وفكريًا قد يغيّر من مفهومنا للحياة، ويساعدنا على تعميق تجاربنا وتوسيع مداركنا. وهذا في نظري من أهم صفات الأدب الجيد، وهذا ما نجده أيضًا في رواية علي: قصة رجل مستقيم مما جعلها تصل إلى القائمة الطويلة في القائمة العالمية للرواية العربية "البوكر". يصف الدكتور سمير الخطيب الرواية في مقالته بعنوان "عليّ: قصة رجل مستقيم" الصادرة في دنيا الوطن بتاريخ 19 آب 2017 بأنها عمل مُبدع ورائع.


للرواية أبعاد ملحمّية. أولا، تتحدث الرواية عن قضية عالمية في غاية الأهمية تخص كل إنسان في كل زمان ومكان، هي قضية الحرية والعدالة؛ ثانيًا، اللغة جاءت روائية متماسكة ومبدعة، وكما تقول الدكتورة رباب القاسم سرحان في مداخلتها عن الرواية أثناء حفل إشهار وتوقيع الرواية الذي دعا إليه نادي حيفا الثقافي في 17 تموز 2017، إنفردت الرواية "بلغة مميزة سلسة شعرية مطعمة باللهجة الفلسطينية"؛ ثالثا، تركّز الرواية على شخصية رئيسية واحدة هي شخصية عليّ المغامر الجريء المؤمن بقضيته، ولكن على عكس أبطال الملاحم التقليدية لا يتميز عليّ بأي صفات بطولية خارقة للطبيعة ولا يقوم بأعمال أسطورية، بل هو رجل عاديّ بسيط يعيش يتيمًا ويعمل في الحقل وينضّم لاحقا في صفوف الحزب الشيوعي، ويقاوم الاحتلال البريطاني والصهيوني ثمّ يرحل إلى أسبانيا كي يتطوع للمحاربة في الحرب الأهلية الأسبانية. أخيرًا، تتميز الرواية باحتوائها على الكثير من الأحداث والشخصيات واتساع المساحة الجغرافية التي تدور فيها الأحداث. هكذا يصف الناقد الدكتور رياض كامل عالم رواية عليّ: قصة رجل مستقيم في مقالته بعنوان "الراوي، الوصف وعملية الإيهام بالواقع" الصادرة في مجلة صوت العروبة بتاريخ 8 نيسان 2018: "عالم الرواية واسع ورحب، يشمل أحداثا وشخصيات متنوعة، فضلا عن اتساع رقعة الأمكنة في الداخل الفلسطيني وفي الغربة، وامتداد مساحة الزمن من سن الطفولة فالشباب حتى الثلاثينات من عمر الشخصية المركزية". ويضيف الدكتور سمير الخطيب: "الرواية غنيّة بالمواقف الرومانسية والمواقف البطولية ووصف دقيق للجغرافيا التاريخية والأحداث السياسية ... وتفتح الكثير من المواضيع التي بحاجة إلى دراسة معمّقة".


أهمية الرواية


ما يشهد على أهمية الرواية الكمّ الكبير من المقالات النقدية التي تنطوي على تحليل أدبي وسياسي وحزبي لمحتوى الرواية، وتقييم شكليّ لمواطن القوة والضعف فيها. ولا بدّ من الإشارة في هذا الصدد إلى أن هنالك اتفاقا عاما بين أغلبية النقاد على أن أهم ما تتسم به الرواية هو أنها تتحدث عن شاب فلسطيني، شارك في الحرب الأهلية الأسبانية بعد طرده من وطنه عقب رحلة كفاح مريرة ضد المستعمرين البريطانيين والاحتلال الصهيوني لفلسطين. وفي الحقيقة، هذا ما أدى بالأستاذ حسين ياسين إلى كتابة روايته، فقد اكتشف مصادفة أن عليّ عبد الخالق بطل روايته حارب في أسبانيا وقُتل ودُفن فيها. تكشف الكاتبة بديعة زيدان في مقالة لها بعنوان "حسين ياسين ... ورحلة البحث عن عليّ " تمّ نشرها في جريدة الأيام بتاريخ 30 كانون ثاني 2018 كيف عثر المؤلف على معلومات عن عليّ: "قبل خمس سنوات، قرأ ياسين كتابًا للمؤرخ الألماني هارت هوب، عميد كلية التاريخ في لايبزيغ، يتحدث عن فلسطينيين إثنين أحدهما عليّ، والثاني فوزي قُتلوا ودُفنوا في أسبانيا خلال مشاركتهم في الحرب. وقال: بدأت البحث ... فتوجهت لأرشيف الحزب الشيوعي، ولم أعثر على شيء لا في هذه الأرشيفات ولا لدى كبار الس،. في العام 2016 صدرت مذكرات محمود المغربي وحرّرها ماهر الشريف، وتضمنت سطرًا حول علي ... وهنا الحديث عن شخص يُدعى علي عبد الخالق، وبعدها صدرت مذكرات نجاتي صدقي، وأشارت إلى أن عليًا كان عضو لجنة مركزية في الحزب الشيوعي حارب وقُتل ودُفن في أسبانيا. توجهت إلى المراجع العبرية، فوجدت 23 مرجعًا حول الحرب الأهلية الأسبانية، وفيها عثرت على اسمه وصورته، وبدأت الكتابة."


تكمن أهمية الرواية أصلا في أنها تسلّط الضوء على شخصية شاب عاش في النصف الأول من القرن الماضي، حارب في أسبانيا لكنه لم يترك خلفه أي أثر عن الحرب، على عكس الكثيرين من قوميات أخرى ممن شاركوا في الحرب، ولهذا السبب طواه النسيان، ولم يحظ إلا بذكر ضئيل ونادر في بعض الكتب، إلى أن اكتشفه مصادفة الكاتب حسين ياسين وقدّمه للقارئ العربي. عندما سُئل الكاتب حسين ياسين في مقابلة ضمن برنامج "صباحنا غير" في أيلول 2017 عن تغييب شخصيات عربية مثل عليّ في كتب التاريخ، أجاب: أن العرب لم يكتبوا أبدًا عن الحرب الأهلية الأسبانية، ولذلك تمّ تغييب دور المحاربين العرب الذين تطوّعوا في الحرب، يقول الكاتب بامتعاض: "هناك نقص فينا، خلل في المؤسسة الفكرية العربية".


إضافة إلى ما سبق، تكتسب رواية "عليّ: قصة رجل مستقيم" أهمية خاصة لأنها تتحدث عن حقبة حرجة في تاريخ فلسطين أوائل القرن العشرين، حيث يعالج الكاتب الوضع الفلسطيني خلال فترة زمنية تراوحت ما بين ثورة البراق عام 1929 وما بين مقتل عليّ في آذار عام 1938. تزخر الرواية بالأحداث السياسية، وفي نفس الوقت تقدّم صورة حيّة عن الحياة الاجتماعية الفلسطينية في ذلك الوقت، فضلا عن ذلك، تتناول الرواية العلاقة ما بين الحزب الشيوعي الفلسطيني عربًا ويهودًا وعلاقة الإثنين مع الحركة الوطنية الفلسطينية ومع الحركة الصهيونية، وهذا "موضوع لم يسبق التطرق إليه"، يقول الكاتب حسين ياسين.


علي رجل المبادئ


تشكل المبادئ خارطة الطريق لسلوك الإنسان، ومن الواضح أن الدافع وراء تصرفات وأفعال عليّ هو مبدأ الحرية والاستقلال والعدالة للجميع. يقول عليّ: "الدنيا سياسة سلاحها مبادئ وعقيدة" (ص 44). وهذا في الواقع ما يجعله رجلا مستقيمًا. وكان عليّ يؤمن بأنه "لا يوجد شعب واحد على وجه البسيطة يمكن أن يرضى بغير الحرية" (ص 53). عزاؤه في من وراء تطوعه في الحرب الأسبانية أنه يخدم "قضية عادلة"، وهو يؤمن "بعدالة النضال"، وأن الحرب الأسبانية ستظل نبراسًا وقدوة لكل انصار الحرية" (ص 298).


يؤمن عليّ أن رسالة الحزب الشيوعي الذي ينتمي له هي تحقيق العدالة والحرية ليس فقط في فلسطين، بل في أيّ مكان آخر من العالم، ولهذا السبب هو لم يمانع في أن يذهب إلى أسبانيا، ويلتحق بالألوية الأممية كي يقاتل إلى جانب الجمهوريين ضد القوميين. وبعد انضمامه إلى الحزب يشعر بسعادة كبرى وأن أمانيه للمساهمة في تحقيق الحرية والعدالة سوف تتحقق، ولذلك نراه ينخرط في الحركة الوطنية والنضال السياسي ضد المستعمر البريطاني في فلسطين، فتارة يشارك في المظاهرات ويعلّق الملصقات ويقرأ كتابات ماركس ولينين، وتارة أخرى يتضامن مع العمال والفلاحين. يقول عليّ مزهوًا بنفسه: "مساهمتي في النضال تتكثف، دخلت النضال من أوسع أبوابه، ما فاتني شيء من الفعاليات الوطنية" (ص 80).


في القدس تُلقي السلطات البريطانية بالتعاون من اليشوف القبض على عليّ، وتقوم بترحيله إلى أسبانيا، يُرحّب علي بفكرة ترحيله إلى أسبانيا؛ لأن المعركة من اجل العدل والحرية والسلام هي معركة عالمية وإنسانية، هي معركة "بين قوى الظلام وأنصار الحرية، بالنسبة للثائر، كل جبهة ضد الظلم هي جبهة نضال عادل" (ص 236). ويتساءل بعض النقاد أليس من باب أولى أن يبقى عليّ في فلسطين للنضال ضد الاستعمار البريطاني والصهيوني؟ على سبيل المثال، في مقالته "نوستالجيا شيوعية نمطية" الصادرة في مجلة فلسطين ultra الإلكترونية بتاريخ 18 شباط 2018 يتهم الباحث عز الدين التميمي الكاتب حسين ياسين بانشغاله "بمحاولة تجاوز التناقض الفجّ في فكرة ترك الصراع الفلسطيني البريطاني الصهيوني والالتحاق بمعركة على أرض أخرى". لكن من وجهة نظري لا أعتقد أن هنالك أيّ تناقض وذلك لسببين هما:


السبب الأول: هو أن عليّ يُجبر من جانب قوات الاستعمار البريطاني والصهيوني على الرحيل والتهجير من فلسطين إلى أسبانيا والحصول على موافقة حزبه للذهاب إليها، فلم يكن لديه أيّ خيار آخر في ذلك. يقول عليّ: "فراق الوطن صعب! التهجير، صعب. لو تطوعت بمحض إرادتي، لو كان وطني ينعم بالحرية، لكان الأمر أهون وأبهج" (ص 241).


والسبب الثاني هو أن عليّ لم يتخلّ عن مبدئه لتحقيق العدل والحرية، وما لم يتمكن من تحقيقه في فلسطين يحاول تحقيقه في أسبانيا. يقول عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل في كتابه البحث عن معنى الحياة بانه يمكن حرمان الإنسان من كل شيء عدا شيئًا واحدًا هو حرية اختياره للطريق الذي يسلكه، بصرف النظر عن المكان والزمان. فالمبدأ هو الدافع الذي يذهب عليّ من أجله إلى اسبانيا، أمّا المكان وأمّا الجغرافيا فما هما سوى المسرح الذي يؤدي فيه علي دور المناضل المؤمن بقضيته.


بخلاف الصراع في فلسطين الذي هو أصلا صراع على الأرض، كانت الحرب الأهلية الأسبانية (1936-1939) بالدرجة الأولى حربا ايديولوجية أو فكرية. بدأت الحرب عام 1936 عندما قام القوميون المؤيدون للفاشية بقيادة الجنرال فرانسيسكو فرانكو؟ن وبتشجيع من الكنيسة الكاثوليكية والطبقة الأرستقراطية بالتمرد على الحكومة الائتلافية ذات الميول الاشتراكية، والتي وصلت إلى الحكم نتيجة انتخابات ديمقراطية. وفي تلك الفترة (الثلاثنيات والأربعينيات من القرن الماضي) كانت دول العالم تعاني من الكساد الكبير نتيجة الأزمة الاقتصادية التي عصفت بها؛ مما أدى إلى زعزعة ثقة الكثيرين بجدوى النظام الرأسمالي والسوق الحرة، ولذلك بدا للكثيرين أن الاشتراكية القومية والشيوعية توفران بدائل للرأسمالية، وأصبحت اسبانيا ساحة معركة بالوكالة حيث كان بالإمكان اختبار هذه الإيديولوجيات عسكريا.

 

 

كان ذهاب عليّ إلى أسبانيا والتطوع في الحرب الأسبانية اختبارا لإيمانه بالاشتراكية الشيوعية ومدى إمكانية تحقيقها للعدالة والحرية. يقول عليّ: "إنني متطوع عربي ]فلسطيني[ جئت لأدافع عن الحرية في مدريد" (ص 270). ولأن الحرب الأهلية الأسبانية كانت في الأصل والجوهر حربا أيديولوجية فكرية فقد جذبت العديد من المتطوعين بلغ عددهم بحسب المصادر المختلفة نحو 40 ألفا من أكثر من 56 قومية، ومن ضمنهم كان المفكرون والأدباء الذين شعروا وآمنوا بضرورة تصوير الحرب وتمثيلها فنيا وأدبيا. أذكر على سبيل المثال الكاتب البريطاني جورج أوريل الذي قدّم شهادة حيّة عن تجربته في الحرب في كتابه "الولاء لكتالونيا"، والذي يقابله عليّ في مدريد ويصفه بأنه "طويل القامة، يبدو عليه الوقار، لغته إنجليزية ... لاحقا عرفت أنه الكاتب البريطاني، جورج أورويل" (ص 247). وأيضا الكاتب الأمريكي إرنست همينجوي الذي كتب روايته الشهيرة "لمن تقرع الأجراس" وفيها يسرد قصة الشاب الأمريكي روبرت جوردن الذي ينضم إلى صفوف الألوية الأممية إبان الحرب الأهلية الأسبانية. مثل أورويل وهمنجواي، ينضم عليّ إلى صفوف المقاتلين الأمميّن في الحرب الأهلية الأسبانية بوصفه رجل مبادئ يؤمن بالحرية والعدالة.


علي والتاريخ


لم يترك علي أي أثر عن مشاركته في الحرب الأهلية الأسبانية، لذلك لا نعرف بالتفصيل عن طبيعة نضاله في أسبانيا، كما أن المؤرخ الألماني هارت هوب لا يتحدث إلا بشكل عابر عن فلسطينيين إثنين هما عليّ وفوزي اللذين قُتلا ودُفنا في أسبانيا. ويرد اسم عليّ أيضا في مذكرات محمود المغربي ونجاتي صدقي وبعض المراجع العبرية التي لجأ إليها الكاتب حسين ياسين أثناء بحثه. وبكلمات الكاتب حسين ياسين: "فالهيكل العظمي (علي) حقيقي ... بينما بقية التفاصيل خيالية". ومن منظور الدكتور عادل سمارة في مقالة له بعنوان "قراءة في رواية عليّ قصة رجل مستقيم" صدرت في مجلة كنعان الإلكترونية بتاريخ 25 أيار 201: "ليس الأدب، ولا سيما الروائي، بالعمل التاريخي الموثق واقعيا. ولكن، هل من قبيل المبالغة القول بأن الأدب حاضنة فضفاضة مرنة للتاريخ الذي هو نفسه حاضنة الوجود البشري"؟ وعليه لا يمكننا اعتبار رواية عليّ: قصة رجل شجاع على أنها رواية تتمتع بمصداقية تاريخية لأن الأحداث سواء في فلسطين أو في أسبانيا هي من نسيج خيال المؤلف، وهي محدودة زمانيا ومكانيا. من ناحية أخرى، لا بد من الإشادة بالكاتب حسين ياسين لأنه أبدع في التحرر من قيود الكتابة التاريخية وأطلق العنان لخياله، وبالفعل أنتج عملا أدبيا عن حقبة تاريخية وحدث تاريخي بالغ الأهمية لطالما تمّ تجاهله من جانب المؤرخين والكتاب العرب.


يعرض الكاتب لمحة خيالية موجزة عن مجريات الحرب كما يرويها بطلها عليّ. فنرى عليّ يحارب ويأسر الجنود، ويحقق معهم ويُطلق الرصاص ويُصاب وفي النهاية يُقتل. وقد نجح المؤلف في تصوير أحداث الحرب بواقعها الأليم، فنقرأ مثلا: "كأننا حمم خرجت من بركان، أو سهام تطايرت. نطلق الرصاص ونعدو نحو العدو. نقذف القنابل ونعدو نحو العدو" (ص 317-318). يقضي عليّ نحو سنتين في أسبانيا يحارب في صفوف الجمهوريين وبالتحديد من تشرين أول 1936 حتى إصابته واستشهاده في 17 آذار 1938.


موقف عليّ من الحرب


يرى عليّ أن الحرب تعكس صورة مصغرّة لكارثة إنسانية عالمية، وهذه الكارثة يختبرها عليّ في خضم الحرب الأسبانية بين القتلى والجرحى والدمار. الحرب في نظره مأساة عالمية: "في الحرب يهجرك الإنساني ... عندما يصبح محيطك أجساما ممزقة وبقايا بشرية، لا تعود تقوى على الإيمان بشيء. الحرب آلة جهنمية تذيب العقل وصفاء الضمير ... لم أتصّور أن الموت، الذي يمثل الشيء الأكثر استثنائية وخرقا للمألوف في حياة الإنسان، يصبح الشيء الوحيد المنهجي والمألوف. لا شك أن الحرب هي خطيئة الله على الأرض" (ص 312).


يُبدي عليّ تعاطفا ورحمة مع ضحايا الحرب وضحايا العنف. يصف عليّ موت طفلة بأسلوب شعري يزخر بالعاطفة الصادقة: "رصاصة شاردة شقت صدر فتاة صغيرة، سال الدم عللى فستانها الأبيض، سقطت من يدها لعبتها الصغيرة وانكسرت على رصيف الشارع، زعيق الأمّ يتردد في أذن السامعين، أخذت ابنتها ولاذت في البيت، يركض خلفها طبيب الكتيبة، يُصدر شهادة وفاة للطفلة الصغيرة، ما ذنب الصغار في لعبة الكبار"؟ (ص 273). مثل هذا الوصف يخلق تفاعلا قويا بين القارئ والنص، ويؤدي بالقارئ إلى خوض نفس التجربة التي يخوضها عليّ ولكن ليس واقعيا بل خياليا.


لم يكن عليّ يعلم قبل وصوله إلى اسبانيا والتطوع في الحرب ماذا يتوقع أو ماذا سيحدث له. فقد كان مدفوعا بمثاليات ومبادئ آمن بها وورثها عن الحزب الشيوعي الذي ينتمي له. ومما لاشك فيه أنه صُدم من هول ما شاهده واختبره في الحرب الأسبانية على الرغم من تجربته النضالية الطويلة والواسعة في فلسطين. هكذا يصف عليّ شعوره بعد إطلاق أول رصاصة من بندقيته نحو جندي فاشي: "تلك كانت أول مرّة في حياتي أوجه فيها بندقيتي نحو إنسان، نحو رأس جندي فاشي، تسارعت دقات قلبي، ضجيج حاد في الأذنين، علا لهاثي ... الشعور بأنني اقتل إنسانا أقلقني جدا، عرق غزير فاض من جميع مسامات جسدي.، أغرق في عرق لزج" (ص 274). يؤمن عليّ أن الحرب هي النقيض التام للإنسانية والحياة: "يا إلهي! لا أريد أعداء، أحب الكل، أحب الإنسان. أحب الحياة" (ص 283). ويرى عليّ أيضا أن الحرب تملأ الإنسان بالوحشية والحقد: "الحرب تفعل بي مثلما تفعل النار بالهشيم، تجردني من إنسانيتي، ينتصر الوحشي في داخلي. أمتلئ غيظا وحقدا وعدوانية، يا إلهي! لا يزال الحب أجمل من الكراهية، والحياة أشرف من الموت ... (ص 284). لكن عزاءه الوحيد أنه في الحرب الأسبانية "نخدم قضية عادلة" (ص 298). يناضل عليّ كي يُبقي مشاعره الإنسانية حيّة مشتعلة وسط القتل والدمار والدماء الغزيرة: "الحرب تعطيل الحواسّ وإخراج الإنساني من الإنسان" (ص 312-313).


خلاصة


المبادئ تغيّر التاريخ وليس الإنسان؛ لأن الإنسان يزول وتبقى المبادئ، فبعد وفاة عليّ بحوالي ثمانين عاما ما يزال الإنسان عامة والإنسان الفلسطيني خاصة يكافح من أجل الحرية والعدل والسلام، في عالم معاصر تكاد تفقد فيه هذه المبادئ جوهر معناها. يعلمنا عليّ أنه مهما بلغت الصعاب والتحديات ومهما كان الثمن الذي ندفعه فإنه علينا دائما الالتزام بالمبادئ الإنسانية في كل مكان وزمان، ويعلمنا عليّ أيضا درسا هامّا هو أن وطن الإنسان ليس قطعة من الأرض، بل هو المبدأ الذي نؤمن به، وأن الوطنية الحقيقية هي الولاء والإخلاص لذلك المبدأ.


وقال عبدالله دعيس:


يتساءل القارئ بعد أن ينهي هذه الملحمة التاريخيّة الممتعة، هل كان عليّ رجلا مستقيما؟ وما هي الاستقامة التي يقصدها الكاتب؟ قد تختلف الآراء في ذلك، لكن لا شكّ أنّ هذه السيرة أضاءت جانبا مبهما من تاريخ الشعب الفلسطينيّ، وعرّجت على كثير من الأحداث، من زاوية ربما تكون مغايرة لما نقرأ بالعادة، وعرضت جانبا مختلفا للعلاقة مع الآخر، أقصد اليهوديّ الذي ارتحل إلى فلسطين، حاملا ما أراد أن يحمل من الأفكار، إلا أنّها جميعها تصغر أمام فكرة الصهيونيّة والاستحواذ على أراضي الآخرين، فيطوّع هذه الأفكار ليبرّر استيطانه في وطن المستضعفين الذين قد يرفع شعار العمل معهم من أجل خير البشريّة. كذلك يظهر زيف من يرفع شعار الحريّة للشعوب، بينما هو يذلّ ويبيد شعوبا بأكملها، ويحطم إنسانيّة الإنسان الذي من أجل حريّته رفع شعار الثورة. تناقضات كثيرة تبرز من خلال هذه الرّواية، تجعل القارئ يمعن النظر في كثير من الأحداث التاريخية التي سمع عنها، وينظر لها من زاوية جديدة، ويعيد فهمها من جديد.


يستلهم الكاتب حسين ياسين أحداث روايته من قصة رجل فلسطينيّ اسمه علي عبد الخالق، عاش يتيما في إحدى قرى القدس في أوائل القرن الماضي، ليتمرّد على واقعه ويترك قريته ليصبح ناشطا في الحزب الشيوعيّ الذي كان يقوده اليهود الذين يدّعون الاشتراكيّة والمساواة بين الخلق، بينما يسيرون في ركب قوى الاستعمار، ويعيشون في فلسطين تحت ظلّ الصهيونيّة التي استباحتها ووهبتها للغرباء بحماية قوى الرأسماليّة والإمبرياليّة. يسافر إلى موسكو ليتلقى التعليم الحزبيّ، ليجد هناك واقعا مغايرا لما كان يتخيّله من عدالة ومساواة، ويقع في حيرة كبيرة، تدفعه للعودة إلى وطنه لينضوي تحت راية النضال ضد الإنجليز والصهاينة، ثمّ يُنفى إلى إسبانيا، ليتطوّع في الحرب الأهليّة الإسبانيّة ويقاتل ضدّ الفاشيّة، نصرة للمستضعفين والمظلومين، ليجد التناقضات أيضا هناك في صفوف المقاتلين، الذين قد يمارسون أحيانا ظلما يفوق ظلم مضطهدهم، لكنّه يقاتل بشجاعة حتّى يقتل هناك بعيدا عن وطنه.


هذه المعلومات القليلة المعروفة عن هذه الشخصيّة الحقيقيّة، يغلّفها الكاتب بكثير من الخيال الواقعي، ويحمّلها كثيرا من الأفكار، ويُنطقها بكثير من الأقوال، ربما بالغ بها متأثرا بانتماء حزبيّ أو عقائديّ شخصيّ، فحمّل ما يدور في ذهنه من أفكار لهذه الشخصيّة الحقيقية، وأضاف كثيرا من الأحداث الخياليّة، التي تبرز دور هذا الشخص، وتضعه في مصاف أبطال فلسطين الأحرار, لكنّها قد تشوّش صورته في أذهان البعض وتبعده عن كونه شخصيّة وطنيّة مناضلة.


وقد استخدم الكاتب أسلوب الاستطراد، ونجح بذلك في التوسّع في ذكر كثير من الأحداث في فلسطين وخارجها، وإعطاء صورة عن كثير من العادات الاجتماعيّة، وتبيان الثقافات المختلفة في بلدان عديدة، لكنّ هذا الاستطراد يشتّت القارئ أحيانا ويبعده عن جوهر الرواية وشخصيّتها الرئيسيّة. وأقحم الكاتب كثيرا من الأحداث التي فيها إيحاءات جنسيّة وألفاظ غير لائقة، كأحاديث النّساء في المخبز، ومغامرات عليّ الجنسيّة مع شخصيّات نسويّة مختلفة. شعرت أنّ هذه الحكايات كانت في كثير من الأحيان مقحمة وغير مبرّرة، وربما أساءت لشخصيّة عليّ، التي لا نعرف عنها الكثير، وهزت صورته كبطل في ذهن القارئ.


استخدم الكاتب اللهجات العامية المحكية للحوار، وهذا جيد ويعطي شيئا من الواقعيّة للأحداث ويوصل الأفكار بشكل أفضل، لكنّه بالغ في ذلك أحيانا حتّى تحوّل السرد إلى اللهجات المحليّة التي قد لا تكون مفهومة لبعض القرّاء. وقد تحدّث الكاتب عن كثير من الأماكن في الرّواية ووصفها وصفا دقيقا، فوصف القدس ويافا ونابلس وموسكو ومدريد ومدنا أخرى في إسبانيا، لكنّ الكاتب أخفى أسماء بعض القرى الفلسطينيّة وكنّهاها بأسماء أخرى، فمثلا استخدم اسم (باب الثنايا) بدل الجيب، لكنه ذكر رام الله والقدس ونابلس: أتساءل لماذا عمد الكاتب إلى ذلك، أم أنّ أسماء قرانا عورة؟


أخيرا، لا أستطيع إخفاء إعجابي بهذه الرواية، رغم تحفّظي على شيء من مضمونها، فهي مشوّقة جدا ومفيدة وتفتح آفاقا جديدة للقارئ، وتحثّه على إعادة التفكير في كثير من الأمور، وعلى مزيد من القراءة والاطلاع.


وقالت نزهة الرملاوي:


لن أخوض اليوم في بحر تميز رواية علي للكاتب حسين ياسين، لأن الرواية التي تصل لجائزة البوكر، تكون قد جمعت صفات عديدة متحدية، تحسب لصالح الرواية حتى تم اختيارها ضمن القائمة الطويلة. لقد عالج الكاتب في روايته العديد من الأفكار التي ارتبطت بالشخصيات والمساحة المكانية والزمانية، وتكمن أهميتها أنها عالجت فكرة جديدة تحمل في جعبتها العدالة والمساواة وحب التغيير نحو الأفضل مع مفارقة بين وجهات النظر اتجاه الأحداث. اتسمت الرواية بتشعب أحداثها مع عدم الإخلال بالأماكن والاحداث التاريخية التي كانت على الأرض. بالإضافة إلى تميز شخوص الرواية سواء الذين ساهموا بالحرب الأممية التي حدثت في اسبانيا، واشترك بها الالاف من جميع أنحاء العالم، من ضمنهم بضع أشخاص من الفلسطينيين الذين اعتنقوا مبادئ الشيوعية وخاضوا غمار الحرب ضد الفاشية، او الشخوص الثانوية التي كان لها الأثر الكبير في خدمة احداث الرواية وتسلسلها.

 

 

لقد تميز بطل الرواية علي بالتمرد والعصيان والثقافة مع انه لم يتمكن من إنهاء تعليمه الابتدائي، إلا انه من خلال الاستنتاجات وخوض التجربة الثورية والانخراط بالحزب الشيوعي لهذا القروي الذي كان يرعى أغنامه ويحمل نايه ليجمع قطيعه مع كلبه (مراد) في سفوح الجبال وخضرتها، لقد سلط الكاتب الضوء على واحد من المحاربين الشيوعيين ليروي قصته، لإحساسه أن الشيوعيين العرب همشوا أو أهملوا بالنسبة للشيوعيين اليهود، فأحس أن من واجبه التعريف ببطولات وشخصيات بعض المنتمين للحزب، فاختار شخصية علي كبطل مناضل من المناضلين الفلسطينيين لمقاتلة الأعداء في اسبانيا.

 

 

السؤال الذي يطرح نفسه ما مدى تأثير التشبع بالمبادئ الحزبية لدى علي وخوضه حربا أممية بعيدة عن الوطن الذي ينزف دما وثورة؟ اسلوب الكاتب أسلوب رائع في طرح الموضوع، فلم يتطرق أحد من الكتاب او المؤرخين لهؤلاء المقاتلين، وقد اختار (علي) وهو شخصية حقيقية اوقع عليها الكاتب الكثير من الأحداث التاريخية والمبادئ الحزبية التي لم يعرفها الجميع، بعد أن تقصى الحقائق وراء هذه الشخصية التي الهمته بعنادها وإصرارها، بحيث كان واضحا مدى اهتمامه باختيارها، فهذه الشخصية تنتمي لحزب الكاتب الذي يعتنقه، ويريد تعريف القراء بهذا الفصيل المهمل في فلسطين أثناء الانتداب البريطاني..

 

 

والسؤال الذي يطرح نفسه.. هل كان الدافع للقتال بجانب الاسبان ضد البريطانيين، لعدم تمكنه من القضاء عليهم في فلسطين؟ ام اختار الخروج بإرادته ليصب غضبه على ظلم الحكومات للبلاد التي استولوا عليها، وتذويت عقائده بالعدالة وحرية الانسان في أي مكان وإن كان خارج الوطن؟ الرواية ذات أبعاد انسانية واجتماعية وسياسية بامتياز. لقد امتازت الرواية بأفكار مترابطة مشوقة، ذات تسلسل تاريخي لحياة البطل والنضال الذي التزم به للعدالة التي حلم بها ..:اسلوبه في طرح العادات والتقاليد وجو القرية واللهجة المحكية والامثال الشعبية، مما اثرى الرواية.. لقد أبدع الكاتب بوصف الأماكن وتغنى بها، وقد أسهب في شرح التفاصيل دون أن نحس بالملل او الكلل، إذ لم يكن ذلك على حساب المعنى أو الخروج عن النص، فقد تطرق بوصفه للقدس وحيفا والكرمل والديرة التي نشأ بها بكل جمالية، فقد وصف القدس بعد ان عرف القارئ بالتغيير الجذري الذي اصاب الشارع الذي سار به الأنبياء وكيف يتجول به الان الكولنياليون والصيارفة والزناة، مع انها مدينة المجد والشموخ، فقال: القدس ام الفنون العتيقة والقصص السماوية لا تزال تنهش العبقرية، تجمع المدينة بين فتنة المعرفة وفتنة المرأة، فتأخذ الرغبة المطلقة للحرية شكل الفرار من كل شيء. كذلك وصف يافا وكأنها امرأة جسدها منحوت من عظم كنعان، وصف الغروب وكان الشمس مقتولة في كفن نحاسي تنحدر نحو الغرق. ص14 الألفاظ والكلمات التي استعملها الكاتب كانت سهلة بسبطة ومناسبة للأحداث وذات معان عميقة ودلالات قيمة..

 

 

يعتبر التدرج في الفترة التاريخية شاهدا حيا على انواع النضال والحركات التحررية في فترة الثلاثينيات كن القرن الماضي. تميزت الرواية بالواقعية المطعمة بالخيال والرومانسية، واللغة الشعرية، وهي في غاية الروعة والتألق. جاء وصف الاماكن والاشياء والاشخاص بدقة وجمالية، من خلال الكلمات والجمل، تطرق الكاتب الى موضوعات ومفاهيم وقيم اثناء صعوده على السفينة وانتظار وقت الرحيل، جاء بمفردات النضال والفاشية والنازية والوطن والرّفيق. تطرق الكاتب الى العمل الحركي وتمسك البطل بالمبادئ الشيوعية. ظهرت شخصية البطل بقوة في رفض الواقع والتمرد حتى في السجن عندما عذب وسجن عاريا لمدة 20 يوما في أبام الشتاء.. قوته جعلته مميزا في الحزب واختيارهم له ليقود حركة وطنية عربية للحزب الشيوعي،. حملت الرواية قضية العدالة..

 

 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل وجد البطل العدالة في بلاد الغرب كما تمنى؟ ولماذا لم يبق البطل في وطنه يقاتل في الزمن الذي كانت فيه تتنامى ثورة 36 .. مع أن علي دخل السّجن أكثر من مئة مرة؟ فهل طغت الحزبية والمبادئ الشيوعية التي نادت بالعدالة الانسانية التي حملها على القومية الوطنية؟ هل كان هروبا من واقع أجبر عليه أو اختاره؟ الكاتب نفى ذلك وقال على لسان البطل: انني اتطوع للحرب في اسبانيا ولا أفعل ذلك هربا من النضال القاسي الذي يخوضه شعبي الان، اسبانيا هي المكان الذي سندق فيه اوتاد خيمتنا في بحثنا عن مستقبل أفضل. ص 9 ربما لن يعرف علي وطنه إلا إذا غادره ص 15 رجل مستقيم.. ما الذي جعل الكاتب يميز البطل ويطلق عليه صفة الاستقامة وقد صادق الكثير من السيدات؟ بما ان الكاتب اختار شخصية حقيقية لها مكانتها وخصوصياتها وشهواتها، فقد كان من الأفضل ان لا يتطرق الكاتب بخياله ويلبس علي لبس الشهوانية وحب الجنس، وكأنه أقحمها إقحاما للرواية. تفاوتت العاطفة بين سطور الرواية، ولكن غلب عليها عاطفة الحزن في رحيل علي ودفنه وبعده عن وطنه، كذلك حب الوطن والنضال، وجمعت صفات الوفاء والانتماء وحب الخير والعدالة.


وشارك في النقاش كل من محمود شقير، محمد يوسف القراعين، رندة شرف، سهير زلوم، صلاح الزغل وعمر عميرة.




 

 

 

 

يستيطع كل رجل أن يفعل ما يفعله رجل آخر !

مجلة أفراسيا

 

مؤلفات د. زكريا شاهين

زاوية الكاريكاتير

يتصفح الآن

12953  زائر على الموقع

 

 
   
   
   
 

Site Developers: SoftPages Technology

 

 

English  |  عربي

 


افراسيانت - القدس 21 حزيران 2018 - ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية المقدسية اليوم الخميس رواية "عليّ- قصة رجل مستقيم"  للروائي الفلسطيني حسين ياسين وذلك  في المسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي.


صدرت الرواية التي تقع في ٣٤٧ صفحة ويحمل غلافها الأوّل لوحة للفنّان سليمان منصور عن دار الرعاة للدراسات والنشر في رام الله وجسور الثقافية للنشر والتوزيع في عمّان. صدرت الطبعة الأولى للرواية منتصف عام 2017 والطبعة الثانية بداية عام 2018.


بدأت الحديث الكاتبة رفيقة عثمان التي أدارت الندوة، فقالت:


احداث الرواية مستوحاة من الواقع، لقصّة حقيقيّة حدثت في سنوات 1936-1939؛ ويمكن تصنيفها أدبيَّا تحت عنوان النص الأدبي للسيرة الغيريَّة، أي تأريخيّة؛ أحداثها حصلت بتلك الفترة؛ وأراد الروائي أن يلقي الضوء على شخصيّة بطوليّة، وإبرازها للقرّاء؛ لأنّ الكاتب وجد فيها نموذجا أسطوريّا يُحتذى به، من حيث التضحيات والمحاربة مع المظلومين لاستحقاق العدالة والمساواة والنصر؛ كما استشهد الكاتب حسين ياسين في نهاية الرواية، بأنّ شخصيّة عليّ المناضل هي شخصيّة حقيقيّة لرجل فلسطيني، وليست من وحي الخيال، شخصيّة عليّ لم تحظ بالشهرة التي يستحقّها. وجد الكاتب أهميَّة لتخليدها الشخصيّة، وسرد الأحداث عنها. تتمحور الرواية حول حياة "علي" وهو رجل فلسطيني الجنسيّة، في زمن الانتداب البريطاني، كان شابّا مشاكسا مناهضا للانتداب، وثائرا وطنيّا، ممّا استدعى الشرطة البريطانيّة الى سجنه، ومن ثمّ نفيه الى اسبانيا. اختار عليّ أن يحارب الظلم، وتحقيق العدالة عن طريق انتسابه لجمعيّة الفكر القومي؛ في الحزب الشيوعي، حارب مع المحاربين، حتَّى قُتل ودُفن في اسبانيا مع المحاربين من دول مختلفة. - اتسم أسلوب الكاتب بالتشويق واستخدام أسلوب الكتابة الرجوع إلى الوراء- فلاش باك- Flash back- للرواية، خاصّة في النصف الأوّل من الرواية، عندما تحدّث الكاتب عن السيرة الذَاتيّة لبطل الرواية، وعن الأماكن التي أحبّها من فلسطين، مع استرجاع ذكريات الطفولة الشقيّة، ووصف الأماكن، والمواقع في وطنه بصورة بهيّة؛ كما واسترجع الشخصيّات التي أحاطت به، وكانت لها تأثير على مشاعره. - هذا الأسلوب يعتبر أسلوبا مميّزا في سرد الأحداث؛ واستخدم لغة فصحى ذات السهل الممتنع؛ تتناسب مع سرد الاحداث ووقعها في السياق؛ كما واستخدم عبارات باللهجة العامّيّة أحيانا ممّا أضفى جمالا وتشويقا، للانسجام مع الأحداث المرويّة، وفقا للمُتحدّثين وتنسجم مع شخصيّات الرواية. - تبدو الرواية محبكة من ناحية القالب الفني، من تسلسل الأحداث، وتحريك الشخصيّات المحوريّة، والتركيز على شخصيّة البطل "علي"، ممّا زاد التشويق للرواية، استعمال الوصف الجميل، والمحسّنات البديعيّة؛ وتوظيف الأماكن الجغرافيّة الفلسطينيّة، ومواقعها بصورة دقيقة ومتقنة؛ إلا أنني أرى المبالغة في ذكر الأماكن بكثرة وزجّها بكثافة داخل النص. - استخدم الروائي ضمير "الأنا"، حيث سرد الروائي أحداث الرواية على لسان بطل الرواية، ممّا أضفى مصداقيّة وتشويقا، للاستمتاع بالقراءة؛ إلا أن شخصيّة الراوي اختفت أي شخصيَّة البطل علي، بعد استشهاده بالحرب، وانتدب عنه الراوي أحد المحاربين أصدقاء البطل صفحة 317- 318؛ إلا أن صوت الروائي ظهر وتدخَّل في نهاية الرواية، متحدّثا بصوت الغائب، عن البطل "علي" صفحة 326- 347. اختار الروائي هذا الصوت؛ ليثبت للقارئ حول حقيقة وجود شخصيّة علي البطل؛ شعاره " إنَّني متطوّع عربي، جئت لأدافع عن الحريَّة في مدريد.. وعن دمشق في وادي الحجارة.. وعن القدس في قرطبة.. وعن بغداد في طليطلة.. وعن القاهرة في قادس.. وعن تطوان في بورغوس.. جئنا إلى هنا كي نحسّن شروط حياتنا. حياة جميع البشريّة، لنحارب الفاشيّة وننتصر عليها.". - يبدو أنَّ الروائي اجتهد ، وبحث وقرأ، واستقصى حول شخصيّة علي، المكنّى تحت اسم مستعار "ابراهيموف" في الأرشيف السوفياتي، وتحقَّق من وجوده بهذا الكون، كما تحقّق من مكان ضريحه في مدينة البسيط في أسبانيا. - نجح الروائي حسين ياسين، في تقديم شخصيّة بطوليّة، كانت مطمورة في بطن التاريخ، ونفض الغبار عن مكنوناتها، لدرجة تجعل القارئ متماهيا مع شخصيّة البطل، وخلق حب الاستطلاع لدى القرّاء للبحث عن هذه الشخصيّة، وتكريمها بما تستحق بل أكثر. - السؤال الذي يطرح نفسه، ويظلّ محط تفكير قارئي الرواية، وخاصّة العرب والفلسطينيين على حد التعبير؛ هل فعلا نرى الفلسطيني بشخصيّة علي البطل، محاربا ومضحيّا لأجل تحرير العدالة المنشودة لفلسطين؛ وللأمة العربيّة؟ خاصّة التضحية في اسبانيا، التي خرج منها العرب مهزومين (الموركسيون)، المسلمون الذين تمَّ مطاردتهم وتعذيبهم، وتنصّرهم، وملاحقتهم، وطردهم بعد سقوط الأندلس عام 1492، وتمّت ملاحقتهم من محاكم التفتيش، وحكمهم دام قرابة الثماني مئة عاما؟ ألا يوجد تضارب في هذا الطرح حول موقع البطولة؟


وقالت نزهة أبو غوش:


ماذا أراد الكاتب ياسين أن يقول في روايته؟


شرّع الكاتب الفلسطيني، حسين ياسين روايته على أبواب التّاريخ الفلسطيني منذ عام ألف وتسع مئة وستة وثلاثين؛ حتى نهاية١٩٣٩. نبش في أعماق التّاريخ عن أبطال فلسطينيين غيّبهم التّاريخ، أبطال اشتركوا في النّضال في حرب أُمميّة ضد الفاشيّة. ساروا طواعية نحو اسبانيا ليحاربوا هناك مع الانسانيّة. في روايته أراد أن يقول الكاتب لقارئه في كلّ مكان في هذا العالم إِنّ ( إِنسانيّتنا) كعرب وكفلسطينيين واضحة وضوح الشّمس، قال بأنّنا تطوّعنا للحرب الانسانيّة، ولسنا ارهابيين كما تدّعون. قال إِنّنا شعب في داخله قناعات عميقة بالحريّة والعدالة؛ ومن أجلها ضحّينا بأرواحنا على أرض اسبانيا. حاربنا الفاشيّة الايطاليّة، والنّازيّة الألمانيّة؛ وانتصرنا. من خلال أحداث الرّواية، أنار لي الكاتب كقارئة متلهّفة لتلك الأحداث مفاهيم كنّت أجهلها، أو فهمتها بشكل سطحيّ؛ تلك هي مفهوم "الرّفيق" الرّفيق السّياسي، الرّفيق الاجتماعي، الرّفيق الصّديق والانتماء لحزب الدولة الاشتراكيّة السّوفييتيّة الفتيّة، يحملون هدفا واحدا وفكرا نضاليّا واحدا، يعمل الفرد؛ من أجل الكلّ، ويعمل الكلّ من أجل الفرد؛ يحاربون عدوّهم، البرجوازية العالميّة. فهمت لماذا تجمّع شبابنا الفلسطينيّ بعد زمن الثّلاثينيّات حول تلك الفئة؟ ولماذا صار الانتماء للاشتراكيّة هدفهم؛ حيث كانت قناعتهم قويّة بأنّهم يستندون إِلى (حائط قويّ)؛ من أجل الوصول إِلى حريّتهم واستقلالهم من المحتلّ الانجليزيّ في ذلك الوقت. حرّك الكاتب ياسين شخصيّاته الرّوائيّة بشكل سلس حتى أدخلنا من خلالها إِلى عالم الحرب، وعالم الحبّ، وعالم النّضال والثّورة؛ من أجل العدالة والانسانيّة. شخصّيّة عليّ بطل الرّواية، هي الشّخصية المحوريّة في الرّواية، تحرّكت منذ أوّل فقرة، حتى آخر فقرة في الرّوايّة. عرف الكاتب كيف يقنع القارئ بتلك الشّخصيّة الفلسطينيّة الحقيقيّة، لقد أعطاها الكثير من خياله وعاطفته الجيّاشة. جعلنا نعيش معه الحبّ والكره والخذلان. عشنا الحرب الأهلية الاسبانيّة البشعة، وغرقنا بدماء الأبرياء. حزنا وبكينا. أدخلتنا لغة الكاتب ووصفه الدّقيق لواقعة الحرب الاسبانيّة (الانسانيّة) إِلى صميم المعركة. لدى الكاتب حسين ياسين القدرة على اقناع القارئ بفلسفته، وقناعاته من خلال شخصيّاته، وخاصّة شخصيّة البطل: عندما سأله المسؤول في اتّحاد النقابة الفرنسي: - لماذا لا تناضل في وطنك ضدّ المستعمر البريطاني؟ أجاب: " كلّ ساحة للنّضال هي ساحة شرف. الآن ساحة النّضال في اسبانيا" ص 244. ("أُكتبوا على قبري: مات انسانا" تلك وصيّتي ) ص231. كانت قناعته بأنّ الانتقام العادل هو فعل إِنسانيّ، " قال والدي: "إِنّ ديّة الشّهيد وطنٌ حرّ" رأى بأنّ الثّائر دائما أخلاقه عدالة وإِنسانيّة؛ لذلك كان بطله إِنسانا ثائرا ضد الظّلم، وضدّ الاحتلال. عشنا معه الحراك الشّعبي في فلسطين كلّها. عشنا الغضب والثّورة، في يافا والقدس وعكّا وباقي فلسطين؛ إِثر اعدام الشّهداء الثّلاثة – محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزّير- في سجن عكّا عام 1930م. إِنّ التحاق عليّ بطل روايتنا والمشاركة في الحرب الاسبانيّة تبدو للوهلة الأولى وكأنّها هروب أو تهرّب من مسؤوليّته تجاه الوطن، لكنّه عبّر عن نفسه وبكلّ خطوة من خطواته بأنّ خيطا متينا يربطه بوطنه الأُمّ فلسطين. يقول ردًا على زميل مقاتل معه في صفحة 262: "تذكّر ما جئنا الى هنا كي نموت، في بلادنا متّسع لقبورنا، بل جئنا لنحسّن ظروفنا". المرأة كانت حاضرة في الرّواية بصورتها الأحسن دائمًا، فهي الصّديقة والرّفيقة والحبيبة، والأُم. فهو رغم ابتعاد والدته عنه مرغمة، وصفها بالأُمّ العميقة الاحساس والمشاعر، ووصف مشاعره نحوها بكلمات تثير عاطفة القارئ، وقال بأنّ للأُمّ سطوة رهيبة على المشاعر والرّوح، لا نعرف تفسيرها. لغة الرّواية سلسة متينة وعميقة. رغم كبر حجم الرّواية – 347- فلم نجد هناك حشوا لغويّا ولا تكرارا، وكلّ جملة أو عبارة خدمت النّصّ الأدبي بشكل متقن، وأعطت الأحداث والمواقف حقّها؛ سواء كانت أحداث ومواقف حرب أو حبّ أو مواقف أُخرى غيرها. يقول الرّاوي – مثلا - في صفحة 191 بعد بلوغه حوالي الثلاثين من عمره، ولأوّل مرّة يرى والدته: " أقف أمام أُمّي، وقد استضاءت عتمة عمري، أتنشّق للمرّة الأولى عبيرا صامتا من أُنوثة قديمة خصبة حنونة لكنّها مقهورة." كثرت في لغته الاستعارات والتّشبيهات وفي كثير من الفقرات تشابهت باللغة الشّعريّة المحبّبة. استطاع الكاتب حسين ياسين أن يدمج في روايته ( عليّ)الأحداث الواقعيّة بالخيال، بطريقة ابداعيّة لم يستطع القارئ أن يفصل ما بينها بسهولة. البناء الفنّي للرواية: قسّم الكاتب روايته إلى عدّة فصول تحت عناوين مختلفة ثمّ فصول فرعيّة مرقّمة ترقيما تسلسليّا أتاحت سهولة تتبّع قراءة الرّواية. اعتمد الكاتب على راوٍ واحد وهو بطل الرّواية نفسه – عليّ- الّذي استطاع أن يعبّر عن دواخله النّفسيّة ومكنوناته وأعماقه الفلسفيّة بشكل واضح تماما؛ ربّما كان هذا على حساب كشف بواطن وأعماق الشّخصيّات الأُخرى في الرّواية. أسلوب الاسترجاع الّذي استخدمه الكاتب أتاح له أن يعبّر عن الماضي بالوقت الحاضر وأن يدمج ما بين الأحداث ويقارن أحيانا ما بينها، حيث استطاع مثلا أن يتحدّث عن فلسطين وجغرافيّتها وتاريخها وحربها مع المحتلّ الانجليزي؛ وجمالها الخلّاب وهو وسط الحرب الاسبانيّة وحربه ضدّ الفاشيّة.


وكتب سامي قرة:


ثمّة روايات نقرأها ولا نلبث بعد الانتهاء من قراءتها أن ننتقل من عالم الخيال الذي نختبره في الرواية إلى عالم الواقع الذي نعيشه وكأن شيئًا لم يكن؛ وعلى العكس من ذلك، هنالك روايات تترك فينا أثرًا عاطفيًا وفكريًا قد يغيّر من مفهومنا للحياة، ويساعدنا على تعميق تجاربنا وتوسيع مداركنا. وهذا في نظري من أهم صفات الأدب الجيد، وهذا ما نجده أيضًا في رواية علي: قصة رجل مستقيم مما جعلها تصل إلى القائمة الطويلة في القائمة العالمية للرواية العربية "البوكر". يصف الدكتور سمير الخطيب الرواية في مقالته بعنوان "عليّ: قصة رجل مستقيم" الصادرة في دنيا الوطن بتاريخ 19 آب 2017 بأنها عمل مُبدع ورائع.


للرواية أبعاد ملحمّية. أولا، تتحدث الرواية عن قضية عالمية في غاية الأهمية تخص كل إنسان في كل زمان ومكان، هي قضية الحرية والعدالة؛ ثانيًا، اللغة جاءت روائية متماسكة ومبدعة، وكما تقول الدكتورة رباب القاسم سرحان في مداخلتها عن الرواية أثناء حفل إشهار وتوقيع الرواية الذي دعا إليه نادي حيفا الثقافي في 17 تموز 2017، إنفردت الرواية "بلغة مميزة سلسة شعرية مطعمة باللهجة الفلسطينية"؛ ثالثا، تركّز الرواية على شخصية رئيسية واحدة هي شخصية عليّ المغامر الجريء المؤمن بقضيته، ولكن على عكس أبطال الملاحم التقليدية لا يتميز عليّ بأي صفات بطولية خارقة للطبيعة ولا يقوم بأعمال أسطورية، بل هو رجل عاديّ بسيط يعيش يتيمًا ويعمل في الحقل وينضّم لاحقا في صفوف الحزب الشيوعي، ويقاوم الاحتلال البريطاني والصهيوني ثمّ يرحل إلى أسبانيا كي يتطوع للمحاربة في الحرب الأهلية الأسبانية. أخيرًا، تتميز الرواية باحتوائها على الكثير من الأحداث والشخصيات واتساع المساحة الجغرافية التي تدور فيها الأحداث. هكذا يصف الناقد الدكتور رياض كامل عالم رواية عليّ: قصة رجل مستقيم في مقالته بعنوان "الراوي، الوصف وعملية الإيهام بالواقع" الصادرة في مجلة صوت العروبة بتاريخ 8 نيسان 2018: "عالم الرواية واسع ورحب، يشمل أحداثا وشخصيات متنوعة، فضلا عن اتساع رقعة الأمكنة في الداخل الفلسطيني وفي الغربة، وامتداد مساحة الزمن من سن الطفولة فالشباب حتى الثلاثينات من عمر الشخصية المركزية". ويضيف الدكتور سمير الخطيب: "الرواية غنيّة بالمواقف الرومانسية والمواقف البطولية ووصف دقيق للجغرافيا التاريخية والأحداث السياسية ... وتفتح الكثير من المواضيع التي بحاجة إلى دراسة معمّقة".


أهمية الرواية


ما يشهد على أهمية الرواية الكمّ الكبير من المقالات النقدية التي تنطوي على تحليل أدبي وسياسي وحزبي لمحتوى الرواية، وتقييم شكليّ لمواطن القوة والضعف فيها. ولا بدّ من الإشارة في هذا الصدد إلى أن هنالك اتفاقا عاما بين أغلبية النقاد على أن أهم ما تتسم به الرواية هو أنها تتحدث عن شاب فلسطيني، شارك في الحرب الأهلية الأسبانية بعد طرده من وطنه عقب رحلة كفاح مريرة ضد المستعمرين البريطانيين والاحتلال الصهيوني لفلسطين. وفي الحقيقة، هذا ما أدى بالأستاذ حسين ياسين إلى كتابة روايته، فقد اكتشف مصادفة أن عليّ عبد الخالق بطل روايته حارب في أسبانيا وقُتل ودُفن فيها. تكشف الكاتبة بديعة زيدان في مقالة لها بعنوان "حسين ياسين ... ورحلة البحث عن عليّ " تمّ نشرها في جريدة الأيام بتاريخ 30 كانون ثاني 2018 كيف عثر المؤلف على معلومات عن عليّ: "قبل خمس سنوات، قرأ ياسين كتابًا للمؤرخ الألماني هارت هوب، عميد كلية التاريخ في لايبزيغ، يتحدث عن فلسطينيين إثنين أحدهما عليّ، والثاني فوزي قُتلوا ودُفنوا في أسبانيا خلال مشاركتهم في الحرب. وقال: بدأت البحث ... فتوجهت لأرشيف الحزب الشيوعي، ولم أعثر على شيء لا في هذه الأرشيفات ولا لدى كبار الس،. في العام 2016 صدرت مذكرات محمود المغربي وحرّرها ماهر الشريف، وتضمنت سطرًا حول علي ... وهنا الحديث عن شخص يُدعى علي عبد الخالق، وبعدها صدرت مذكرات نجاتي صدقي، وأشارت إلى أن عليًا كان عضو لجنة مركزية في الحزب الشيوعي حارب وقُتل ودُفن في أسبانيا. توجهت إلى المراجع العبرية، فوجدت 23 مرجعًا حول الحرب الأهلية الأسبانية، وفيها عثرت على اسمه وصورته، وبدأت الكتابة."


تكمن أهمية الرواية أصلا في أنها تسلّط الضوء على شخصية شاب عاش في النصف الأول من القرن الماضي، حارب في أسبانيا لكنه لم يترك خلفه أي أثر عن الحرب، على عكس الكثيرين من قوميات أخرى ممن شاركوا في الحرب، ولهذا السبب طواه النسيان، ولم يحظ إلا بذكر ضئيل ونادر في بعض الكتب، إلى أن اكتشفه مصادفة الكاتب حسين ياسين وقدّمه للقارئ العربي. عندما سُئل الكاتب حسين ياسين في مقابلة ضمن برنامج "صباحنا غير" في أيلول 2017 عن تغييب شخصيات عربية مثل عليّ في كتب التاريخ، أجاب: أن العرب لم يكتبوا أبدًا عن الحرب الأهلية الأسبانية، ولذلك تمّ تغييب دور المحاربين العرب الذين تطوّعوا في الحرب، يقول الكاتب بامتعاض: "هناك نقص فينا، خلل في المؤسسة الفكرية العربية".


إضافة إلى ما سبق، تكتسب رواية "عليّ: قصة رجل مستقيم" أهمية خاصة لأنها تتحدث عن حقبة حرجة في تاريخ فلسطين أوائل القرن العشرين، حيث يعالج الكاتب الوضع الفلسطيني خلال فترة زمنية تراوحت ما بين ثورة البراق عام 1929 وما بين مقتل عليّ في آذار عام 1938. تزخر الرواية بالأحداث السياسية، وفي نفس الوقت تقدّم صورة حيّة عن الحياة الاجتماعية الفلسطينية في ذلك الوقت، فضلا عن ذلك، تتناول الرواية العلاقة ما بين الحزب الشيوعي الفلسطيني عربًا ويهودًا وعلاقة الإثنين مع الحركة الوطنية الفلسطينية ومع الحركة الصهيونية، وهذا "موضوع لم يسبق التطرق إليه"، يقول الكاتب حسين ياسين.


علي رجل المبادئ


تشكل المبادئ خارطة الطريق لسلوك الإنسان، ومن الواضح أن الدافع وراء تصرفات وأفعال عليّ هو مبدأ الحرية والاستقلال والعدالة للجميع. يقول عليّ: "الدنيا سياسة سلاحها مبادئ وعقيدة" (ص 44). وهذا في الواقع ما يجعله رجلا مستقيمًا. وكان عليّ يؤمن بأنه "لا يوجد شعب واحد على وجه البسيطة يمكن أن يرضى بغير الحرية" (ص 53). عزاؤه في من وراء تطوعه في الحرب الأسبانية أنه يخدم "قضية عادلة"، وهو يؤمن "بعدالة النضال"، وأن الحرب الأسبانية ستظل نبراسًا وقدوة لكل انصار الحرية" (ص 298).


يؤمن عليّ أن رسالة الحزب الشيوعي الذي ينتمي له هي تحقيق العدالة والحرية ليس فقط في فلسطين، بل في أيّ مكان آخر من العالم، ولهذا السبب هو لم يمانع في أن يذهب إلى أسبانيا، ويلتحق بالألوية الأممية كي يقاتل إلى جانب الجمهوريين ضد القوميين. وبعد انضمامه إلى الحزب يشعر بسعادة كبرى وأن أمانيه للمساهمة في تحقيق الحرية والعدالة سوف تتحقق، ولذلك نراه ينخرط في الحركة الوطنية والنضال السياسي ضد المستعمر البريطاني في فلسطين، فتارة يشارك في المظاهرات ويعلّق الملصقات ويقرأ كتابات ماركس ولينين، وتارة أخرى يتضامن مع العمال والفلاحين. يقول عليّ مزهوًا بنفسه: "مساهمتي في النضال تتكثف، دخلت النضال من أوسع أبوابه، ما فاتني شيء من الفعاليات الوطنية" (ص 80).


في القدس تُلقي السلطات البريطانية بالتعاون من اليشوف القبض على عليّ، وتقوم بترحيله إلى أسبانيا، يُرحّب علي بفكرة ترحيله إلى أسبانيا؛ لأن المعركة من اجل العدل والحرية والسلام هي معركة عالمية وإنسانية، هي معركة "بين قوى الظلام وأنصار الحرية، بالنسبة للثائر، كل جبهة ضد الظلم هي جبهة نضال عادل" (ص 236). ويتساءل بعض النقاد أليس من باب أولى أن يبقى عليّ في فلسطين للنضال ضد الاستعمار البريطاني والصهيوني؟ على سبيل المثال، في مقالته "نوستالجيا شيوعية نمطية" الصادرة في مجلة فلسطين ultra الإلكترونية بتاريخ 18 شباط 2018 يتهم الباحث عز الدين التميمي الكاتب حسين ياسين بانشغاله "بمحاولة تجاوز التناقض الفجّ في فكرة ترك الصراع الفلسطيني البريطاني الصهيوني والالتحاق بمعركة على أرض أخرى". لكن من وجهة نظري لا أعتقد أن هنالك أيّ تناقض وذلك لسببين هما:


السبب الأول: هو أن عليّ يُجبر من جانب قوات الاستعمار البريطاني والصهيوني على الرحيل والتهجير من فلسطين إلى أسبانيا والحصول على موافقة حزبه للذهاب إليها، فلم يكن لديه أيّ خيار آخر في ذلك. يقول عليّ: "فراق الوطن صعب! التهجير، صعب. لو تطوعت بمحض إرادتي، لو كان وطني ينعم بالحرية، لكان الأمر أهون وأبهج" (ص 241).


والسبب الثاني هو أن عليّ لم يتخلّ عن مبدئه لتحقيق العدل والحرية، وما لم يتمكن من تحقيقه في فلسطين يحاول تحقيقه في أسبانيا. يقول عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل في كتابه البحث عن معنى الحياة بانه يمكن حرمان الإنسان من كل شيء عدا شيئًا واحدًا هو حرية اختياره للطريق الذي يسلكه، بصرف النظر عن المكان والزمان. فالمبدأ هو الدافع الذي يذهب عليّ من أجله إلى اسبانيا، أمّا المكان وأمّا الجغرافيا فما هما سوى المسرح الذي يؤدي فيه علي دور المناضل المؤمن بقضيته.


بخلاف الصراع في فلسطين الذي هو أصلا صراع على الأرض، كانت الحرب الأهلية الأسبانية (1936-1939) بالدرجة الأولى حربا ايديولوجية أو فكرية. بدأت الحرب عام 1936 عندما قام القوميون المؤيدون للفاشية بقيادة الجنرال فرانسيسكو فرانكو؟ن وبتشجيع من الكنيسة الكاثوليكية والطبقة الأرستقراطية بالتمرد على الحكومة الائتلافية ذات الميول الاشتراكية، والتي وصلت إلى الحكم نتيجة انتخابات ديمقراطية. وفي تلك الفترة (الثلاثنيات والأربعينيات من القرن الماضي) كانت دول العالم تعاني من الكساد الكبير نتيجة الأزمة الاقتصادية التي عصفت بها؛ مما أدى إلى زعزعة ثقة الكثيرين بجدوى النظام الرأسمالي والسوق الحرة، ولذلك بدا للكثيرين أن الاشتراكية القومية والشيوعية توفران بدائل للرأسمالية، وأصبحت اسبانيا ساحة معركة بالوكالة حيث كان بالإمكان اختبار هذه الإيديولوجيات عسكريا.

 

 

كان ذهاب عليّ إلى أسبانيا والتطوع في الحرب الأسبانية اختبارا لإيمانه بالاشتراكية الشيوعية ومدى إمكانية تحقيقها للعدالة والحرية. يقول عليّ: "إنني متطوع عربي ]فلسطيني[ جئت لأدافع عن الحرية في مدريد" (ص 270). ولأن الحرب الأهلية الأسبانية كانت في الأصل والجوهر حربا أيديولوجية فكرية فقد جذبت العديد من المتطوعين بلغ عددهم بحسب المصادر المختلفة نحو 40 ألفا من أكثر من 56 قومية، ومن ضمنهم كان المفكرون والأدباء الذين شعروا وآمنوا بضرورة تصوير الحرب وتمثيلها فنيا وأدبيا. أذكر على سبيل المثال الكاتب البريطاني جورج أوريل الذي قدّم شهادة حيّة عن تجربته في الحرب في كتابه "الولاء لكتالونيا"، والذي يقابله عليّ في مدريد ويصفه بأنه "طويل القامة، يبدو عليه الوقار، لغته إنجليزية ... لاحقا عرفت أنه الكاتب البريطاني، جورج أورويل" (ص 247). وأيضا الكاتب الأمريكي إرنست همينجوي الذي كتب روايته الشهيرة "لمن تقرع الأجراس" وفيها يسرد قصة الشاب الأمريكي روبرت جوردن الذي ينضم إلى صفوف الألوية الأممية إبان الحرب الأهلية الأسبانية. مثل أورويل وهمنجواي، ينضم عليّ إلى صفوف المقاتلين الأمميّن في الحرب الأهلية الأسبانية بوصفه رجل مبادئ يؤمن بالحرية والعدالة.


علي والتاريخ


لم يترك علي أي أثر عن مشاركته في الحرب الأهلية الأسبانية، لذلك لا نعرف بالتفصيل عن طبيعة نضاله في أسبانيا، كما أن المؤرخ الألماني هارت هوب لا يتحدث إلا بشكل عابر عن فلسطينيين إثنين هما عليّ وفوزي اللذين قُتلا ودُفنا في أسبانيا. ويرد اسم عليّ أيضا في مذكرات محمود المغربي ونجاتي صدقي وبعض المراجع العبرية التي لجأ إليها الكاتب حسين ياسين أثناء بحثه. وبكلمات الكاتب حسين ياسين: "فالهيكل العظمي (علي) حقيقي ... بينما بقية التفاصيل خيالية". ومن منظور الدكتور عادل سمارة في مقالة له بعنوان "قراءة في رواية عليّ قصة رجل مستقيم" صدرت في مجلة كنعان الإلكترونية بتاريخ 25 أيار 201: "ليس الأدب، ولا سيما الروائي، بالعمل التاريخي الموثق واقعيا. ولكن، هل من قبيل المبالغة القول بأن الأدب حاضنة فضفاضة مرنة للتاريخ الذي هو نفسه حاضنة الوجود البشري"؟ وعليه لا يمكننا اعتبار رواية عليّ: قصة رجل شجاع على أنها رواية تتمتع بمصداقية تاريخية لأن الأحداث سواء في فلسطين أو في أسبانيا هي من نسيج خيال المؤلف، وهي محدودة زمانيا ومكانيا. من ناحية أخرى، لا بد من الإشادة بالكاتب حسين ياسين لأنه أبدع في التحرر من قيود الكتابة التاريخية وأطلق العنان لخياله، وبالفعل أنتج عملا أدبيا عن حقبة تاريخية وحدث تاريخي بالغ الأهمية لطالما تمّ تجاهله من جانب المؤرخين والكتاب العرب.


يعرض الكاتب لمحة خيالية موجزة عن مجريات الحرب كما يرويها بطلها عليّ. فنرى عليّ يحارب ويأسر الجنود، ويحقق معهم ويُطلق الرصاص ويُصاب وفي النهاية يُقتل. وقد نجح المؤلف في تصوير أحداث الحرب بواقعها الأليم، فنقرأ مثلا: "كأننا حمم خرجت من بركان، أو سهام تطايرت. نطلق الرصاص ونعدو نحو العدو. نقذف القنابل ونعدو نحو العدو" (ص 317-318). يقضي عليّ نحو سنتين في أسبانيا يحارب في صفوف الجمهوريين وبالتحديد من تشرين أول 1936 حتى إصابته واستشهاده في 17 آذار 1938.


موقف عليّ من الحرب


يرى عليّ أن الحرب تعكس صورة مصغرّة لكارثة إنسانية عالمية، وهذه الكارثة يختبرها عليّ في خضم الحرب الأسبانية بين القتلى والجرحى والدمار. الحرب في نظره مأساة عالمية: "في الحرب يهجرك الإنساني ... عندما يصبح محيطك أجساما ممزقة وبقايا بشرية، لا تعود تقوى على الإيمان بشيء. الحرب آلة جهنمية تذيب العقل وصفاء الضمير ... لم أتصّور أن الموت، الذي يمثل الشيء الأكثر استثنائية وخرقا للمألوف في حياة الإنسان، يصبح الشيء الوحيد المنهجي والمألوف. لا شك أن الحرب هي خطيئة الله على الأرض" (ص 312).


يُبدي عليّ تعاطفا ورحمة مع ضحايا الحرب وضحايا العنف. يصف عليّ موت طفلة بأسلوب شعري يزخر بالعاطفة الصادقة: "رصاصة شاردة شقت صدر فتاة صغيرة، سال الدم عللى فستانها الأبيض، سقطت من يدها لعبتها الصغيرة وانكسرت على رصيف الشارع، زعيق الأمّ يتردد في أذن السامعين، أخذت ابنتها ولاذت في البيت، يركض خلفها طبيب الكتيبة، يُصدر شهادة وفاة للطفلة الصغيرة، ما ذنب الصغار في لعبة الكبار"؟ (ص 273). مثل هذا الوصف يخلق تفاعلا قويا بين القارئ والنص، ويؤدي بالقارئ إلى خوض نفس التجربة التي يخوضها عليّ ولكن ليس واقعيا بل خياليا.


لم يكن عليّ يعلم قبل وصوله إلى اسبانيا والتطوع في الحرب ماذا يتوقع أو ماذا سيحدث له. فقد كان مدفوعا بمثاليات ومبادئ آمن بها وورثها عن الحزب الشيوعي الذي ينتمي له. ومما لاشك فيه أنه صُدم من هول ما شاهده واختبره في الحرب الأسبانية على الرغم من تجربته النضالية الطويلة والواسعة في فلسطين. هكذا يصف عليّ شعوره بعد إطلاق أول رصاصة من بندقيته نحو جندي فاشي: "تلك كانت أول مرّة في حياتي أوجه فيها بندقيتي نحو إنسان، نحو رأس جندي فاشي، تسارعت دقات قلبي، ضجيج حاد في الأذنين، علا لهاثي ... الشعور بأنني اقتل إنسانا أقلقني جدا، عرق غزير فاض من جميع مسامات جسدي.، أغرق في عرق لزج" (ص 274). يؤمن عليّ أن الحرب هي النقيض التام للإنسانية والحياة: "يا إلهي! لا أريد أعداء، أحب الكل، أحب الإنسان. أحب الحياة" (ص 283). ويرى عليّ أيضا أن الحرب تملأ الإنسان بالوحشية والحقد: "الحرب تفعل بي مثلما تفعل النار بالهشيم، تجردني من إنسانيتي، ينتصر الوحشي في داخلي. أمتلئ غيظا وحقدا وعدوانية، يا إلهي! لا يزال الحب أجمل من الكراهية، والحياة أشرف من الموت ... (ص 284). لكن عزاءه الوحيد أنه في الحرب الأسبانية "نخدم قضية عادلة" (ص 298). يناضل عليّ كي يُبقي مشاعره الإنسانية حيّة مشتعلة وسط القتل والدمار والدماء الغزيرة: "الحرب تعطيل الحواسّ وإخراج الإنساني من الإنسان" (ص 312-313).


خلاصة


المبادئ تغيّر التاريخ وليس الإنسان؛ لأن الإنسان يزول وتبقى المبادئ، فبعد وفاة عليّ بحوالي ثمانين عاما ما يزال الإنسان عامة والإنسان الفلسطيني خاصة يكافح من أجل الحرية والعدل والسلام، في عالم معاصر تكاد تفقد فيه هذه المبادئ جوهر معناها. يعلمنا عليّ أنه مهما بلغت الصعاب والتحديات ومهما كان الثمن الذي ندفعه فإنه علينا دائما الالتزام بالمبادئ الإنسانية في كل مكان وزمان، ويعلمنا عليّ أيضا درسا هامّا هو أن وطن الإنسان ليس قطعة من الأرض، بل هو المبدأ الذي نؤمن به، وأن الوطنية الحقيقية هي الولاء والإخلاص لذلك المبدأ.


وقال عبدالله دعيس:


يتساءل القارئ بعد أن ينهي هذه الملحمة التاريخيّة الممتعة، هل كان عليّ رجلا مستقيما؟ وما هي الاستقامة التي يقصدها الكاتب؟ قد تختلف الآراء في ذلك، لكن لا شكّ أنّ هذه السيرة أضاءت جانبا مبهما من تاريخ الشعب الفلسطينيّ، وعرّجت على كثير من الأحداث، من زاوية ربما تكون مغايرة لما نقرأ بالعادة، وعرضت جانبا مختلفا للعلاقة مع الآخر، أقصد اليهوديّ الذي ارتحل إلى فلسطين، حاملا ما أراد أن يحمل من الأفكار، إلا أنّها جميعها تصغر أمام فكرة الصهيونيّة والاستحواذ على أراضي الآخرين، فيطوّع هذه الأفكار ليبرّر استيطانه في وطن المستضعفين الذين قد يرفع شعار العمل معهم من أجل خير البشريّة. كذلك يظهر زيف من يرفع شعار الحريّة للشعوب، بينما هو يذلّ ويبيد شعوبا بأكملها، ويحطم إنسانيّة الإنسان الذي من أجل حريّته رفع شعار الثورة. تناقضات كثيرة تبرز من خلال هذه الرّواية، تجعل القارئ يمعن النظر في كثير من الأحداث التاريخية التي سمع عنها، وينظر لها من زاوية جديدة، ويعيد فهمها من جديد.


يستلهم الكاتب حسين ياسين أحداث روايته من قصة رجل فلسطينيّ اسمه علي عبد الخالق، عاش يتيما في إحدى قرى القدس في أوائل القرن الماضي، ليتمرّد على واقعه ويترك قريته ليصبح ناشطا في الحزب الشيوعيّ الذي كان يقوده اليهود الذين يدّعون الاشتراكيّة والمساواة بين الخلق، بينما يسيرون في ركب قوى الاستعمار، ويعيشون في فلسطين تحت ظلّ الصهيونيّة التي استباحتها ووهبتها للغرباء بحماية قوى الرأسماليّة والإمبرياليّة. يسافر إلى موسكو ليتلقى التعليم الحزبيّ، ليجد هناك واقعا مغايرا لما كان يتخيّله من عدالة ومساواة، ويقع في حيرة كبيرة، تدفعه للعودة إلى وطنه لينضوي تحت راية النضال ضد الإنجليز والصهاينة، ثمّ يُنفى إلى إسبانيا، ليتطوّع في الحرب الأهليّة الإسبانيّة ويقاتل ضدّ الفاشيّة، نصرة للمستضعفين والمظلومين، ليجد التناقضات أيضا هناك في صفوف المقاتلين، الذين قد يمارسون أحيانا ظلما يفوق ظلم مضطهدهم، لكنّه يقاتل بشجاعة حتّى يقتل هناك بعيدا عن وطنه.


هذه المعلومات القليلة المعروفة عن هذه الشخصيّة الحقيقيّة، يغلّفها الكاتب بكثير من الخيال الواقعي، ويحمّلها كثيرا من الأفكار، ويُنطقها بكثير من الأقوال، ربما بالغ بها متأثرا بانتماء حزبيّ أو عقائديّ شخصيّ، فحمّل ما يدور في ذهنه من أفكار لهذه الشخصيّة الحقيقية، وأضاف كثيرا من الأحداث الخياليّة، التي تبرز دور هذا الشخص، وتضعه في مصاف أبطال فلسطين الأحرار, لكنّها قد تشوّش صورته في أذهان البعض وتبعده عن كونه شخصيّة وطنيّة مناضلة.


وقد استخدم الكاتب أسلوب الاستطراد، ونجح بذلك في التوسّع في ذكر كثير من الأحداث في فلسطين وخارجها، وإعطاء صورة عن كثير من العادات الاجتماعيّة، وتبيان الثقافات المختلفة في بلدان عديدة، لكنّ هذا الاستطراد يشتّت القارئ أحيانا ويبعده عن جوهر الرواية وشخصيّتها الرئيسيّة. وأقحم الكاتب كثيرا من الأحداث التي فيها إيحاءات جنسيّة وألفاظ غير لائقة، كأحاديث النّساء في المخبز، ومغامرات عليّ الجنسيّة مع شخصيّات نسويّة مختلفة. شعرت أنّ هذه الحكايات كانت في كثير من الأحيان مقحمة وغير مبرّرة، وربما أساءت لشخصيّة عليّ، التي لا نعرف عنها الكثير، وهزت صورته كبطل في ذهن القارئ.


استخدم الكاتب اللهجات العامية المحكية للحوار، وهذا جيد ويعطي شيئا من الواقعيّة للأحداث ويوصل الأفكار بشكل أفضل، لكنّه بالغ في ذلك أحيانا حتّى تحوّل السرد إلى اللهجات المحليّة التي قد لا تكون مفهومة لبعض القرّاء. وقد تحدّث الكاتب عن كثير من الأماكن في الرّواية ووصفها وصفا دقيقا، فوصف القدس ويافا ونابلس وموسكو ومدريد ومدنا أخرى في إسبانيا، لكنّ الكاتب أخفى أسماء بعض القرى الفلسطينيّة وكنّهاها بأسماء أخرى، فمثلا استخدم اسم (باب الثنايا) بدل الجيب، لكنه ذكر رام الله والقدس ونابلس: أتساءل لماذا عمد الكاتب إلى ذلك، أم أنّ أسماء قرانا عورة؟


أخيرا، لا أستطيع إخفاء إعجابي بهذه الرواية، رغم تحفّظي على شيء من مضمونها، فهي مشوّقة جدا ومفيدة وتفتح آفاقا جديدة للقارئ، وتحثّه على إعادة التفكير في كثير من الأمور، وعلى مزيد من القراءة والاطلاع.


وقالت نزهة الرملاوي:


لن أخوض اليوم في بحر تميز رواية علي للكاتب حسين ياسين، لأن الرواية التي تصل لجائزة البوكر، تكون قد جمعت صفات عديدة متحدية، تحسب لصالح الرواية حتى تم اختيارها ضمن القائمة الطويلة. لقد عالج الكاتب في روايته العديد من الأفكار التي ارتبطت بالشخصيات والمساحة المكانية والزمانية، وتكمن أهميتها أنها عالجت فكرة جديدة تحمل في جعبتها العدالة والمساواة وحب التغيير نحو الأفضل مع مفارقة بين وجهات النظر اتجاه الأحداث. اتسمت الرواية بتشعب أحداثها مع عدم الإخلال بالأماكن والاحداث التاريخية التي كانت على الأرض. بالإضافة إلى تميز شخوص الرواية سواء الذين ساهموا بالحرب الأممية التي حدثت في اسبانيا، واشترك بها الالاف من جميع أنحاء العالم، من ضمنهم بضع أشخاص من الفلسطينيين الذين اعتنقوا مبادئ الشيوعية وخاضوا غمار الحرب ضد الفاشية، او الشخوص الثانوية التي كان لها الأثر الكبير في خدمة احداث الرواية وتسلسلها.

 

 

لقد تميز بطل الرواية علي بالتمرد والعصيان والثقافة مع انه لم يتمكن من إنهاء تعليمه الابتدائي، إلا انه من خلال الاستنتاجات وخوض التجربة الثورية والانخراط بالحزب الشيوعي لهذا القروي الذي كان يرعى أغنامه ويحمل نايه ليجمع قطيعه مع كلبه (مراد) في سفوح الجبال وخضرتها، لقد سلط الكاتب الضوء على واحد من المحاربين الشيوعيين ليروي قصته، لإحساسه أن الشيوعيين العرب همشوا أو أهملوا بالنسبة للشيوعيين اليهود، فأحس أن من واجبه التعريف ببطولات وشخصيات بعض المنتمين للحزب، فاختار شخصية علي كبطل مناضل من المناضلين الفلسطينيين لمقاتلة الأعداء في اسبانيا.

 

 

السؤال الذي يطرح نفسه ما مدى تأثير التشبع بالمبادئ الحزبية لدى علي وخوضه حربا أممية بعيدة عن الوطن الذي ينزف دما وثورة؟ اسلوب الكاتب أسلوب رائع في طرح الموضوع، فلم يتطرق أحد من الكتاب او المؤرخين لهؤلاء المقاتلين، وقد اختار (علي) وهو شخصية حقيقية اوقع عليها الكاتب الكثير من الأحداث التاريخية والمبادئ الحزبية التي لم يعرفها الجميع، بعد أن تقصى الحقائق وراء هذه الشخصية التي الهمته بعنادها وإصرارها، بحيث كان واضحا مدى اهتمامه باختيارها، فهذه الشخصية تنتمي لحزب الكاتب الذي يعتنقه، ويريد تعريف القراء بهذا الفصيل المهمل في فلسطين أثناء الانتداب البريطاني..

 

 

والسؤال الذي يطرح نفسه.. هل كان الدافع للقتال بجانب الاسبان ضد البريطانيين، لعدم تمكنه من القضاء عليهم في فلسطين؟ ام اختار الخروج بإرادته ليصب غضبه على ظلم الحكومات للبلاد التي استولوا عليها، وتذويت عقائده بالعدالة وحرية الانسان في أي مكان وإن كان خارج الوطن؟ الرواية ذات أبعاد انسانية واجتماعية وسياسية بامتياز. لقد امتازت الرواية بأفكار مترابطة مشوقة، ذات تسلسل تاريخي لحياة البطل والنضال الذي التزم به للعدالة التي حلم بها ..:اسلوبه في طرح العادات والتقاليد وجو القرية واللهجة المحكية والامثال الشعبية، مما اثرى الرواية.. لقد أبدع الكاتب بوصف الأماكن وتغنى بها، وقد أسهب في شرح التفاصيل دون أن نحس بالملل او الكلل، إذ لم يكن ذلك على حساب المعنى أو الخروج عن النص، فقد تطرق بوصفه للقدس وحيفا والكرمل والديرة التي نشأ بها بكل جمالية، فقد وصف القدس بعد ان عرف القارئ بالتغيير الجذري الذي اصاب الشارع الذي سار به الأنبياء وكيف يتجول به الان الكولنياليون والصيارفة والزناة، مع انها مدينة المجد والشموخ، فقال: القدس ام الفنون العتيقة والقصص السماوية لا تزال تنهش العبقرية، تجمع المدينة بين فتنة المعرفة وفتنة المرأة، فتأخذ الرغبة المطلقة للحرية شكل الفرار من كل شيء. كذلك وصف يافا وكأنها امرأة جسدها منحوت من عظم كنعان، وصف الغروب وكان الشمس مقتولة في كفن نحاسي تنحدر نحو الغرق. ص14 الألفاظ والكلمات التي استعملها الكاتب كانت سهلة بسبطة ومناسبة للأحداث وذات معان عميقة ودلالات قيمة..

 

 

يعتبر التدرج في الفترة التاريخية شاهدا حيا على انواع النضال والحركات التحررية في فترة الثلاثينيات كن القرن الماضي. تميزت الرواية بالواقعية المطعمة بالخيال والرومانسية، واللغة الشعرية، وهي في غاية الروعة والتألق. جاء وصف الاماكن والاشياء والاشخاص بدقة وجمالية، من خلال الكلمات والجمل، تطرق الكاتب الى موضوعات ومفاهيم وقيم اثناء صعوده على السفينة وانتظار وقت الرحيل، جاء بمفردات النضال والفاشية والنازية والوطن والرّفيق. تطرق الكاتب الى العمل الحركي وتمسك البطل بالمبادئ الشيوعية. ظهرت شخصية البطل بقوة في رفض الواقع والتمرد حتى في السجن عندما عذب وسجن عاريا لمدة 20 يوما في أبام الشتاء.. قوته جعلته مميزا في الحزب واختيارهم له ليقود حركة وطنية عربية للحزب الشيوعي،. حملت الرواية قضية العدالة..

 

 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل وجد البطل العدالة في بلاد الغرب كما تمنى؟ ولماذا لم يبق البطل في وطنه يقاتل في الزمن الذي كانت فيه تتنامى ثورة 36 .. مع أن علي دخل السّجن أكثر من مئة مرة؟ فهل طغت الحزبية والمبادئ الشيوعية التي نادت بالعدالة الانسانية التي حملها على القومية الوطنية؟ هل كان هروبا من واقع أجبر عليه أو اختاره؟ الكاتب نفى ذلك وقال على لسان البطل: انني اتطوع للحرب في اسبانيا ولا أفعل ذلك هربا من النضال القاسي الذي يخوضه شعبي الان، اسبانيا هي المكان الذي سندق فيه اوتاد خيمتنا في بحثنا عن مستقبل أفضل. ص 9 ربما لن يعرف علي وطنه إلا إذا غادره ص 15 رجل مستقيم.. ما الذي جعل الكاتب يميز البطل ويطلق عليه صفة الاستقامة وقد صادق الكثير من السيدات؟ بما ان الكاتب اختار شخصية حقيقية لها مكانتها وخصوصياتها وشهواتها، فقد كان من الأفضل ان لا يتطرق الكاتب بخياله ويلبس علي لبس الشهوانية وحب الجنس، وكأنه أقحمها إقحاما للرواية. تفاوتت العاطفة بين سطور الرواية، ولكن غلب عليها عاطفة الحزن في رحيل علي ودفنه وبعده عن وطنه، كذلك حب الوطن والنضال، وجمعت صفات الوفاء والانتماء وحب الخير والعدالة.


وشارك في النقاش كل من محمود شقير، محمد يوسف القراعين، رندة شرف، سهير زلوم، صلاح الزغل وعمر عميرة.




 

 

 

 

 

أفراسيانت .. جميع الحقوق محفوظة 2016